لا شيءَ يحدث الآن

حجم الخط
0

أوّل أيام الشتاءِ. أجلس خلف نافذتي مستنشقا طعم الغيوم. للغيم نكهة الحبق المذوَّب في الحليب. سأحتفل بأوّل أيام الشتاء وحيدًا كذئب البراري الوحيدِ.
أطفئ ضوءَ الكهرباءِ وأشعل شمعة.
أعبّئ كأسيْ كريستال نبيذا فاخرًا. أشرب كأسي وكأسَ الخريف الذي قد مضى. أسحبُ قرصًا ليزريّا من جوف مكتبتي: كونشيرتو التشيلّلو الأوّل لهايدن. أضع القرص على الجهاز. تنحني إبرة التشغيل في رهبةٍ. تتدفق موسيقى البِيان / يلتمعُ البرقُ.
!

وحدي أنا هاجع خلف نافذتي. لا شيءَ يعكٍّر صفوي، مثل قوقعةٍ مضمومةٍ على مجاهلها.
أنا هادئ هذا المساء. أرائكي الخمسُ هادئة، عوارضُ السقف، وسائدُ القطن، مكتبتي وطاولتي ولوحة الزيت ( مات صاحبُها ). أنا الآن صاحبها.
!

أظلّ خلف نافذتي. أراقب برجَ الحمام عند السطح. لو كنتُ حمامة ( أقول في سرّي ). لا شيءَ يعكّر صفوي. أدندن اللحنَ الحزين محافظا على رشاقة الأسلوب، فيحملني الايقاع صوبَ غابة سنديان داكن. الغابة حائط أشجار ونباتٍ. لا بابَ لأدخله أو دربَ لأسلكه.
أعبّ جرعة من نبيذٍ تعتّق في الجرار، فيتّضح الطريقُ. أخوض في الأعشاب والطحلب المغمور بالضوء والأملاح، مقتفيًا خطوةَ عابر سابق ( لا أعرف إن كانت خطوة إنسان أم حيوان برّيٍ ).
أظلّ أمشي ندى يبلّلني كزهرةِ الجلّنار…

يتغيّر الايقاعُ. كونشيرتو التشيلّلو صار أكثر خفة. أتخيل بيير فورنييه واقفا في الظل، أصابعه العشرُ تنقر أقراص البيان، متتبّعا تسلسل الناي والكمنجات السريعةِ.
تمطرُ فجأة…
تلتمّ الحماماتُ في برجها القرميد. تلتمّ كصندوق كمنجةٍ. ألتمّ مثل تويجةٍ برّيةٍ. أصغي لصوت الرعد يشطر امرأة في البعيدِ وصفصافة نبتت في حديقة منزلي. أشمّ رائحة الماء والكبريتِ.
‘لو كنتُ صفصافة !’، أقول في سرّي، لانتبهتُ للتجاعيد في صورة الضوء وفي مسار الريح.
سوى أنني خلف نافذتي، أحتفل بأوّل أيام الشتاء وحيدًا، كذئب الجبال الوحيدِ.
تؤدّي الكمنجاتُ تسلسل النغم الأخير. يخفت النايُ. تهتزّ إبرة التشغيل برّاقة كَناب الذئبِ.
يسكتُ الرعدُ. تمّحي غابة السنديان.
!

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية