الكتلة التاريخيـّة وبناء الرّواية العربيّة

حجم الخط
2

يقول الأمريكي ماكسوال مالتـز: (1889 / 1975): «إذا صادقت نفسك فإنك لن تكون أبداً؛ وحيداً». ربّما كانت العبارة آنفـاً تصلح أنْ تكون مدخــلاً بشأن الرّواية العربية اليوم، لأنّ موضوع الرّواية أشغــل الأوساط الثقافية والفكرية، بله الأدبية والسياسية؛ أيّما إشغال… حتى إنّ العديد قال: إنّ هناك انقلاباً في الحياة الأدبية العربية المعاصرة؛ بسبب سطوة الرّواية على غيرها من الأجناس الفنيّة، بل وصفت (بالهوس).
فلماذا أصبحت الرّواية ديوان الحاضر وليس الشعر ديوان الأمس؟ ربّ قليلين (وربّ للتقليل وللتكثير؛ لا تدخل إلا على الأسماء النكرة) لـم يدركوا بعـد أنّ كلّ جنس أدبي هو انعكاس للجنس الاجتماعي.. فهو ابن بيئته وزمانه ذاك، بل إنّ من أساسيات النـصّ المعاصر توافــره على عناصره؛ وهي وحــدات: الموضوع والزمان والمكان؛ بالتالي فإنّ النصّ ابن مرحلته.. ومنْ شابهها فما ظلم. لـو دققنا مليّـاً بتضاريـس المرحلة العربية المعاصرة (منذ احتـلال القـــدس 1967 وانتهاء باحتلال بغــداد 2003) سنجد أنّ أكبـــر المتضررين اجتماعياً في الوطـن العربيّ هم (الطبقة المثقفة). وغالبية الطبقة المثقفة ينتمـون إلى الطبقة الوسطـى: الدنيا أو العليا. ومعلوم بالضرورة أنّ الطبقة المتوّسطة (المثقفـة) هم من متعلميــن ومعلّمين وموظفين مهنيين؛ وقطاع خــاص؛ بكلّ أصنافهم ومهنهم؛ وهم صنّــاع الحراك الاجتماعي والاقتصادي والسياسي والثقافي في غالبية البلدان العربية.. كذا في غالبية بلدان العالم. ولقد تضررت الطبقة المتوّسطة في المشـرق العربيّ؛ على المستويين المباشر وغير المباشر، حتى تلك الطبقات التي لـم تصطدم مباشرة بالعنـف أو بالاحتلال اللاحق.. لأنّ الأنساق الاجتماعية والثقافية العربية؛ مترابطة المـزاج ومتعاطفة التأثير؛ بغض النظرعن الحدود السياسية. بدليل أن ما حصل في تونس كـان صداه في القاهرة. وما وقع في بغداد كان صداه في طرابلس وعمان وبيروت؛ وما حصل في صنعاء كان صداه في الخليج كلّه، وما يحصل في دمشق أصبح في كلّ منزل عربيّ سواء في المشرق أو المغرب الكبير. فهي حالة طبيعية بين بني قحطان وعدنان؛ وفق نظرية الأواني المستطرقة. بمعنى آخر أنّ الطبقة المتوّسطــة؛ وهي الطبقة الفاعلة تكاد تتشابه نسقياً في الوطن العربيّ؛ على الأقل في خطوطها العامة.. مع عدم إغفــال خصوصياتها المحليــة (القطريـة). ولأنّ النسق الأكثر مرونـة هنا للتعبيرعن هذه الطبقة هوالنسق الثقافــي (والكلام قرين الشخصية العربية) اتخــذ من الرّواية السبيل الجديد للبناء الذاتي؛ وللتواصل مع الآخرين؛ بعدما أصبــح الشعر (عاجــزاً) عن بناء نسق عربيّ جديد يتلاءـم مع هذه الطبقة الأهمّ في وطننا الكبير. لأنّ الشعر العربيّ في نزعته غالباً؛ قرين للصالونات لا قريناً للشعب؛ إلا في حدوده الحماسية. أما الرّواية فهي الجامعة ما بين الأعلى والأدنى؛ فهي تلائــم أغلب الطباع؛ لذلك (سادت) وفق حقيقة الواقع الجغرافي على حساب الموروث التاريخي. بمعنى أنّ الرّواية حملت رسالة معاناة جغرافية عابرة للحــدود؛ أكثر من الشعر الذي بقيّ لصيقاً بتاريخ الأمجاد. فهل هو صـراع بين الجغرافيــة والتاريخ؟ ربّما… وهل ستكون الرّواية صانعة لحقائق جيوسياسية عربية جديـدة؛ أقـــوى من الجامعة العربية مثلاً؟ ربّما. وبالتالي منْ يمسك بعنان وخطام الرّواية والرّوائيين؛ سيمسك حتماً بعنان الطبقة الوسطى؛ أيْ الطبقة الصانعة للأحـداث؛ وهي الكتلـة التاريخية بوصف غرامشي الإيطالي. وأول مهام هذه الكتلـة أنها تسعى إلى تحسين صورة الذات؛ من خلال وفرة منظومة الأفكار الأدبـية؛ التي تقــوم عليها الأعمال الرّوائية؛ بواسطة الســرد الوصفي المقصود، أو من خلال حـوار الشخصيات فيـها. وهذا جزء من علم التحكّم الآلي للمرء في علم النفس حتى إذا لم يعرفه تشخيصاً. ويجب ألا ننسى حقيقة (طبيعية) وهي أنّ الشخصية العربية كالأرض العربية: لديها بطن من رمل؛ لا تكفي لريّ عطشها مياه النيل ودجلة والفرات وبردى، بل يرويها جنس من (الكلم) الذي كان لأوّلها قصص من السّماء كالغيــث المنــزل؛ بعد جاهلية جافة. والرّواية اليوم هي من جنس ذلك (الكلم) الهاطل؛ على امتداد جغرافية العرب العطشى للغيث. ومنْ (يسيطـر) على جنس الرّواية؛ في السنوات العشر المقبلة؛ غالباً سيسيطرعلى مداخــل ودواخل ومخارج ومخرجات المشهـد: الثقافـي والإعلامي والاجتماعي والسياسي العربيّ؛ لأنّ الكتلة التاريخية ستســـود في نهاية المطاف؛ نتيجة (عودة الرّوح) للنسق الأصلي؛ الذي أصيب بأضرار.
لقد نشأت الكتلة التاريخية؛ نتيجة تحولات اجتماعية ؛ لكن فجأة وجدت (نفسها) خارج تشكيل الوضع المستجد؛ بل إنّ التشكيل كان على حسابها؛ فجعلها ضحيّـة وكبش فداء.. لذلك ستسارع الخطى بالتعجيل؛ لاختصار الميقـات الزماني والمكاني لملء دورها الحركي في المسار العام.. وربّما منحها جنس الرّواية (حالة التسامي) لتعويض البطالة التي كادت أنْ تحرمها الإنتاج؛ لأنّ الرّواية تمتلك رصيد التمويل الذاتي؛ وترسم سيناريو الشخوص والأشياء؛ بل لها (99) وظيفة تجديدية للفكر… حتى أراد بعضهم أنْ يصفها بالمقاولات العمرانية التي تسود في أجواء البورصة.. لأنّ المقاولات تخلق فرصاً لـ(99) عملاً في المجتمع والدولة؛ وهي مقياس أيّ نمو عمراني واجتماعي واقتصادي؛ ناجح. إنما جنس الرّوايــة يبقى متفوقاً ومختلفاً وأسمى على جنس المقاولات كلّه بمميّزات عدّة؛ بل ومضادة عليه فلسفـة؛ منها:
٭ أنّ المقاولات بناء ثابت (ستاتيكي)؛ والرّوايات؛ فعل انقلابي تفكيكي خـلاق.
٭ أنّ المقاولات تقوم على التخطيط الجامد؛ والرّوايات تُـقيم هندسة جديدة الكلام.
٭ أنّ المقاولات تلبية للمقيمين (الثاوين) والرّوايات سياحـة في البرّ والبحر والجوّ.
ولمّا لم يجدوا قرينة ومقارنة بينهما؛ (اهتدوا) إلى التركيز على جوائزالرّوايات؛ باعتبارها نوعا من (صفقات المقاولات). وفي هذا المقال نقول لجميع النقــاد: إنّ الرّواية العربية الغداة؛ هي تعبيرعن الشخصية العربية (الوسطية) والمتوّسطة معاً. الوسطية في توازن الأجناس الأدبية والفنيـّة لكي تحمي المجتمع من الإرهـاب بالبصيرة المباشرة وغير المباشرة والمتوّسطة في أنساق المجتمع؛ وبذلك ستكون الرّواية (الجسر) الجامع للتغريب العربيّ بين الأعلى والأدنى.. وأنّ الجوائز للرّواية بمثابة كلمة (شكراً) لمنْ يستحق التأليف بين هذه الوسطية والمتوّسطة.. وليس من مقياس للمقارنة والمبالغة؛ أنّ الرّواية العربية التي تشهد ازدهاراً في مشرق بــلاد الضاد وفي مغربها بمثابة (جامعة عربية) تقودنا نحو جسور الألفـة؛ بدل الغُربــة من دون صراعات دموية؛ أو شتائم بذيئة بين السياسيين. وتأسيساً على هذه الحقيقة فإنّ (الشعب العربيّ) مطالب بحماية هذا الفنّ السامي (الرّوايـة) الذي ولد من قـدوة القصص القرآني؛ لدحض الباطــل الجاهلي؛ والجاهليـــة اليوم تتجســد في الإرهاب والتطرّف البغيض ضد قيمنا الحضارية المنيرة للحياة، ثمّ إنّ الرّوايـة استطاعت احتواء العلوم كافة؛ ومجتمع عصـر المعلوماتية والاتصالات؛ كما هي احتوت روح التراث؛ في مزاوجة ناجحة؛ حتى لــو كانت ثمة (هنات وسقطات) فهذا لا يستوجب الحرب الشعواء على جـنس الرّوايــة وجوائزها التشجيعية؛ فأمـا الزبد فسيذهب جفاء الــرّس؛ ولا يبقـى في الأرض والنفس؛ إلا ما ينفـع الناس… إنه الظلّ (الملوّن) حقاً ذلك الذي رسمته وترسمه الـرّواية في دنيا الأدب العربيّ؛ فمنْ يريد تهميش الرّواية؛ يسعى ليكون الظلّ الأسود هو البديل.. لنعود إلى دنيا من (خيال المآتة). وهي عودة إلى الوراء قهقرى؛ لا مسـوّغ لها إلا الجهل… وهذا مـا لا ترضاه الكتلة التاريخية التي تؤمن بصناعة المستقبل للجميع؛ بعدما أتمت فعـلاً مراجعة الذات؛ وسيقود الرّوائيون الطبقة الوسطى الثقافية والاجتماعية والسياسية في أقطار الأمة لا محالة؛ فوق جسر جديد من الحبّ والسداد والتفاعل البنّاء؛ ولكلّ شيء ثمـن؛ ملموس أو غير ملموس؛ فهو صراع التحــديّ والاستجابة؛ للغربـاء…
إذن: كجواب وجزاء فإنّ مقولة: «إذا صادقت نفسك فإنك لن تكون أبداً؛ وحيداً».
تنطبق على الرّواية العربية اليوم بالتمام؛ رغم كلّ التحديّات الذاتية والموضوعية.
كاتب عراقي

 

الكتلة التاريخيـّة وبناء الرّواية العربيّة

جمال البـدري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية