واشنطن ـ «القدس العربي»: الإعلان الأمريكي عن التوصل مع الروس لاتفاق على وقف الأعمال العدائية في مدينة حلب لم يكن مدعاة للاحتفال في وزارة الخارجية، حيث أثار هذا الاتفاق الكثير من التساؤلات ناهيك عن توقعات باستمرار القتال رغم دخول الاتفاق حيز التنفيذ مع تأكـــيـــدات صريحة على ان الهدف هو «تعزيز وقف الأعمال العدائية».
وبلهجة غير مشبعة بالتفاؤل قالت وزارة الخارجية الأمريكية انها قد شهدت إنخفاضا في أعمال العنف في المدينة رغم وجود حوادث، وبعبارة أخرى، هناك اتفاق ولكنه لم يترسخ بعد أو كما قال السكرتير الصحافي للوزارة انه لم يكتمل مع اعتراف أمريكي صريح ان الوضع في حلب مائع ومعقد جدا بسبب تشابك واختلاط المجموعات.
الولايات المتحدة نسقت بشكل وثيق مع روسيا لوضع اللمسات الأخيرة لجهود تعزيز وقف الأعمال العدائية من أجل ان تضغط موسكو على نظام الرئيس السوري بشار الأسد للإمتثال في حين تتولى واشنطن مهمة الضغط على جماعات المعارضة السورية لتنفيذ الاتفاق، وقد ضغطت واشنطن بالفعل على موسكو من أجل تحفيزها على القيام بجهود ضد النظام.
المشكلة التي تواجه الولايات المتحدة في حلب هي عدم قدرتها على فصل جماعات المعارضة عن «جبهة النصرة» مما عرض الإدارة الأمريكية لأسئلة مثل، ما إذا كـــانت تتوقع حقا من قوات النظام السوري عملا أفضل أو التوقف عن مهاجمة الــجــبهة من أجل المحافظة على الاتفاق؟ الرد بالتأكيد كان مائعا، حيث قــالــت وزارة الـــخــارجــية ان الـحــاجة هنا تتركز على وقف تصعيد العنف وعدم القيام بهجــمـــات على الســـكــان المدنيين والمستشفيات والمرافق الطبية لان استهداف المدنيين غير مقبول قطعيا حتى لو كان بحجة مطاردة عناصر الجبهة.
الاتفاق بشأن حلب هزيل للغاية، فالأطراف كما اتضح لم تكن متفقة على توقيت دقيق للتنفيذ، ولكن جوهر المشكلة الذي لخصناه سابقا تمحور حول وضع «جبهة النصرة» فلم يتم تناوله قطعيا في البيانات الرسمية للحكومة الأمريكية أو الروسية حيث تتداخل أراضي الجبهة مع الأراضي التي تسيطر عليها جماعات المعارضة الأخرى التي وافقت على الهدنة الجزئية. روسيا من جانبها ترى انه يمكن استهداف الجبهة، في حين تجادل الولايات المتحدة بان عملية الفصل بين هذه الجماعات أمر غير عملي. وعلى سبيل المثال هناك صعوبات جدية في جهود الرصد وتعزيز مراقبة تنفيذ الاتفاقية لأن من الصعب تحديد هوية المتواجدين في بعض الأمكنة.
أما فيما يتعلق بالأقوال التي تفيد ان الولايات المتحدة تريد توسيع مناطق الهدنة لتشمل المناطق الخاضعة تحت سيطرة جبهة النصرة ولكن الروس رفضوا ذلك فان إجابة الإدارة الأمريكية كانت صريحة بان هذه الأقوال غير دقيقة. ولكن المتحدث باسم الوزارة رفض القول بشكل حاسم بانها غير صحيحة. ومن جهة أخرى، تشعر «جبهة النصرة» بأنها معزولة وهي تصارع من أجل الحفاظ على السلطة تحت اتفاقيات وقف إطلاق النار، حيث تم عزلها تماما من الاتفاقيات خلافا لجماعات المعارضة الأخرى.
ورفضت وزارة الخارجية، أيضا الإفصاح عن تفصيلات وأساليب تنشيط الاتفاق الجديد، ولكن وزير الخارجية جون كيري تحدث عن هذا الأمر في جنيف بالقول انه يسعى لزيادة الموظفين لتكثيف هذه الجهود، كما أكدت الإدارة الأمريكية ان الهدف النهائي يتجاوز خفض القتال في بعض المناطق وخاصة في حلب ليشمل كل ارجاء سوريا وعدم التوصل فقط لهدنة مؤقتة بل الحصول على حل سياسي شامل للأزمة السورية.
وفي الواقع، هناك حقائق واضحة في المشهد السوري من بينها اتصال الروس الدائم مع النظام السوري وتأثير الولايات المتحدة على جماعات المعارضة السورية، لذا ووفقا للخبراء، هناك حاجة لالتزام الأطراف باتفاقية وقف الأعمال العدائية إذا أرادت بالفعل تحقيق تأثير يذكر بالتوصل لحل نهائي.
ولكي ندرك تعقيد المشكلة لا بأس هنا من العودة إلى التذكير بقناعات روسية ترردها دوما وسائل الإعلام في موسكو حول عدم رغبة جماعات المعارضة في نجاح اتفاقيات وقف اطلاق النار لأنها تريد دفع الولايات المتحدة لتنفيذ خطتها البديلة باقامة مناطق آمنة وزيادة تسليح الجماعات في حال فشل الاتفاقيات، ولكن الإدارة الأمريكية بدورها نفت أثناء الحديث عن حلب بانها تنوي ارسال منظمات للدفاع الجوي للمتمردين في سوريا أو انها توافق على قيام دول التحالف بهذا الأمر مما يعنى عدم رغبتها في الوقت الحاضر في التشويش على المحاولات السلمية.
في نهاية المطاف، طلبت الولايات المتحدة ثانية من روسيا الضغط على الحكومة السورية لوقف القصف العشوائي الدموي في حلب بحجة ملاحقة عناصر جبهة النصرة، ولكن التقارير الأخيرة مقلقة للغاية، إذ تفيد بتعبئة عسكرية تشير إلى استعدادات للنظام لتصعيد القتال في المدينة رغم الاتفاقية، والآمال ضئيلة في تحقيق نتائج من الاتفاقية رغم الحاح واشنطن على وقف إطلاق النار في جميع أنحاء سوريا.
رائد صالحة