الهروب إلى الأمام هذا بالتحديد ما تقوم به روسيا اليوم في حلبة الصراع الدولي على سوريا.
موسكو التي تجد نفسها محاطة بسيل من النقد والتشكيك في نواياها السياسية الحقيقية على خلفية تدخلها في سوريا لتثبيت نظام الأسد، ومن خلف ستار مسرح جنيف تريد تمرير سياستها المادية لتطلعات الشعب السوري الثائر على نظام دمشق، وتلاحقها تهم موثقة من قبل منظمات حقوق الإنسان الدولية بارتكاب جرائم حرب في سوريا واستخدام القوة المفرطة ضد المدنيين في الأماكن التي تقصفها بحجة القضاء على الإرهاب الأمر الذي يخالف القانون الدولي والقانون العرفي الإنساني الذي لم يؤمن الروس به يوماً.
روسيا التي تشير كل المؤشرات والدلالات قطعية الثبوت، إلى أنها تستغل مفاوضات جنيف وعدم الاتفاق على تعريف واضح للإرهاب ومن هو الإرهابي الحقيقي في سوريا ضمن لائحة المنظمات التي يصنفها مجلس الأمن الدولي على انها منظمات ارهابية ، وتستغل قرار وقف الأعمال العدائية أو الهدنة كما يحلو للبعض تسميتها، التي لم يلحظها السوريون، الشهود العيان على مجازر الروس اليومية بحقهم.
قررت روسيا بكل وقاحة انتهاج سياسة التصعيد ضد المدنيين في مواقع الثوار السوريين بشكل عنيف خاصة في حلب المدينة الاستراتيجية وعاصمة سوريا الاقتصادية التي تربطها حدود مشتركة مع الحليف التركي، لم يكن التصعيد هذه المرة عبر طائرات الموت، بل في قاعة مجلس الأمن الدولي.
ترسيخاً أو انسجاماً أو قل تواطؤا مع نظام بشار الأسد،موسكو طلبت رسمياً من مجلس الأمن الدولي ادراج كل من تنظيم «أحرار الشام» و«جيش الإسلام» المناهضين لنظام الأسد،المقاومين للغزو الروسي في سوريا. وتصنفانه على انه احتلال تقوم به روسيا للجمهورية العربية السورية، الهدف منه فرض نظام الأسد على الشعب السوري بالقوة الجبرية وهو الذي سلمها سوريا على طبق من ذهب.
ولا يخفى على مراقب الدور السلبي الذي يقوم به الروس ضد ثورة الشعب السوري بل أصبح من المعيب ومن السخف التذكير بما فعلته روسيا بحق السوريين، وأضحت اخبار المجازر التي ترتكبها الطائرات الروسية في مدن واحياء وأسواق المدن السورية خبرا يوميا توثقه عدسات الناشطون السوريين وتتناقله وكالات الانباء العالمية بشكل اعتيادي ولم يعد الأمر موضع شك، ولم يعد خبرا أولاً ولا ثانيا لكثرة المجازر المرتكبة يوميا.
الخطوة الروسية غير مستغربة فطالما اتهم الروس التنظيمين المذكورين أنهما ينسقان مع تنظيم «القاعدة» للقيام بأعمال إرهابية في سوريا، ويجب القضاء عليهما.
أوليغ سيرومولوتوف نائب وزير الخارجية الروسي في مقابلة مع وكالة «تاس» قال :«يعد «جيش الإسلام» و»أحرار الشام» تنظيمين إرهابيين إجراميين يجب القضاء عليهما ووضع حد لأنشطتهما الإجرامية».
وأضاف أوليغ، إنه يجب إدراج «جيش الإسلام» و«أحرار الشام» على قائمة التنظيمات الإرهابية، باعتبار أنهما «يعجزان عن المساهمة بأي قسط في تحقيق الأهداف السياسية المشتركة لسوريا برمتها».
كما أن روسيا تعتبر جيش الإسلام المسؤول عن تفجير مبنى الأمن القومي التابع لنظام الأسد في عام 2012 الذي تبناه حينها لواء الإسلام و الجيش السوري الحر.
وتجاهلت روسيا عن قصد،أن مقر الأمن القومي المحاط بحراسة مشددة في حي الروضة وسط العاصمة دمشق، ولم تراع موسكو أن المعارضة في تلك الفترة لا تستطيع الوصول إلى الشارع المجاور فضلاً عن التسلل إلى المبنى وتفجيره.
وتكيل موسكو الكثير من التهم لجيش الإسلام. منها قصف السفارة الروسية في سوريا.
أثناء التحضير لعقد جنيف ثلاثة قبلت روسيا على مضض وجود ممثلين عن هذين الفصيلين في وفد الهيئة العليا للتفاوض لكنها لم تكف عن المطالبة في ادراجهما في لائحة المنظمات الإرهابية. ولأن موسكو كانت مقتنعة أن جنيف ثلاثة ليس أكثر من مسرحية هزلية في تفاصيل الصراع على سوريا، وصناع القرار السياسي في موسكو كانوا يبيتون في اعماقهم أنه في حال سارت الرياح بما تشتهي روسيا يمكن غض الطرف عن بعض التفاصيل في مقابل المكسب المتوقع.
ولما جاء قرار وفد هيئة التفاوض إلى جنيف بتعليق المفاوضات بسبب عدم التزام نظام دمشق وحلفائه بقرار وقف الأعمال االعدائية وعدم تنفيذ الفقرات «11.12.13 « من قرار مجلس الأمن «2254» المتعلقة بالشأن الإنساني والمعتقلين.
كشر بوتين عن أنيابه وقرر لعب ورقة ضرورة مشاركة الأكراد «حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي» حليف الروس والامريكان معاً، وورقة المنظمات الإرهابية كردة فعل على قرار الهيئة التفاوضية لجرها إلى جنيف مرغمة دون شروط بالتزامن مع تصعيد عسكري عنيف على حلب. ربما كانت ورقة احتياطية في دواليب السياسة الروسية تستخدم في حين الضرورة.
أعتقد أن الروس كانوا مدركين حقيقة عدم الموافقة على مثل هكذا قرار،كما حدث معهم من قبل عندما طالبوا بإصدار قرار من مجلس الأمن الدولي لمنع التدخل العسكري في سوريا لقطع الطريق على السعودية وتركيا اللتين أعلنتا بإمكانية التدخل البري من قبلهما تحت مظلة التحالف الدولي لمحاربة الإرهاب في سوريا.
ربما لم تكن الإدارة الأمريكية التي عرقلت صدور القرارين مقتنعة كل القناعة بعرقلة هذا القرار وهي التي لم تخف عدم ارتياحها لهذين الفصيلين، لكن حساباتها الدولية وخاصة مع دول الخليج وعدم رغبتها في مزيد من التصعيد معهم وربما حتى لا تقضي على أي أمل في إعادة احياء مفاوضات جنيف التي يعول عليها أوباما من اجل تبرير مواقفه المشبوهة تجاه الثورة السورية ويجد في استمرارها فرصة للمناورة بانتظار انتهاء ولايته الأخيرة، جملة هذه العوامل مجتمعة دفعت إدارة أوباما لعرقلة صدور هذا القرار وليس عن قناعة شخصية منه.
ميسرة بكور – كاتب وباحث سوري