في الأسبوع الماضي كان مسؤولو الأمم المتحدة يقدمون تقديرهم الجديد عن عدد القتلى في الحرب الأهلية السورية وهو 400.000 ضحية. وفي الوقت نفسه أعلنت منظمة أطباء بلا حدود عن تعرض واحد من المراكز الطبية التابعة لها في حلب لقصف قتل 50 شخصا من بينهم طبيب للأطفال في المدينة وهو محمد وسيم معاذ. وهذا تطور مهم في الحرب المشتعلة في البلاد منذ عام 2011. فقد أصبح حماة الحياة ضحايا. وعبر عن هذا بشكل واضح أسامة أبو العز، الجراح السوري في مقال نشرته صحيفة «نيويورك تايمز»(4/5/2016 ) يوم الأربعاء ووصف فيه الحياة في المدينة المنكوبة قائلا «يقوم الأطباء والممرضون بالظهور بمظهر الشجاع أمام مرضاهم». مضيفا «نعرف أننا نمثل بالنسبة للمجتمع الذي نعمل فيه الأمل الوحيد وأننا آخر المدافعين عن الحياة في المدينة ولكننا صرنا من بين الضحايا». وفي هذه الحالة خسرت حلب آخر المدافعين عن الأطفال، فعندما يموت الأطباء لا يبقى من يعالج المرض ويضمد الجراح، فالأطباء هم آخر جدار يلجأ إليه المرضى والجرحى، ومن هنا فمقتل الدكتور معاذ (36 عاما) يمثل خسارة فادحة لمدينة تعاني وتعيش الحرب منذ 5 سنوات. والمثير للأسى أنه مات ولم يتحقق حلمه حيث كان ينتظر كما أخبر أحد زملائه هيئة الإذاعة البريطانية «بي بي سي» «نهاية هذه الحرب الدموية كي يتزوج». لم يكن معاذ شخصا عاديا بل استثنائيا وصفه زملاء بأنه كرس نفسه لخدمة أهل مدينته. ففي النهار كان يعمل في مستشفى حلب للأطفال وفي الليل كان يعمل في مستشفى القدس حيث قتل. ويتذكر الجميع النكات والقصص التي كان يحكيها للمرضى. كان عليه أن يبقى قريبا من الأطفال فمن سيعالجهم لو غفل عنهم وهاجر كل واحد؟ وتظهر لقطات الفيديو نهاية معاذ وهو يغادر غرفة الإنعاش في طريقه لغرفة الطوارئ ومن ثم يحصل الإنفجار. كان بإمكانه السفر لو رغب مع عائلته إلى تركيا ويبتعد عن أهوال الحرب، لكنه لم يفعل. فهو يعرف أنه لو فعل لما تبقى طبيب في سوريا، وهذا هو الواقع. فبحسب منظمة أطباء من أجل حقوق الإنسان، ومقرها نيويورك تم تدمير أكثر من 350 عيادة طبية في سوريا ومعظمها بفعل الطيران التابع للنظام، وقتل أكثر من 700 طبيب وعامل في الخدمات الصحية. وغادر نصف الـ 30.000 طبيب سوري البلاد. وفي عام 2015 قالت المنظمة نفسها إن نسبة 95% من الأطباء في حلب إما فروا، أو اعتقلوا أو قتلوا. لم يبق أي طبيب ولا محلل نفسي كي يعالج السكان الذين صدمتهم الحرب، هذا بدون ذكر النقص الحاد في العاملين في الخدمة الصحية، سواء الأوضاع في المستشفيات وقلة المواد الطبية. وفي المنطقة التي قتل فيها معاذ لم يتبق سوى 70- 80 طبيبا يعالجون حوالي 250.000 مريض. أما مستشفى القدس فلم يعد يعمل فيه سوى 6 أطباء. والمفارقة أن الرئيس السوري بشار الأسد طبيب في المهنة لكنه يقوم بضرب المقاتلين في مدينة حلب منذ بداية عام 2012 في محاولة للسيطرة عليها لرمزيتها في لعبة السيادة المخرومة التي يعاني منها. فهي تظل عاصمة التجارة والصناعة، مع أنه لم يبق منها سوى أنقاض، دمرت مساجدها القديمة وأسواقها التي كانت روائحها تحكي قصة الحياة في سوريا منذ قرون.
أعراس وجنائز
وفي تقرير أعده مراسل صحيفة «نيويورك تايمز» ديكلان وولش وصف فيه الفرق بين الحياة في حلب الواقعة تحت سيطرة الحكومة والتي تعج بالحياة وتلك المنكوبة. وكأنه يقدم صورة بين الموت والحياة، فهنا أعراس وفي الجانب الآخر جنازات. وفي حفل زفاف في الجانب الغربي ينقل عن أحدهم قوله «هناك حرب وهناك حياة»، و «هناك قلبان في هذا البلد واحد مليء بالحزن والآخر بالسعادة» ونعرف أن حلب الشرقية هي مدينة الحزن والموت. فكما تقول صحيفة «الغارديان» (5/5/2016) «كانت حلب ثاني أكبر مدينة في سوريا، يعيش فيها مليونا نسمة ولديها حركة سياحية انتعشت حول قلعتها التي تعود للقرن الثالث عشر والمسجد الأموي والسوق القديم. وبعد حوالي خمس سنوات أصبحت المدينة جرحا مفتوحا، الرمز النازف لانزلاق بلد نحو الهاوية. لقد شقت بخطوط النار وعانت من البراميل المتفجرة والقصف المدفعي. وتحولت الكثير من مناطقها إلى أرض يباب. وهناك 300.000 نسمة هم من تبقى فيها يكافحون للحصول على الإحتياجات الرئيسية، وزاد الكابوس سوءا في الأيام الأخيرة».
لماذا حلب؟
وتقول «الغارديان» إن إتفاق وقف إطلاق النار الذي تم التوصل إليه يوم الأربعاء إن تم الإلتزام به سيكون فسحة من القصف اليومي. ورغم أن حلب هي جبهة من جبهات الحرب الكثيرة إلا أن مستقبل البلاد يعتمد عليها. فهي مركز القوى المعارضة للنظام السوري والتي يعتمد عليها التفاوض لتسوية سلمية إن تمت. ويضاف إلى هذا موقع المدينة الإستراتيجي القريب للحدود التركية والتي ظلت شريان الحياة للاجئين والمحاصرين في أحياء المدينة. وعليه فسقوطها يعني نهاية أي حلم لتسوية تفاوضية. وتقول إن نظام الأسد وحلفاءه الإيرانيين والروس يحاولون مد سيادتهم على الجزء الواقع تحت سيطرة المعارضة. ولا ريب فقد كان هذا الجزء مختبرا جرب فيه المقاتلون أشكالا من الحكم المحلي واللجان الشعبية. وفي حلب الشرقية واجهت المعارضة الجهاديين لأول مرة وأخرجتهم منها بداية عام 2014. وتربط الصحيفة مأساة حلب الحالية بالتدخل العسكري الروسي في خريف عام 2015 والذي غير معادلة الحرب بشكل راديكالي في سوريا- عزز من قوة الأسد وأضعف المعارضة ومنحت روسيا دورا قياديا في الأزمة وحرم الغرب من التأثير وأصبح تابعا لموسكو. ففي الوقت الذي يواصل فيه الأسد جهوده لخلق وقائع على الأرض لم يؤد المسار الدبلوماسي الذي تدعمه الأمم المتحدة لنتائج. ومع أنه قصد من هدنة 27 شباط (فبراير) التي اتفقت عليها موسكو وواشنطن لوقف الأعمال العدائية تحضير الأجواء للمفاوضات إلا أن النظام وحلفاءه استخدموها لإعادة تنظيم أنفسهم وتحضير الهجمات مثل التي شاهدناها في حلب. ففي غفلة عن أنظار العالم المتركزة على محادثات جنيف وانسحاب روسيا من سوريا في آذار (مارس) وصلت كميات كبيرة من السلاح للنظام السوري الذي استخدم محادثات جنيف كغطاء لمواصلة حملته لاستعادة المدينة. وفي الوقت نفسه استثمر بوتين موقعه الحالي كند للولايات المتحدة بدون تقديم تنازلات. وعليه فالحرب في سوريا لا تقترب من نهايتها. والولايات المتحدة المنشغلة بعام الانتخابات ليست بمزاج من يريد المساعدة على إنهائها، ولم تتردد إدارة أوباما بالتأكيد على أن أولوياتها تنحصر في محاربة تنظيم الدولة الإسلامية وليس تغيير النظام، رغم معرفتها بوجود تلازم بين بقاء النظام وصعود الجهاديين. وتملك روسيا اليوم اليد العليا على الساحة السورية لأنها تصرفت بحزم ولديها وجود عسكري في منطقة الساحل. ولا توجد أي إشارة أنها تريد الإنسحاب من قواعدها العسكرية بل على العكس نظمت رحلات لصحافيين أجانب طافوا في أرجاء قاعدة حميميم (واشنطن بوست/4/5/2016). وقام جنودها بالإحتفال بين أطلال تدمر الرومانية وعزفت الأوركسترا السيمفونية. وأثناء الحفل برز بوتين من بين الأطلال ليوجه رسالة لجنوده. ولا يبدو أن الوضع سيتغير، فالرئيس الأمريكي المقبل قد يغير موقفه أو لا. وفي وقت يعمل وزير الخارجية جون كيري المثابر بجهود يحمده الكثيرون عليها إلا أن تهديداته الأخيرة للأسد إن لم يلتزم بالهدنة تظل فارغة ولا معنى لها.
الحل بيد بوتين
وترى صحيفة «الغارديان» أهمية ممارسة الضغط على داعمي الأسد الدوليين وهم الروس والإيرانيون وبدون ذلك فأي حديث عن وقف إطلاق النار سيكون مضيعة للوقت. وفي ظل غياب الخيارات على المشهد السوري يبدو أن كتاب الأعمدة والإفتتاحيات في الصحف الغربية ينقلون عن بعضهم البعض، فـ «نيويورك تايمز» (5/5/2016) ربطت نجاح وقف إطلاق النار بالدور الروسي ولهذا السبب قالت إن «على أوباما وكيري إظهار الإستعداد ودفعه (بوتين) كي يتخذ الإجراءات المطلوبة حتى يوقف النزيف الدموي». ومع ذلك فالحملة الأخيرة على مدينة حلب أدت إلى موجة غضب دولية غير اعتيادية ضد بشار الأسد الذي ظل البعض في الغرب ينظرون إليه على أنه أقل الشرين بالمقارنة مع تنظيم الدولة.
حلب تحترق
وتشير مجلة «إيكونوميست»(7/5/2016) إلى حملة على مواقع التواصل الإجتماعي «حلب تحترق» وأدت إلى احتجاجات واسعة من سوريا إلى شيكاغو بعدما كشف أن حلب ليست جزءا من أتفاقيات وقف الأعمال العدائية التي اتفق عليها الأمريكيون والروس في 30 نيسان (إبريل). فيما دعت منظمات حقوق الإنسان الدولية «أمنستي وهيومان رايتس ووتش» وغيرهما الأمم المتحدة عقاب المسؤولين عن ضرب المستشفيات. وأشارت إلى الإتفاق الذي تم الإتفاق عليه يوم الأربعاء لتمديد الهدنة لكن المشكلة تظل قائمة لأنه يستثني كلا من جبهة النصرة وتنظيم الدولة مما يعطي النظام الذريعة لاستمرار الحملة الجوية والبرية ضد المدينة. وخلال كل هذا فقد عاد معدل القتل إلى مستواه قبل الهدنة، ففي الموجة الأخيرة قتل 200 شخص. ولا تتوقع المجلة استئنافا قريبا لمحادثات السلام في جنيف. فخلف المحادثات افتراضان ضعيفان، الأول يقول إن روسيا تريد التوسط في تسوية نزيهة وعادلة بين الأطراف، ومع أنها أعربت عن ضيقها من تصرفات الأسد وعناده فقد ظلت جهودها منصبة على منحه التفوق العسكري في الميدان. ولا نعرف والحالة هذه حجم النفوذ الذي تملكه روسيا على الأسد حال رغبت بفرض حل على النظام السوري. أما الإفتراض الثاني، فيتعلق بالموقف الأمريكي، فلم تعد واشنطن تصر على ضرورة تنحي الأسد عن الحكم. وكل هذا يجعل مهمة وضع حد للحرب صعبة إن لم تكن مستحيلة، طالما عرابها والمؤجج للحرب المسؤول عن نصف مليون ضحية موقعه آمن.
وفي هذه الحرب الطاحنة لا يمكن لأي طرف إدعاء. وإن لم نجد حلا لنهاية الحرب فستنهي الحرب الجميع، كما قال أتش جي ويلز، وعندها لن يرى النهاية سوى الموتى كما علق قبله بقرون الفيلسوف اليوناني أفلاطون.
إبراهيم درويش