عدل في الولايات المتحدة

حجم الخط
0

أعلن الشاب المبتسم: «أنت تعرفينني». ولكن رغم جهدي لم أنجح في اخراجه وجهه من مخزون ذاكرتي التي أفخر بها. وقبل أن ابدأ بالاعتذار قال مصححا: «لم يسبق أن التقينا، لكنك كتبت عني قبل عشر سنوات». احترام ذاكرتي للوجوه بقي كما هو.
من الغريب أننا لم نلتق رغم أنني كتبت عنه. إنه محمد الغزي من غزة. ومن اجل أن نلتقي كان يجب عليه الذهاب حتى الندوة في «نيو سكول» في نيويورك حول سياسة الاعتقالات الإسرائيلية الجماعية خصوصا في اوساط القاصرين الفلسطينيين: أنا مستمعة، وكان هو أحد المتحدثين. الآن جاء دوري كي أفاجئه: «أمس بالضبط كتبت عنك مرة اخرى»، قلت له. الشبان الاكفاء واصحاب المعرفة مثله، قلت عنهم في المقال «أسود في القفص»، حول كفاءات الغزيين الذين يذهبون إلى الضياع لأن إسرائيل حولت قطاع غزة إلى السجن الاكبر في العالم.
ونظرا لأن إسرائيل لم تسمح له بالخروج للدراسة في الضفة الغربية، فقد حصل على الماجستير من لندن والدكتوراة في موضوع تطور الطفل يقوم بالتحضير لها الآن في سويسرا.عندما يريد الاشخاص الدراسة في الخارج فهناك طريقة للسماح لهم بالخروج. العودة للعيش في قطاع غزة المغلق هي بمثابة الانتحار المهني. ويمكن اضافة شيء آخر للقائمة الطويلة للنشاط الإسرائيلي لتدمير المجتمع الفلسطيني: تهريب الأدمغة.
في 2003، الغزي و9 طلاب آخرون من القطاع تم قبولهم في جامعة بيت لحم في برنامج تعليمي خاص للعلاج، من اجل تلبية احتياجات السكان في قطاع غزة بسبب النقص في المهنيين في المجالات الطبية. وقد عارضت إسرائيل خروجهم. ومنذ 2000 فرضت منع شامل على خروج الطلاب من القطاع للدراسة في الضفة الغربية (في التسعينيات كان المنع شاملا، لكن إسرائيل اضافت عقبات على الخروج للدراسة في الضفة). الذريعة للمنع: العمر الخطير ومبررات اخرى تهدف للتغطية على السبب الحقيقي الذي لم يتم ذكره أبدا: منذ 1991 وإسرائيل تعمل على تحطيم وتقسيم المناطق الفلسطينية التي من المفروض أن تقام فيها دولة حسب قرارات وتفاهمات دولية.
وعودة إلى الشاب المبتسم: لأنه لم يُمنح إذن خروج للطلاب العشرة المتلهفين للدراسة، قامت جامعة بيت لحم بوضع خطة بديلة عن بعد. المحاضر جاء من النرويج إلى غزة وأجريت المحاضرات بواسطة الفيديو، والتهيئة المهنية تمت في مصر. الامر الاصعب كان التغلب على نقص المواد وغياب المحاضرين والمتابعين للتعليم. جمعية «غيشاه» (مركز الحفاظ على حرية الحركة) قامت بتقديم دعوى للمحكمة باسم الطلاب. وقد رفضت المحكمة الدعوى لكنها أوصت الدولة بانشاء جهاز «يهتم بالحالات التي لها أبعاد انسانية». ولا نعرف إذا كانت الدولة ستعمل بناء على هذه التوصيات أم أن هذا هو تكتيك آخر للتملص. أي عدم القول إن من حق الطلاب في غزة أن يتعلموا في الضفة الغربية.
من موضوع إلى موضوع وفي نفس الموضوع: يبدو أنه هناك نشاط يومي مؤيد للفلسطينيين في نيويورك؛ شعراء فلسطينيون يلقون القصائد؛ طاقم التعليم في جامعة «ان.واي.يو» يتبنى قرارات مقاطعة اكاديمية لإسرائيل؛ يتم عرض افلام عن فلسطين ومعارض للصور ـ كل شيء تحت عنوان العدل لفلسطين، العدل للفلسطينيين، حق العودة، وايضا «انهاء تجاوزات الكيان الكولونيالي الاستيطاني (إسرائيل)».
هل الولايات المتحدة هي المكان الملائم لتجنيد اشخاص من اجل العدل وضد «تجاوزات» إسرائيل؟ اليكم مقطع من بريد الكتروني أرسله ساندرس للجمهور: «في الولايات المتحدة التي هي الدولة الأغنى في العالم، 47 مليون أمريكي يعيشون في الفقر، حوالي 22 في المئة من الاولاد فقراء، نسبة الفقر في اوساط الاولاد لدينا هي الاعلى من بين الدول الكبرى. العيش في الفقر لا يعني أنه لا يوجد فقط المال لشراء تلفاز كبير أو حاسوب. العيش في الفقر يعني أن فرصك للحصول على غذاء صحي في منطقة سكنك، ضعيفة. وفي احيان كثيرة لا تعرف متى ستأكل الوجبة التالية. العيش في الفقر يعني أن فرصتك للوصول إلى الطبيب، ضعيفة. هذا يعني أنك تسافر في المواصلات العامة بشكل أقل وهناك صعوبة لايجاد عمل. وفرص الاستفادة من خدمات رعاية الطفل ضئيلة. في الولايات المتحدة الأمريكية الفقر احيانا يكون الحكم بالموت».

هآرتس 8/5/2016

عدل في الولايات المتحدة
تقام في نيويورك بشكل يومي نشاطات مؤيدة للفلسطينيين فهل تستطيع دولة الـ 47 مليون فقير العمل من اجل الآخرين؟
عميره هاس

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية