تاريخ معاصر واستشراف لمستقبل جمهورية 25 يناير

حجم الخط
0

القاهرة ـ «القدس العربي» ـ من كمال القاضي: خلال الثلاث أو الأربع سنوات الماضية، صدرت عشرات الكتب تتناول صورة 25 يناير/كانون الثاني من وجهات نظر متعددة ومختلفة، وربما منها ما أفسح هامشا لثورة 30 يونيو/حزيران، باعتبارها مكملة لها، أو في أي اعتبار آخر، ولكن ليس من بين ما صدر كتاب ربط بين الثورتين وثورة 23 يوليو/تموز، وأفرد مساحات مطولة عبر فصول لأوجه التشابه والاختلاف، وعقد مقارنة على نحو إيجابي بينهما، راصدا بأمانة دور الشعب الذي كان محور الارتكاز والمحرك الأول والأساسي في كل الثورات والانتفاضات.
كتاب هو الوحيد من نوعه عرضا وتدقيقا وموضوعية، سجل للتاريخ المعطيات والتفاصيل في 204 صفحات، حوت الكثير مما غاب عنا وطوته الذاكرة، سواء بطول المدة الزمنية الفاصلة بيننا وبين الأحداث أو بالتجاهل والإهمال كما سنعرف لاحقا.
الكتاب الصادر حديثا هو «تجديد الفكر الناصري» للكاتب محمد بدر الدين، وضع له المقدمة الكاتب الصحافي الأشهر والمرشح الرئاسي السابق حمدين صباحي، الأمر الذي ساهم لا شك في الالتفاف، إي العنوان والمضمون على خلفية ما وقر في ذهن القارئ عن الانتماء الناصري لصباحي، فضلا عن الفضول لمعرفة ما يمكن أن يكتب عن العلاقة بين ثورتي 25 يناير و30 يونيو والثورة الأم 23 يوليو.
يتصدر الكتاب إهداءان إلى الزعيم جمال عبد الناصر والكاتب الصحافي محمد حسنين هيكل، ثم تكون المقدمة المطولة لحمدين صباحي مثنيا في بدايتها على محمد بدر الدين وتجربته ورؤيته، ثم عارجا على فترات النضال التي عانق فيها مع الشباب الثوري النقي الحلم بتحقيق الحرية والعدالة الاجتماعية، متجاوزا العثرات والكبوات، واقفا بصلابة في وجه الريح والأنواء والأعاصير، طاويا الطريق تحت قدميه ليسرع نحو حلمه الذي تحقق بثورة مجيدة في الخامس والعشرين من يناير عام 2011 بعد طول انتظار.
هكذا يمكن تلخيص وتكثيف المقدمة التي كانت مفتتحا مغريا بالقراءة وعبورا من المقدمة إلى متن الكتاب نفسه، نطالع أفكار وطروحات بدر الدين الفكرية والسياسية وانحيازاته الناصرية الموضعية، مشفوعة بشهادات مهمة لكتاب كبار كمحمد حسنين هيكل وبهاء طاهر ومحفوظ عبد الرحمن وعبد العظيم مناف وجلال عارف ومحمد عودة، وغيرهم من رموز الفكر الناصري في تدشين قوى للدفاع عن فكرته ونواتها الصلبة المرجعية الفكرية الناصرية بمنطلقاتها المتعددة، وهنا يستوجب السياق للتدليل فحسب أن نورد سطورا من تعريفه للكتابة «تجديد الفكر الناصري»، كما خطه بيده ووضعه على غلاف الصفحة الأخيرة، إذ يقول: «هذا الكتاب عن الناصرية نهجا ونظرية ثورية وجمهورية أولى قادها جمال عبد الناصر 1952 ـ 1970».
عن الناصرية: الواقع الحاضر وسؤال المستقبل وإلى أي مدى لا يزال نهجا صالحا صحيحا وأنها احتياج متجدد؟ وهذا الكتاب إطلالات مقارنة بين الناصرية فكرا وطريقا وتيارا وغيرها من تيارات في الواقع المصري العربي، وما الخاص المميز لكل منها والعام المشترك بينها.
كما أنه إطلالات على انتفاضات الشعب المصري وثوراته ضد الجمهورية الثانية، أي الجمهورية التي أسسها السادات، خاصة منذ العام الكارثي 1974، وكرسها مبارك وواصلها الإخوان من انتفاضة 18/ 19 يناير 1977 إلى الثورة الشعبية الكبرى المتواصلة ذات الذروتين 25 يناير 2011 ـ 30 يونيو 2013.
وهذا الكتاب يجتهد من أجل أن يستشرف الجمهورية الثالثة، أي مشروعنا الوطني القومي القادم من أجل الحرية والنهوض الشامل والعدل الاجتماعي وتحرير وتوحيد الأمة. ويستطرد محمد بدر الدين في ما يقول: آفاق الجمهورية الثالثة التي ليست فحسب استعادة ثورة وثورية الجمهورية الأولى أو الثورة من جديد، بل تجديد الثورة. إنها جمهورية 25 يناير – 30 يونيو كحلقة عليا تستأنف وتتوج كل حلقات وحركات الوطن الثورية في تاريخنا الوطني والقومي الحديث والمعاصر.
هذا ما خطته يد الكاتب نفسه عن رؤيته للكتابة محددا محاوره الرئيسية بعيدا عن التفاصيل التي هي بالقطع أكثر إيضاحا وثراء وتفنيدا لموجبات الحكم بالتشابه بين ثلاث ثورات عظيمة، هي يوليو و25 يناير وامتدادها الطبيعي 30 يونيو، مع الأخذ في الاعتبار أن ثورة يوليو بدأها الجيش وساندها الشعب، بينما 25 يناير و30 يونيو ثورتان قام بهما الشعب وسانده الجيش، وقد أكد الكاتب محمد بدر الدين على ذلك وشدد عليه في مواضع كثيرة وسياقات استدعت هذا التوضيح.
ولم يغفل بدر ما مرت به ثورة يوليو من ظروف عصيبة في مارس/آذار 54 أدت إلى انقسام بين أعضاء مجلس قيادة الثورة تحت مزاعم الديمقراطية وصعود نبرة من طالبوا بعودة الجيش إلى ثكناته، وهو ما وردت بشأنه شهادة لمحمود أمين العالم تنطوي على مراجعة مهمة للموقف وتصحيحا لخطأ تم إدراكه مؤخرا وباستحضار أزمة مارس وخلفياتها وتداعياتها جاء الربط بينهما وبين ما حدث ولا يزال صداه يتردد في ثورتي 25 يناير و30 يونيو، حيث صيحات المعارضين وأصحاب المآرب الأخرى المنددة بوصول الجيش للسلطة، أو ما يسمونه «بحكم العسكر» وهو الافتئات على الحقيقة وتجاهل الموقف التاريخي للشعب الذي عبر عن إرادته في مراحل مفصلية من عمر الوطن تجلت صورتها النهائية في ثورة 30 يونيو.
ويدلل الكاتب على أن الشعب هو صاحب القرار دائما وأبدا بما حدث أيضا في فترة الخمسينيات والستينيات من نزول الجماهير ووقوفها إلى جانب الجيش في معركة 56، ثم رفضـــــها القاطـــع لتنحي عبد الناصر بعد نكسة 67 وتتويج تأييدها الكامل وحبها الجارف له في يوم الوداع الأخير 28 سبتمبر/أيلول عام 1970 مرورا بتضامنها معه في وقفات تاريخية نضالية ذات دلالة، إبان إعلان تأميم قناة السويس وبناء السد العالي وتحدي البنك الدولي بعد رفضه المشروع، وهكذا دواليك مواقف وتواريخ.
كتاب تجديد الفكر الناصري نهج جمال عبد الناصر وجمهورية 25 يناير إصدار مهم كونه الأول من نوعه، كما أسلفنا، الذي عقد مقارنة بين ثورة يوليو 52 والثورتين الأخريين 25 يناير و 30 يونيو، ليربط بين الماضي والحاضر عبر دراسة تاريخية موثقة لها باعتبارها وقيمتها على مستويات شتى.

 تاريخ معاصر واستشراف لمستقبل جمهورية 25 يناير
«تجديد الفكر الناصري» كتاب لمحمد بدر الدين

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية