الأوضاع «المروعة» في مراكز الاعتقال العراقية: نتاج تراجع أداء القضاء وغياب المحاكمات العادلة

حجم الخط
1

بغداد ـ «القدس العربي»: كشفت زيارة الأمين العام لمنظمة العفو الدولية، سليل شيتي، في 30 نيسان/ابريل إلى أحد مراكز الاعتقال في ناحية عامرية الفلوجة، غرب العاصمة بغداد، عن «غياب» العمل بالقانون الجنائي في العراق واحتجاز «المئات» بتهم تتعلق بـ «الإرهاب» في ظروف وصفها بـ «المروعة».
وقال في تصريحات صحافية، ان وفد المنظمة «وجد 700 سجين أمضوا عدة أشهر في مركز الاعتقال بتهمة الاشتباه بالإرهاب» مؤكدا على وجود «مراكز اعتقال أخرى في البلاد».
وفي اتصال خاص بـ «القدس العربي» قال المدير التنفيذي لمنظمة «شبكة أحرار الرافدين» لحقوق الإنسان، راهب صالح، وهي منظمة حقوقية تعنى برصد انتهاكات حقوق الإنسان ومقرها جنيف «ان معظم المعتقلين لا يحظون بمحاكمة عادلة، كما انهم لا يتمتعون بحقهم في اختيار محامين أو هيئات للدفاع عنهم».
ومن خلال متابعة المنظمة لـ «عشرات القضايا المنظورة أمام المحاكم العراقية، والاطلاع على الظروف التي تجري بها تلك المحاكمات»، قال صالح، ان تلك المحاكمات «في غالبيتها محاكمات شكلية تفتقد إلى الأسس التي تؤهلها الصفة القانونية التي لا تترك ثغرات للطعن في نزاهتها».
وكشف عن حصول المنظمة على «معلومات خطيرة» كما وصفها تتعلق بـ «الانتهاكات التي يتعرض لها النزلاء في سجن الحماية القصوى في الكاظمية في بغداد».
وتقوم جهات حكومية عراقية، مثل وزارة العدل، بالاشراف على عدد من السجون، فيما «خصصت غالبية فصائل الحشد الشعبي معتقلات سرية خاصة بكل فصيل تشرف عليها قيادات تدربت في إيران قبل الاحتلال».
ومن بين «أكثر السجون سرية» السجن الخاص بالحرس الثوري الإيراني الذي يقع في «إحدى ضواحي العاصمة العراقية بغداد» حسب قول صالح الذي رفض الإفصاح عن مكانه الحقيقي مكتفيا بالقول «ان السجن مخصص لاعتقال كبار ضباط الجيش العراقي السابق الذين شاركوا في الحرب العراقية الإيرانية في عقد الثمانينيات من القرن الماضي». وتحدث مستندا إلى «معلومات مؤكدة» حسب قوله، «توثق احتجاز 97 ضابطا يخضعون لشتى أنواع التعذيب».
من جهة أخرى، كشف راهب صالح، عن «تعرض معتقلين من نازحي المدن السُنّية المضطربة إلى أساليب تعذيب وحشية في سجن قرة هنجير في محافظة السليمانية في إقليم كردستان».
وأضاف، نقلا عن «ناشطين» وثقوا أساليب التعذيب التي تعرض لها أحد المعتقلين الذي تم الافراج عنه من سجن قرة هنجير مطلع الشهر، وقال، ان المعتقل «بدت آثار تعذيب واضحة على مناطق مختلفة من جسده اثر تعرضه للضرب وتكسير العظام» ونقلوا عنه «بقاءه معلقا لمدة أربعة أيام متواصلة دون ماء أو طعام» وذكر ان قرار الافراج عنه جاء بعد «تدخل عدد من كبار الضباط وشيوخ العشائر لدى الجهات الأمنية في الإقليم».
وتحدث الشيخ رياض الدليمي، من منظمة «الأمل المنشود» التي تتخذ من بغداد مقرا لها عن زيارة سابقة قام بها مع عدد من كوادر المنظمة إلى مركز الاعتقال في ناحية عامرية الفلوجة، للاطلاع على أوضاع المعتقلين «والظروف السيئة» التي يعانون منها، وقال، «ان معظم المعتقلين يعانون من أمراض جلدية مختلفة أو أمراض في الجهاز البولي نتيجة تقديم الماء غير الصحي».
وأكد على «انعدام تام للرعاية الصحية» كما أشار إلى ان بعض المعتقلين الذين التقاهم مصابون «بأمراض جلدية نتيجة الحجر الطويل لعدة أشهر دون التعرض للشمس». ونقل عن أحد المعتقلين قوله «لا نريد شيئا سوى ان تخرجونا ساعة في الأسبوع إلى ساحة مركز الاعتقال للتعرض للشمس كعلاج من أمراض الحكة والجرب وغيرها من الأمراض الجلدية».
وقال لـ «القدس العربي»، انه أجرى عدة اتصالات مع الضباط المسؤولين عن مركز الاعتقال لتحسين ظروف احتجاز المعتقلين، والإسراع بتقديمهم إلى «المحاكم للنظر في قضاياهم وإدانة من تثبت عليه تهمة الإرهاب واطلاق الأبرياء الذين مضى على احتجاز الكثير منهم عدة أشهر دون محاكمة» لكن الضباط لم يستجيبوا لطلباتهم متذرعين تارة بان المعتقلين ينتمون إلى تنظيم الدولة، وتارة أخرى لعدم استجابة الجهات العليا المسؤولة، على حد وصفه.
وأشار إلى انه التقى «خمسة من المعتقلين الذين لم يعرف عنهم أي نشاط مشبوه، وهم أبرياء بحسب ما أعرفه عنهم بشكل شخصي، وبما معروف عنهم بين سكان المنطقة التي ينحدرون منها». وهؤلاء سبق ان تم اعتقالهم مباشرة بعد «نزوحهم من مدينة الرمادي خلال معركة تحريرها التي تخللتها عملية نزوح واسعة باتجاه مخيمات ناحية عامرية الفلوجة».
