في أنثروبولوجية الدبكة

حجم الخط
0

لا أنفي يوماً أنني مهتم بالرقص، وأنني دوماً ما أتتبع التطور التاريخي والتاريخ الاجتماعي الذي كوَّن الرقصات الشعبية، أو حتى الرقصات الحداثية. كنت أكرر مشاهد الرقص في الأفلام وأركز كلياً على رقصات الأعراس، لأفهمها أداء، ولكي أُرضي رغباتي الثقافية بمعرفة مكونات الرقصة، وأُطوِّر أدواتي النقدية في اكتشاف الأخطاء النموذجية التي يخالف فيها بعض الأفراد أصل الرقصة. الرقص كالطبخ كالموسيقى مجالات مرتبطة بالكائن البشري بشكل عضوي وأرضي للغاية، وتشكِّل ناحية أصيلة في بنية هويتهِ الثقافية وتبني تصوّره حول علاقته بالمجتمع وتملأ ذاكرته بالحكايا الشعبية أو الأمثال المنثورة، وتوحّد مع الأساطير رؤيته مع الرؤية الجمعية للأقارب وأبناء الحارة والبلدة الواحدة.
سيبدو هذا تافهاً للبعض، وفكاهياً للبعض الآخر، لكنني ولله الحمد، منذ تخلصت من آثار الثقافة الجادة التي سممت زمناً من حياتي، وحجزتني عن تطوير علاقة طبيعية بما هو شعبي وأصيل وشرقي، وأنا أنظر لهذا الجانب من الإنسان على أنه من أكثر جوانبه أصالةً في التعبير عما هو إنساني ومقدس في آنٍ معاً. إذ يبدو لي بوثوق كلي، أن الرقص من ناحية فلسفية، أداة صلبة وفعالة في تجذير علاقة الإنسان بالأرض، والحفاظ على الانتماء للجغرافيا، بل هو وعاء مرئي يحمل التراث من جيل إلى جيل، ويحميه من النسيان، ويفعل الذاكرة بشكل فيزيائي ويكثف الحضور.
الدبكة تاريخياً ترجع إلى بلاد الشام، ويقود مسيرتها عرب الشمال، وإن اعتبرنا الدبكة مجالا تداوليا، فإن هناك فروقات طفيفة بين أنساق الدبكات في بلدان الشام. يحاول كل بلد من هذه البلدان، إثبات أصالته والتأكيد بالأدلة على تأثيره المتجاوز إلى باقي الدبكات. وهذا النوع من الجدل، ليس هزلياً، بل له معاني سياسية واجتماعية مهمة، المعنى السياسي منها أن في إثبات التأثير، تأكيدا على النفوذ ورفع راية الفضل. والمعنى الاجتماعي منها، إثبات للمرجعية الثقافية والأصالة المهيمنة.
الدبكة تجمع بين كل ما هو تناقض جميل، فعبرها يثبت الشاب رجولته، وجهوزيته لتكوين عشّه البسيط، وبها تكشف الأنثى عن كامل أنوثتها وجمالها، ولذلك يحاول الشباب أو الفتيات، وفي أي مناسبة، إبراز مهاراتهم وقدراتهم على الرقص. ودوماً ما يتنافس الشباب على الأول، والأول في سياق الدبكة هو الأكثر إتقاناً والأقدر على رسم خط الرقصة وقيادتها. وهكذا تضفي الدبكة، في مشرقنا العربي، مع الشاب الأسمر وعيون الأنثى العسلية، ثلاثية البقاء الطويل.
الإسرائيليون بدورهم، رغم أنهم احتلالهم للأرض زمانياً ومكانياً، يحاولون عرض دبكتهم الخاصة، ليس من أجل النشر الثقافي لتراث متوَّهم مخترع، بل لأجل إثبات الأقدمية في المكان. والوسيلة الأنثروبولوجية تحفر في الجذور وتغرس، لا تقوم بنفخ هوائي عابر. الأنثروبولوجيا ليست علماً للتحري والكشف فقط، بل وسيلة طيعة تحت يد الاستعمار، كما يراها مفكرون كبار، كالفرنسي جيرار لكلرك، محاولة للانتزاع الثقافي ثم إعادة بناء تخيلي لمخيال غير حقيقي.
في المقارنة بين الرقصات الشرقية، والتي تحمل الدبكة راية التعبير عنها، وبين الرقصات الغربية، فإننا نرى في الغالب أن الرقص الغربي إما أن يقوم على رقص بين شخصين وغالباً ما يكونا ذكراً وأنثى، أو يكون رقصا فرديا بين جماعة، داخل فضاء عام ذي حدود مرسومة لكن بقواعد مرنة. لكن الرقص الشرقي لا يمكن أن يكون نموذجياً، إلا حينما يكون جماعياً وذا قواعد واضحة. فالدائرة التي هي أكمل أشكال الهندسة في الحياة، كما يقول كاليغيولا، هي الفضاء التداولي الذي تتحلق فيه الدبكة، بالإضافة إلى تشابك الأيدي بين الراقصين، التي يغيب فيها الفرد عن الحضور وتظهر الجماعة بشكل معبر عن الرابط التكاملي.
في الكثير من الأديان، يعتبر الرقص شأناً روحانياً، فهو طقس من الغياب الذهني عما هو واقعي، وتكثيف للكوني، وممارسة للتحليق وطلباً للسعادة الجوّانية. كما يمكن اعتبار الرقص تأدية مسرحية، والمسرح فنا نوعيا منزوع التكلّف والتصنّع. كذلك الرقص الشعبي الذي ينزع ثوب التكلف عن المرء، ويزيد ثقته بذاته ويرفع من أمنه النفسي، ويكون شخصيته الاجتماعية. الرقص رحلة المرء من العيش الفرداني الذاتي المنعزل عن المحيط إلى الاندماج الانتمائي.

كاتب سوري

في أنثروبولوجية الدبكة

عبدالله الرحمون

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية