سيلفي… والجثة خلفي

حجم الخط
22

كم تساءلنا في بداية الردود الدموية على تظاهرات المدنيين، كيف يعود القاتل إلى بيته، ليعانق أولاده، ويأكل الطعام بشهية، ويعانق زوجته، وينام آمناً!
لم نكن نفهم آلية هكذا نوع من البشر، قادر على التوفيق بين مشهد الجثة البشرية أمامه، ومشهد يومي عادي مفعم بالمشاعر العائلية. لكن أسئلتنا آنذاك، نحن السوريين، وقبل خمس سنوات، لم تتجاوز حدود اللامنطق أكثر من فكرة (كيف يعانق، كيف يأكل..)، وكانت تلك الحالات العائلية الإنسانية المتناقضة مع سلوك شخص يقتل، مشوبة في مخيلاتنا بحزن ما، أو تجهّم.
كنا نتخيل القاتل هكذا: يعانق أولاده ـ يأكل ـ يعانق زوجته ـ ينام… ولكن في كل فعل من تلك الأفعال، ثمة ألم ما، وضغط صورة الجثة، يشوب كل فعل يقوم به. لكن المرح حالة مباغتة. أن تضحك وأنت أمام الجثة، أمر فاق تصوراتنا. ألهذه الدرجة كنا نجهل التركيب الوحشي في الكائن الإنساني الذي يتقاسمنا الحياة؟ حسناً، مجدداً، نعود إلى السؤال ذاته: كيف يعود القاتل إلى بيته، ليعانق أولاده، ويأكل الطعام بشهية، ويعانق زوجته، وينام آمناً! في هذا السؤال المختصر، والمتكرر بصياغات عديدة، تكمن في المخيلة، غالباً، صورة الرجل. الرجل القاتل، الرجل القاسي، الرجل الوحش: يرى الجثة أمامه، ثم يمارس حياته، يأكل وينام و…
ما لم نكن نتخيله، أن يفعل القاتل كل هذا وهو يضحك، ثم أيضاً لم نتخيل أن تفعل كل هذه الأمور: امرأة! من منا كان يتخيل أن تنظر امرأة إلى جثث وأشلاء حولها، من دون أن تُصاب بالصدمة والهلع، ثم بموجات من الكآبة والإقياء ربما.
كامو الهشّ، الرجل، حين شهد حكم إعدام أحد اللصوص في سوق عام، أصيب بالغثيان، وكتب «المقصلة»، ليشرح ذلك الرعب الذي أصابه من فصل رأس الضحية عن جسده، أمام عينيّ الطفل كامو، آنذاك. حين قرأت هذا الكتاب في حلب، فهمت لماذا كانت (الدولة) آنذاك، تشنق المحكومين في ساحة باب الفرج، فور طلوع الضوء وقبل ازدحام الساحة بالناس.
الجثة أمامك، أمر مرعب، هذا هو البديهي. أما أن تضحك أمام الجثة، أما أن تضحك أمام الجثة امرأة، أما أن تضحك أمام الجثة امرأة بكامل أناقتها، بماكياجها ولمعان أسنانها وجمال تفاصيلها كأنها تلتقط صورة في بستان ورود وفراشات وعصافير (الصورة النمطية الدافعة لاسترخاء كهذا أمام الكاميرا)، ثم تلتقط هذه المرأة صورة سيلفي، من دون أن توفّر متعة إظهار أشلاء الجثث، فهذا يفوق القدرة على الاستيعاب.
هذه الصورة كافية لوحدها للذهاب بعيداً في تحليلاتنا لبنية الكائن الإنساني في العنف. البنية التي تستدرج الوحش النائم منذ قرون، وتعيد المرء إلى أصوله بوصفه آكلاً للحم الآخرين: أمثاله من البشر. كنت أتمنى الاستغراق طويلاً في تحليل الصورة، ومقارنتها بما ورد في كتاب «الفوتوغراف» لسوزان سونتاغ، واصفة الأثر الذي تتركه الصورة على المُشاهد، لنتحدث في مرحلة مختلفة، جديدة، فاقت هلع صور الحرب التي استوقفت سونتاغ، للحديث عن نوع جديد من الصور: البهجة مقابل الهلع! من يقدر على تأليف كتب عن هذه البهجة؟ عن تقنية السيلفي، والجثث في الخلف.السيلفي الضاحك، المستمتع، الضارب بعرض الحائط نظريات الصدمات أثناء الحروب، بل والضارب بنظرية هشاشة المرأة في الحرب.. أي جحيم نعيشه على الأرض، حين نرى امرأة تلتقط صورة ، بكامل أناقتها، مع أشلاء بشرية.
ربما ستكون هذه أحد أهم الدراسات المقبلة بعد انتهاء هذه الحرب، ذات يوم، لاكتشاف (سايكولوجيات) جديدة تخلقها الحروب، ربما نحن السوريين، دخلنا في ما بعد الصدمة بكثير، ليأكل أحدنا لحم أخيه، ميتاً، في عصر ما بعد الحداثة، عصر السيلفي.

٭ كاتبة سورية

سيلفي… والجثة خلفي

مها حسن

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية