كيفما تكونوا يكون مسرحكم

حجم الخط
0

القاهرة ــ «القدس العربي» محمد عبد الرحيم: «كيفما تكونوا يكون مسرحكم» بهذه العبارة يختتم الناقد فاروق عبد القادر كتابه «ازدهار وسقوط المسرح المصري»، الذي صدرت طبعته الأولى عام 1979، وأعادت مكتبة الأسرة طبعه مؤخراً، ضمن سلسلة الفنون. يستعرض عبد القادر في دراسته المهمة وفي جرأة كبيرة تضرب وجهة النظر السائدة في رواد وأعمال المسرح المصري، كاشفاً صفات إما استمدوها من الدعاية، أو من خلال تزييف الوعي والتحايل على الأمراض الاجتماعية والسياسية، التي أنتجت هذا الشكل المسرحي أو ذاك. تاريخ طويل من السقطات وفقط لحظات أشبه بالومضات لم تدم. ورغم أن الكتاب صدر في نهاية سبعينيات القرن الفائت، إلا أنه لم يزل حتى الآن وثيقة حية وكاشفة لما أصبح عليه الحال، فالنتائج حتمية لإرهاصات وبدايات مُلفقة في أغلبها. وإن كان الكتاب يخص المسرح إلا أنه يمتد ليشمل المناخ الثقافي المصري بشكل عام. ونستعرض هنا بعض ما جاء من قضايا، في حدود ما يسمح به العرض في صحيفة.

الرواد وجمهور المسرح

كما يبدو في التأريخ للمسرح العربي، فالبدايات كانت مع مارون نقاش في بيروت، أبو خليل القباني في دمشق، ويعقوب صنوع في القاهرة، إلا أن هذه الأعمال لم تجد سوى موليير لتستظل به، نقلاً وتعريباً. وما يهمنا هنا هو الموقف من مسرح يعقوب صنوع ووصفه بالنضالي. يرى المؤلف أن صدامه مع الخديوي ومقولة تعرض مسرحه لسيطرة الأجانب على الاقتصاد الوطني، وتبني قضايا الشعب، كلها مقولات فارغة، تؤيدها حداثة التجربة والمشاكل المادية التي أدت لإغلاق مسرحه. والسمة الأهم أن هذا المسرح ظل بعيداً عن التعبير عن اهتمامات جماهير المصريين، وهدفه كان التسرية عن فئات بعينها، خاصة الأتراك والطبقة العليا في المجتمع المصري.

الكسار والريحاني ويوسف بك

هنا يظهر مسرح الكسار والريحاني ويوسف وهبي. فالأول لم يعتمد على نصوص مكتوبة، واعتمد على الشخص الأوحد، فاندثر. لكن فضله يكمن في ظهور فرد من أكثر فئات الشعب بؤساً، وهو ما فسر ارتياد العمال والفقراء مسرح الكسار. أما الريحاني فالمعضلة في موقفه من النظام الاجتماعي، وإن كان ينتقد هذا النظام في جزئياته، إلا أنه لم يصل إلى حد الثورية.. فهو الفقير الطيب، الذي ينقلب حاله مُصادفة وينتابه التغير الاجتماعي، ليصبح في مصاف السادة، بالميراث أو الزواج، وفي الأخير يظل مخلصاً لفئته الاجتماعية التي أتى منها. لذا هو نقد آمن في حدود المسموح به، ولحظة مواساة من لحظات الخيال. ويأتي يوسف وهبي ليقدم مسرحيات من عالم آخر.. يستشهد المؤلف بمسرحية «بيومي أفندي» التي تستعرض موضوع الأبناء غير الشرعيين، والرجل الذي اجتهد وكوّن ثروة، وامرأته الخائنة وتسامحه معها في النهاية، وفقط كل أمنياته طبق بصارة. كل ذلك في وقت كانت مصر تموج بالثورات، فقد تم إلغاء الدستور، والفساد يعم الجميع!

توفيق الحكيم

لا ينكر المؤلف أن توفيق الحكيم قطع شوطاً كبيراً في التقدم بالمسرح المصري والعربي، وهو أول مّن كتب باللغة العربية نصوصاً مسرحية تلتزم قواعد البناء الذي عرفه المسرح الأوروبي، كما شمل مسرحه العديد من الموضوعات، بداية من إعادة صياغة التراث الإغريقي، إلى محاولة مسرحة القصص القرآني والتوراتي والعربي والفرعوني، وكذلك الواقع المعاصر، وتطويع وتطوير القالب المسرحي. إلا أن مأزق الحكيم ــ الذي اختاره ــ بجعله الإنسان والفنان على طرفي نقيض، وهو ما يتفق مع تكوينه النفسي وانتمائه الطبقي. فلم يقدم يوماً نقداً عميقاً ينفذ إلى أسس الفساد، بل كان قاصراً على بعض النواحي السطحية، حتى أنه مضى بمسرحه بما لا علاقه له بمجتمعه وما يعيشه بالفعل.

فن المسرح وارتباطه بالتغيرات الاجتماعية

من مثقفي جيل الأربعينيات خرجت أصوات المسرح الجديد كتاباً ونقاداً، وقد ظهرت ملامح التغيير التي لطالما حلموا بها، مثل.. نعمان عاشور، ألفريد فرج، لطفي الخولي، سعد الدين وهبة، عبد الرحمن الشرقاوي، يوسف إدريس، ميخائيل رومان، لويس عوض، محمد مندور ومحمود أمين العالم. في ظِل السماحة التي ميزت النظام الناصري في سنواته الأولى، والطابع التقدمي العام الذي طبع الثقافة المصرية حتى أوائل الستينيات. تباينت أعمال هؤلاء في المستوى الفكري والجمالي، حتى في الأعمال المختلفة للكاتب نفسه. ويُشير المؤلف إلى مسرحية «سقوط فرعون» لألفريد فرج، بأنها تجربة جادة في المسرح المصري، رغم التباين النقدي حولها. وقد أراد كاتبها لأخناتون أن يترك السلطة ويسير مُبشراً بمنهجه السِلمي. وبخلاف سعد الدين وهبة وانتقاده لجزئيات فساد الإدارة، سواء في مجتمع الفلاحين أو المدينة، وأنه آثر (سِكة السلامة) كما يقول مؤلف الكتاب، إلا أن اللافت هو موقف عبد الرحمن الشرقاوي، في مسرحية «مأساة جميلة»، الذي يصوّر فيها جنود الاحتلال الفرنسي لا يكفّون عن إبداء التعاطف مع قضية الجزائر وضيقهم بعملهم، ورغبتهم في الخلاص منه! الموقف نفسه يتكرر بعد ذلك بسنوات عند مناقشة القضية الفلسطينية والصراع العربي الإسرائيلي، في مسرحية «وطني عكا» كل جنود جيش الاحتلال يُكيلون قصائد المديح للشعب الصامد، حتى أن أحد قادة الجيش الإسرائيلي يفر عائداً إلى موطنه الأصلي في أوروبا.

مراكز القوى

هذه الصفة تنطبق على حالة رشاد رشدي، الذي اتخذ من الجامعة كأستاذ للأدب الإنكليزي مُنطلقاً، وقد شكّل مجموعة من الطلاب والمريدين كجوقة تردد مآثره، ويعرف كيف يستعديها تماماً ضد كل ناقد له ولأعماله. لا تدور أعمال رشدي إلا عن الخيانات الزوجية والفشل والإحباط بين الشرائح العليا من الطبقة الوسطى، ويصبح الجنس الفج موضوعاً وحيداً للعمل الفني. وبالتالي أصبح المُعبّر عن هموم الأرستقراطية القديمة، وانفصال الفن عن الواقع. ففي مسرحية «بلدي يا بلدي» على سبيل المثال لا يرى في الشعب سوى الجهل والغوغائية، لا يهمه سوى الطعام والجنس. هذا الموقف يتباين حد الدهشة في مسرحية «عم أحمد الفلاح» ــ بعد أكتوبر/تشرين الأول 1973 ــ عم أحمد هذا الذي أصبح .. «لحمه دهب، عضمه فضه، شعره من نور السما». ولا ينسى رشدي أن يقول رأيه في المعركة.. «مش حكاية حرب وسلام، دي حكاية أهم وأعم، حكاية الإنسان مع الشيطان».

السقوط

بخلاف أعمال ألفريد فرج ومحمود دياب ــ والأخير امتدت به المعاناة طويلاً من البيروقراطية والرقابة حتى توقف عن الكتابة للمسرح ــ نجد تضافر كل من فناني المسرح تأليفاً وإخراجاً، مع سوء الإدارة الثقافية عموماً، من اختلاق مسارح وتقديم أعمال كيفما اتفـــــق، وانتقال مسارح الدولة إلى القطــــاع الخــــاص، المتمثل في الفنانين أنفسهم، الذي يدير بعضهم مسارح الدولة أو يعمل فيها أو في هيئاتها التعليمية ــ لا ننسى تجارب جلال الشرقاوي وعلي سالم ــ حالة قصوى من الفساد والانتهازية، فاعتمد المسرح سياسة النجم الأوحد وتفصيل الأحداث حسب شخصيته، حسب هوى جمهور المسرح التجاري متدني الذوق، من دون نسيان جمهور بلاد النفط، الذي أصبح يحتل الصفوف الأولى لما يُسمى بـ«المسرح».

كيفما تكونوا يكون مسرحكم
«ازدهار وسقوط المسرح المصري» لفاروق عبد القادر…

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية