«القدس العربي»: كثف الطيران الحربي التابع للنظام السوري قصفه على الأجزاء الشرقية من مدينة حلب، أو ما صار يعرف تداولاً باسم «حلب الشرقية» أو «حلب المحررة». وسقط في القصف الوحشي مئات الشهداء خلال عشرة أيام من الاستهداف الممنهج للمرافق الحيوية ومراكز الدفاع المدني ومستشفى «القدس» في حي السكري، حيث سقط نحو خمسين شهيداً، بينهم آخر طبيب أطفال في حلب المحررة، الدكتور محمد وسيم معاذ، وعدد كبير من الكادر الطبي والمرضى والجرحى الذين كانوا داخل المستشفى.
واعتبر عضو الهيئة العليا للمفاوضات وقائد لواء صقور الجبل، النقيب حسن حاج علي، في حديث إلى «القدس العربي»، أن هدف القصف الجوي هو «تهجير المدنيين من مدينة حلب، من أجل الضغط على هيئة المفاوضات لتقدم تنازلاً في مفاوضات جنيف المتعثرة».
وبدأ القصف من سلاح الجو التابع للنظام بعد فشل عدة محاولات للتقدم، قام بها جيش النظام والميليشيات «الشيعية» المقاتلة معه قرب حندرات، لقطع طريق الكاستيلو، ومحاولات أخرى للتقدم في الريف الغربي عن طريق جبهة خان طومان.
من جهته، أشار عضو «الائتلاف الوطني» سمير نشار إلى أن «النظام السوري وروسيا يعملان من أجل استعادة السيطرة على مدينة حلب، التي اعتبرت تركيا مراراً أنها ضمن الخط الأحمر التركي في الصراع». وأضاف نشار في تصريح لـ «القدس العربي» أن «روسيا تهدف من وراء هذا الضغط إلى إجبار المعارضة على القبول بحكومة مشتركة، ونسف اتفاق جنيف ـ 1 القاضي بتشكيل هيئة حكم انتقالية كاملة الصلاحيات.
وتابع نشار أن «روسيا تعتقد أنه في حال استعادة السيطرة على حلب، فهذا سيقلب الميزان العسكري كاملاً في الشمال وسيؤدي إلى هزيمة الثورة عسكريا، ما يعني انتصارا سياسياً لها من خلال استمرار الأسد في السلطة واجبار المعارضة على الالتحاق بالنظام من أجل محاربة داعش».
في السياق، عزا الخبير والمحلل العسكري العقيد أديب عليوي الهجوم الوحشي على «حلب المحررة» إلى قرار روسي أيضاً، وقال في حديث لـ «القدس العربي» إن موسكو «تهدف إلى زيادة الضغط على تركيا من خلال حملات تهجير السكان المدنيين في حلب، وإجبارهم على التوجه إلى الحدود السورية ـ التركية، المغلقة منذ نحو عام ونصف. وهذا تطور سوف يشكل ضغطا على تركيا وباقي أصدقاء الشعب السوري من أجل احتواء الأزمة إنسانياً، في محاولة لتحقيق مكسب في مفاوضات جنيف بين المعارضة والنظام».
وشنت حركة نور الدين الزنكي (أكبر فصائل الجيش الحر في ريف حلب الغربي) هجوماً على منطقة جمعية الزهراء، واستطاع مقاتلو الحركة، يرافقهم مقاتلون من لوائي صقور الجبل والحرية الإسلامي، السيطرة على عدة نقاط متاخمة لجمعية الزهراء، هي ثكنة الفاميلي وضهرة مهنا ومزارع الأوبري.
وعن سير العمليات، قال الناطق العسكري في حركة نور الدين الزنكي، النقيب عبد السلام عبد الرزاق، في تصريح لـ«القدس العربي»، إن «المعركة كانت بداية دفاعية، لصدّ محاولة تقدم قوات النظام على محور البحوث ـ الراشدين. وقد تم ايقاف هذه المحاولة، وبدء هجوم معاكس بالتنسيق مع فصائل أخرى في الجيش الحر للتقدم على محاور مجاورة».
واستطاعت فصائل الجيش الحر كسر خط دفاع النظام المحصن جيدا في النقاط الاستراتيجية، والتي تعتبر بوابة حلب الغربية وخط الدفاع الأخير عن أحياء حلب الغربية التي يسيطر عليها النظام. وأشار الناطق العسكري إلى أنه «تمّ تدمير كافة التحصينات الموجودة والسيطرة على العتاد والذخائر».
وقام النظام بقصف المنطقة بمئات القذائف وصواريخ أرض ـ أرض، كما قام الطيران الحربي والمروحي بقصف المنطقة بعشرات الصواريخ والبراميل المتفجرة. وفشلت الفصائل الأخرى في محور جمعية الزهراء من التقدم وإشغال الطيران الحربي، ما جعل النظام يركز قوته في منطقة الفاميلي التي سيطرت عليها حركة الزنكي وباقي الفصائل.
وعن خسارتهم للنقاط المسيطر عليها، قال النقيب عبد الرزاق: «كان من الصعب بناء الخط الدفاعي مع القصف الشديد من كافة الأسلحة والاتجاهات، ولكن تم تحقيق هدف المعركة الهجومية من تدمير دفاعات العدو والسيطرة على أسلحته وتكبيده خسائر كبيرة في العتاد والأرواح».
وشن جيش الفتح معركة استعادة السيطرة على بلدة خان طومان الاستراتيجية، والتي تطل على الطريق الدولي الذي يصل بين حلب وسراقب، حيث تقوم الميليشيات المتمركزة باستهداف السيارات والآليات على الطريق. وسيطر جيش الفتح على البلدة وأسر عدداً من المقاتلين الإيرانيين والأفغان بعد أن ضلوا طريقهم في المنطقة التي لا يعرفون طبيعتها الجغرافية. وفي حال استمرار تقدمه بهذه الوتيرة، من المتوقع أن يتمكن جيش الفتح من الرصد الناري للطريق الواصل بين الراموسة ـ خناصر جنوباً.
وهذا يعني أن حصار حلب الكبرى سوف تحققه قوات المعارضة هذه المرة، الأمر الذي من المنتظر أن لا يسمح به النظام، لأنه يحرج موقفه في العملية التفاوضية المزمع إحياؤها قريباً.
منهل باريش