بيروت ـ «القدس العربي»: خلال الأزمة المالية العالمية التي بدأت عام 2008 أورد الأوروبيون إفتراضات عن وحدة الاتحاد الأوروبي وقدرته على مواجهة العجز. ومنذ ذلك الوقت، يشهد الاتحاد الأوروبي توترات شديدة تمثلت في احتمال انهيار اليورو والاتفاق التجاري مع الولايات المتحدة واحتمال خروج بريطانيا من الاتحاد، إضافة إلى خلافات حول السياسات الخارجية وإمكانية إنضمام سكتلندا إلى الاتحاد. إضافة لهذه الضغوطات، يواجه الاتحاد الآن، أكبر وأصعب تحدياته، المتمثلة في إدارة أكبر موجه هجرة منذ الحرب العالمية الثانية. فمع تدفق أكثر من مليون لاجئ العام الماضي، أثارت دول الاتحاد مخاوف بشأن استقرار الاتحاد السياسي والأمني وشددت على ضرورة حماية حدوده الخارجية والحفاظ على تماسكه الداخلي. وفي الوقت الذي يبذل فيه الزعماء الأوروبيون جهودا للاتفاق على رد منسق لأزمة اللاجئين، تصاعدت معدلات الهجرة غير الشرعية إلى أوروبا إلى حد غير مسبوق، ما دفع عددا من الدول لإعادة الرقابة على حدود دول شنغن المعفاة من تأشيرات الدخول داخل الاتحاد الأوروبي وإجراءات الفحص على الحدود، مهددة بذلك أحد أكثر الإنجازات التي تعتز بها أوروبا. وتعكس أزمة الهجرة، التي وضعت دول في خلاف مع أعضاء الاتحاد الآخرين، حجم الخلافات التي تعصف بالاتحاد وتهدد وحدته في حين تتبع كل دولة سياستها الخارجية الخاصة بها.
وقد انعكست أبرز هذه الخلافات حين أعلنت المفوضية الأوروبية الأربعاء، في نطاق مقترحات لإصلاح قوانين اللجوء، أنها ستسعى لفرض غرامات تصل إلى 250 ألف دولارعلى كل طالب لجوء ترفض دول الاتحاد قبوله. وواجهت الخطة معارضة فورية من بولندا والمجر وجمهورية التشيك- وهي البلدان التي كانت تنتقد بشكل خاص الجهود الرامية إلى توزيع أكثر عدالة للاجئين في جميع أنحاء الاتحاد الأوروبي. من جهته، سخر وزير الخارجية البولندي فيتولد فاشيكوفسكي من الإقتراح، وشبهه بـ «كذبة ابريل» في حين وصف نظيره المجري بيتر سيرتو الغرامات بأنها «مجرد ابتزاز».
كما فاقم خلاف النمسا وإيطاليا مؤخرا، الذي أتى نتيجة أزمة اللاجئين، الأزمات الداخلية في الاتحاد. ويأتي هذا بعد أن فرضت النمسا سياجا وضوابط صارمة عند معبر برينر الجبلي الذي يحد إيطاليا للحد من تدفق اللاجئين، ما دفع الأخيرة لإعتبار الخطوة تقييدا لحرية الحركة في الاتحاد. من جهة أخرى، تشكو اليونان وإيطاليا (التي يصلها الآف اللاجئين عبر ليبيا) تحملهما عبء اللجوء، ذلك أنه بموجب قواعد «دبلن» يجب على اللاجئين تسجيل طلبهم للجوء في أول دولة عضو في الاتحاد الأوروبي يصلون إليها. وتنتقد الدولتان عدم تقديم كثير من شركائهما الأوروبيين مساعدة للتعامل مع هذه الأزمة. وأثارت كل هذه التحديات، مجتمعة، تزايد القلق حول مستقبل الاتحاد ووحدته في ظل أزمة اللجوء التي تتصاعد مع غياب سياسة أوروبية مشتركة وموحدة في منطقة تتمتع بقوة اقتصادية وليست لديها قوة عسكرية أو أساس سياسي.
مشكلة اليونان مع دول «شنغن»
تعد حدود اليونان مع تركيا، من حدود «شنغن» الخارجية. وبسبب تدفق الكثير من اللاجئين والمهاجرين عبرها، أغلقت الدول الواقعة في الشمال حدودها.
في عام 2015 وحده، دخل أكثر من مليون لاجئ، دول شنغن، معظمهم عبر الأراضي اليونانية. ودفع هذا التدفق لللاجئين دول شنغن إلى إعادة العمل بضوابط الحدود الداخلية للحد من التدفق غير المسبوق للمهاجرين الهاربين من مناطق الصراع في سوريا والعراق ومناطق أخرى. وقد وجه العديد من دول شنغن اللوم إلى اليونان بسبب ما وصفوه بالتدفقات الخارجة عن السيطرة واتهموها بالسماح للمهاجرين بالمرور دون رادع. ووجدت عمليات تفتيش «أوجه قصور خطيرة» في اليونان ما دفع الاتحاد الأوروبي إلى اعطاء، أثينا، مهلة مدة أسبوعين، أي حتى 12 آيار/مايو الجاري، لوضع خطة فعالة لضبط حدودها. وهددت المفوضية الأوروبية أنه في حال لم تستجب اليونان للمطالب، ستقترح أن يتم السماح باستمرار الرقابة على الحدود داخل شنغن لمدة لمدة 6 أشهر إضافية قد تصل إلى سنتين.
خلافات دول الاتحاد حول ضبط الحدود
طلبت ألمانيا وخمس دول أخرى أن تستمر إجراءات مراقبة الحدود لستة أشهر أخرى وذلك بهدف تقليل تدفق اللاجئين إلى حدودها.
ألمانيا: يصل حاليا نحو 50 مهاجرا إلى برينر كل يوم. وقد يرتفع هذا الرقم إلى 500 في الأسابيع والأشهر المقبلة. واستقبلت ألمانيا أكثر من مليون مهاجر العام الماضي. وفي خطوة لمحاولة ضبط حدودها، قال وزير الداخلية الألماني توماس دي مايتسيره إن بلاده ستطلب من المفوضة الأوروبية السماح بتمديد القيود المؤقتة المفروضة على الحدود داخل منطقة شنغن إلى ما بعد 12 أيار/مايو وهو موعد انتهاء الأساس القانوني للإجراءات الحالية.
وقلت أعداد الوافدين بصورة ملحوظة بعد تطبيق القيود على الحدود في النمسا ودول أخرى على طول طريق الهجرة الرئيسي عبر البلقان نحو الشمال من اليونان.
وقال دي مايتسيره في بيان «حتى إذا انحسرت أزمة اللاجئين على الحدود الداخلية عبر طريق البلقان فإننا ننظر بقلق للتطورات على الحدود الخارجية للاتحاد.»
وقال مسؤول في الحكومة الألمانية إن الطلب سيكون مبادرة مشتركة من ألمانيا وفرنسا والنمسا وبلجيكا والدنمارك والسويد وسيتم إرسال الخطاب لبروكسل يوم الاثنين.
وقال دي مايتسيره «الدول الأعضاء يجب أن تكون لديها المرونة والخيار لفرض قيود على حدودها الداخلية في الحالات التي تراها ضرورية» مضيفا أن مثل تلك الإجراءات مطلوبة لضمان مستوى معين من الأمن.
إيطاليا: يتوقع عبور مليون مهاجر من ليبيا نحو السواحل الايطالية هذا العام. وبحسب بعثة الأمم المتحدة في ليبيا بلغ عدد المهاجرين إلى إيطاليا منذ الأول من كانون ثاني/يناير الماضي أكثر من 24 ألف شخص، وهو ضعف العدد المسجل في الفترة نفسها من 2015.
ويتوقع ارتفاع العدد هذا العام بسبب إغلاق الدول الواقعة على «طريق البلقان» حدودها. وكانت رحلة البلقان تبدأ بالقارب لمسافة قصيرة من تركيا إلى اليونان ومنها برا إلى النمسا.
ومن شأن إغلاق الحدود تجاه المزيد من المهاجرين للإبحار من ليبيا إلى صقلية أقرب المناطق الإيطالية. وقالت وزارة الداخلية الإيطالية إن أكثر من 2700 قاصر وصلوا إلى إيطاليا دون أسرهم في الأشهر الثلاثة الأولى من العام بزيادة أربعة أضعاف عن الفترة نفس من 2015.
الدنمارك: أعلنت الدنمارك هذا الإسبوع إنه سوف يتم تمديد العمل في إجراءات التفتيش المؤقتة على طول الحدود مع ألمانيا، حتى الثاني من حزيران/يونيو المقبل.
وتقدر الدنمارك أن نحو 630 ألفا خضعوا للتفتيش في الفترة من الرابع من كانون ثاني/يناير حتى 24 نيسان/إبريل الماضيين، ما أسفر عن رفض دخول 1133 من ألمانيا، واتهام 136 شخصا بالقيام بتهريب البشر.
وسجلت الدنمارك نحو 3300 طلب لجوء في الفترة من الرابع من كانون ثاني/يناير حتى 24 نيسان/إبريل الماضي
وقالت وزيرة الهجرة والتكامل أنجير ستويبيرغ إن الحكومة الدنماركية تعتقد أن الإجراءات لها «تأثير وقائي» مضيفة أن أعداد طالبي اللجوء في أوروبا «مرتفعة بصورة لم يسبق لها مثيل «.
وكانت الشرطة الدنماركية قد بدأت في إجراء أعمال تفتيش فورية في بعض نقاط العبور الحدودية الـ15 إلى ألمانيا في كانون الثاني/يناير الماضي.
فرنسا وبريطانيا ومخيم ”الغابة”
قالت فرنسا أنها لن تلتزم بفرض ضوابط حدودية وستسمح لآلاف المهاجرين بالتدفق على بريطانيا إذا انسحبت الأخيرة من الاتحاد الأوروبي في استفتاء من المقرر أن يجري في حزيران/يونيو.
وقال وزير الاقتصاد الفرنسي إيمانويل ماكرون ورئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون أن مخيما للمهاجرين يعرف باسم «الغابة’» في بلدة كاليه الساحلية شمال فرنسا يمكن أن ينتقل إلى جنوب انكلترا إذا خرجت بريطانيا من الاتحاد. وقال ماكرون إن خروج بريطانيا سيدمر اتفاقا حدوديا يوقف تحرك المهاجرين في فرنسا.
وقال لصحيفة فاينانشال تايمز «في اليوم الذي ستنفرط فيه أواصر هذه العلاقة لن يبقى المهاجرون في كاليه». وأضاف أنه سينتهي العمل باتفاق يسمح لبريطانيا بمراقبة الحدود ويمكنها من إبقاء المهاجرين غير المرغوب فيهم على الجانب الفرنسي من القنال الانكليزي.
مشكلة النمسا وروما
تستعد النمسا لإقامة سياج طوله 400 متر وفرض ضوابط صارمة عند معبر برينر الجبلي الذي يحد إيطاليا، حيث تتوقع السلطات أن يرتفع عدد المهاجرين الذين يصلون البلاد بشكل كبير. لكن خطوة
النمسا هذه اشعلت مخاوف في إيطاليا بسبب الضرر الذي يمكن أن يلحق بحركة الشحن التجاري على طول الطريق الرئيسي بين الشمال والجنوب.
ونقلت صحيفة «تيرولر تاجس تسايتونغ» عن الشرطة النمساوية قولها إنها تعتزم وضع نقاط تفتيش في برينر في أواخر أيار/مايو أو أوائل حزيران/يونيو، وذلك تمشيا مع تصريحات سابقة أدلى بها وزير الداخلية الجديد في النمسا فولفجانغ سوبوتكا.
من جانبه، قال رئيس الوزراء الإيطالي ماتيو رينزي أن الخطط النمساوية لإعادة فرض القيود عند ممر برينر خاطئة تماما.
وكتب على موقع الكتروني «احتمال إغلاق برينر يتنافى مع قواعد الاتحاد الأوروبي كما أنه ضد التاريخ والمنطق والمستقبل بشكل صارخ».
وقال مفوض الاتحاد الاوروبي للهجرة ديمتري افراموبولوس خلال زيارة لصقلية «إقامة الجدران والأسوار ليست حلا. علينا أن نبني جسورا (للتواصل) مكانها».
وحذر في مقابلة مع صحيفة «لا ريبوبليكا» من الخطوة قائلا «حرية الحركة هي أكبر انجاز للاتحاد الأوروبي، وأنا عازم على الدفاع عنها وتقويتها إلى أبعد مدى».
تركيا إلى «شنغن»
في ظل التعاون في مواجهة أزمة اللجوء، سجلت العلاقات بين تركيا والاتحاد الأوروبي تطورا ملحوظا هذا الإسبوع وذلك بعد أن أوصت المفوضية الأوروبية برفع تأشيرة دخول الاتراك إلى دول منطقة «شنغن» في حال أوفت تركيا بالشروط المتبقية التي وضعها الاتحاد بهذا الخصوص. وكانت تركيا قد قررت مؤخرا أنها سوف تسمح لمواطني دول الاتحاد الأوروبي بالدخول لأراضيها بدون تأشيرة أيضا.
مخاوف وخلافات في الاتحاد الأوروبي
في ظل أزمة اللجوء التي باتت تمثل أكبر تحد لمشروع الوحدة الأوروبية، انتقد خبراء سياسة الاتحاد الأوروبي الإجراءات التي تتخذها الدول للحد من تدفق اللاجئين.
وقال الباحث الايطالي في جامعة بافيا انطونيو موروني، وهو متخصص في الشؤون الإفريقية «لم يطرأ أي تغيير في سياسة الهجرة حتى بعد اندلاع الثورات في جنوب المتوسط، وهي تقوم بدرجة اولى على كيفية إقامة حواجز بحرية ضد المهاجرين بدلا من التركيز على تنظيم الهجرة».
وأضاف أن «اتباع سياسات طارئة لا يحل المشكلة. يتم التفكير في الغالب على مراكز المهاجرين والترحيل، وليس هناك تفكير في مراجعة النظام القانوني فيما يتعلق بقبول المهاجرين والإدماج والمواطنة».
من جهته، قال براء ميكائيل استاذ العلوم السياسية في جامعة سانت لويس في مدريد والخبير بشؤون الشرق الأوسط «ما يحصل اليوم أن الاتحاد الأوروبي يحاول أن يحمل على عاتقه إدارة هذه الأزمة سياسيا وأمنيا، ولكن في ظل تناقض كبير للمبادئ المعلنة من قبل الأوربيين».
ويتابع «ما يلاحظ اليوم على أرض الواقع غياب التضامن الأوروبي لحل أزمة المهاجرين غير الشرعيين أو حتى المهاجرين الشرعيين أيضا».
وترتبط الخلافات أساسا في تحديد نظام حصص للاجئين وإدارة الحدود وحرية التنقل في فضاء شنغن إلى جانب التعاطي مع الهجرة القادمة من جنوب حوض المتوسط، وتحديدا من سواحل ليبيا التي تعصف بها الصراعات المسلحة وخطر تمدد تنظيم الدولة الإسلامية المتطرف.
ريما شري