وفي سياق آخر، طالب الشيخ رياض الدليمي ما سماها «الجهات المعنية» للإسراع بتقديمهم إلى المحاكم، في الوقت ذاته «لابد من الإسراع بتوفير أماكن احتجاز بديلة تتوفر فيها أدنى حقوق المعتقلين التي تضمنها القوانين المحلية والدولية»، حسب تعبيره.
وأكد وقوع «انتهاكات جسيمة للقوانين العراقية التي لا تجيز اعتقال أي شخص دون مذكرة قبض صادرة عن جهة قضائية، وعرضهم على القضاء خلال مدة أربعة وعشرين ساعة دون تعرضهم للتعذيب أو اكراه على الاعتراف، مع الاحتفاظ بحقهم القانوني بتوكيل محامي يتولى مهمة الدفاع عنه».
وألقى الشيخ الدليمي باللائمة على مسؤولي محافظة الأنبار الذين «لم يقوموا بواجباتهم في توفير أماكن اعتقال بديلة بالتنسيق مع قيادة الشرطة المحلية»، وتوفير «الكهرباء والماء الصالح للشرب، وتوسيع أماكن الاعتقال التي تفرض احتجاز أكثر من مئتي معتقل في مساحة لا تتجاوز الثلاثين مترا مربعا» حسب تقديره استنادا إلى مشاهداته الشخصية لمركز الاعتقال.
وقال ان «منظمة الأمل المنشود» قدمت بعض «المساعدات من بينها بناء قاعة ضمن مركز الاعتقال للتخفيف من زحام زنازين الاعتقال»، فيما تمارس معظم نشاطاتها الإنسانية في ناحية عامرية الفلوجة ومناطق العاصمة الغربية.
وكان محافظ نينوى السابق، اثيل النجيفي، قد تحدث لـ «القدس العربي» عن «غياب الضوابط القانونية المفترضة في اعتقال المطلوبين، خاصة في المحافظات ذات الغالبية السُنّية، وهو من أسباب تنامي التطرف الفكري الذي قاد إلى نشوء تنظيمات إرهابية مثل تنظيم داعش» وشدد على ضرورة توفر «الشروط اللازمة في مراكز الاعتقال بموجب ما تنص عليه القوانين العراقية، خاصة ما يتعلق بواجبات الادعاء العام التي تستلزم تفتيش السجون والاطلاع على ظروفها وواقعها ورفع التقارير والتوصيات إلى الجهات المسؤولة».
ورأى في استمرار «سيطرة الميليشيات الشيعية على الأجهزة الأمنية بتركيبتها الراهنة واصرارها على التعامل مع العرب السُنّة بسلوك مغاير لتعاملها مع المكونات الأخرى، وتزايد حالات الانتهاك دون إجراءات رادعة ضد المسؤولين عن ارتكابها، سيدفع في اتجاه المزيد عزوفهم عن الاندماج في نظام يشعرون بأنه غريب عنهم»، على حد قول محافظ نينوى السابق، اثيل النجيفي.
أما الناشط السياسي، غانم العابد، فقد أشار خلال حديثه لـ «القدس العربي»، إلى «الفساد المالي والإداري الذي ينخر منظومة القضاء العراقي وانعكاسات ذلك على سلوك الميليشيات المشرفة على السجون والتي تمارس شتى أنواع التعذيب ضد المعتقلين بتهمة الإرهاب من العرب السُنّة حصرا».
وأضاف، ان غالبية المعتقلين «يتم حجزهم وفق المادة الرابعة من قانون مكافحة الإرهاب، وهي التهمة التي تسوغ الانتهاكات المروعة التي يتعرض لها المعتقلون السُنّة الذين ينظر إليهم كإرهابيين يجوز للميليشيات التي تدير المعتقلات العراقية تعذيبهم طالما تيقنوا من افلاتهم من العقاب».
وشدد العابد في السياق ذاته على غياب «مؤسسات الدولة العراقية ومن بينها مؤسسة القضاء التي باتت مختطفة لإرادة قيادات الميليشيات والحشد الشعبي فيما غاب الجيش العراقي والقضاء عن المشهد تماما».
وحذر من «حملات اعتقالات قد تطال عشرات الآلاف من سكان مدينة الموصل فيما لو سمحت الولايات المتحدة للميليشيات بالمشاركة في العملية العسكرية المرتقبة لتحرير المدينة».
وأكد العابد على «غياب الحقوق المدنية للمواطن العراقي من العرب السُنّة»، وأضاف، ان العربي السُنّي «متهم حتى تثبت إدانته»، في إشارة إلى تدني احتمالات براءة العربي السُنّي والافراج عنه دون «دفع رشاوى لمتنفذين سياسيين أو عسكريين أو من علماء الدين الشيعة»، حسب تعبيره.
ووصف الدولة العراقية بـ «دولة الميليشيات» التي ساهمت «السياسات الطائفية التي انتهجتها ضد العرب السُنّة في إنتاج تنظيم داعش» مؤكدا على «عدم إمكانية اجراء أي اصلاح جذري كفيل بخروج العراق من ازماته إلاّ بإصلاح القضاء وتطهيره من الفاسدين وفرض هيبة القانون وإعادة الاعتبار لمؤسسات الدولة العراقية» حسب رأيه معتبرا ان كل ذلك لا يمكن تحقيقه إلاّ «بتحجيم دور الميليشيات والحد من نفوذها المتصاعد تمهيدا لحلها وانهاء وجودها.

حقوق الإنسان تتعرض لإساءات خطيرة في العراق

أعلنت منظمة العفو الدولية الاثنين الماضي ان السلطات العراقية تحتجز غالبا أبرياء بتهم الإرهاب في ظروف «مروعة» في عموم البلاد.
وقال الأمين العام سليل شاتي بعد زيارة أحد مراكز الاعتقال في عامرية الفلوجة واصفا حال المعتقلين «أوضاع احتجازهم تشكل صدمة كبيرة، حيث لكل واحد منهم مساحة لا تتجاوز مترا مربعا، وليس هناك مساحة حتى للاستلقاء».
وتابع «كما ان الحمامات في الغرف نفسها، إضافة إلى ان كمية الغذاء قليلة جدا».
بدورها، قالت دونتيلا روفر مستشارة شؤون الأزمات في المنظمة ان «المركز يدار من قبل قوة مكافحة الإرهاب، ولديهم اربعة محققين فقط يعملون على معالجة القضايا».
وتقع عامرية الفلوجة في محافظة الأنبار حيث تقاتل القوات العراقية من أجل طرد تنظيم الدولة الإسلامية الذي يسيطر على مناطق شاسعة في هذه المحافظة منذ حزيران/يونيو 2014.
ودفعت المعارك ضد الجهاديين، الى نزوح اعداد كبيرة من المدنيين، واعتقل عشرات الرجال المشتبه بارتباطهم بالإرهاب.
وقال شاتي «لم توجه السلطات التهم بشكل رسمي لأي من المحتجزين، الذي قضوا أشهر لان السلطات المحلية ليست لديها القدرة على التحقيق في قضاياهم».
وأضاف «حتى السلطات المحلية تقول انه ليس لديها علم حول كيفية وصول هؤلاء إلى هذه المعتقلات، كما تعتقد ان غالبيتهم أبرياء».
ولفت شاتي إلى «مشكلة أكبر بكثير لاننا قابلنا 700 محتجز، لكن هناك الكثير من الأماكن الأخرى في البلاد».
وأضاف «انه بالفعل مثال سيئ لنظام القانون الجنائي الذي لا يعمل في هذا البلد».
وتؤكد المنظمة ضرورة تعزيز النظام القضائي في العراق حيث تتعرض حقوق الإنسان لإساءات خطيرة بشكل روتيني دون عقاب. (أ ف ب)

 

الأوضاع «المروعة» في مراكز الاعتقال العراقية: نتاج تراجع أداء القضاء وغياب المحاكمات العادلة

رائد الحامد

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية