تقلبات المزاج الشعبي… قلق هناك وتفاؤل هنا

حجم الخط
1

تحير تقلبات المزاج العام للشعوب، ويصعب في الكثير من الأحيان وضع تفسيرات قاطعة لها.
لماذا تنزع اليوم قطاعات معتبرة من الطبقة الوسطى وبين الفئات محدودة الدخل في المجتمع الأمريكي إلى تأييد ترشح رجل الأعمال دونالد ترامب في الانتخابات الرئاسية 2016، على الرغم من غوغائيته المريضة وكارثية وشعبوية طرحه بشأن السياسات العامة من بناء سور عازل بامتداد الحدود الأمريكية-المكسيكية إلى منع هجرة المسلمين إلى الولايات المتحدة؟
تفسيرات، مثل إحباط الطبقة الوسطى والفئات محدودة الدخل بسبب استمرار معاناتها الاقتصادية النسبية وبفعل غياب الترقي الاجتماعي عن أفرداها ومن ثم قابليتهم للتأثر بالخطاب الغوغائي لترامب وللتعاطف مع الحلول الشعبوية التي يقدمها لخوف بعض الأمريكيين من تداعيات الهجرة الشرعية وغير الشرعية على فرص العمل المتاحة لهم ومستويات دخولهم، لا تكفي للقطع بالعوامل التي أسهمت في صعود التأييد الشعبي لترامب وتمكنه من حسم بطاقة ترشح الحزب الجمهوري لصالحه. تفسيرات، كفقدان الكثير من الأمريكيين للثقة العامة في النخب الحزبية التي تحتكر مناصب السلطتين التنفيذية والتشريعية وتسليمهم برجاحة القناعة المنتشرة «بفساد وفشل واشنطن» التي لم تعد تهتم بالكثير مما يحدث بعيدا عنها ومن ثم رغبتهم في الدفع إلى واجهة الانتخابات الرئاسية بمرشح من خارج سياقات النخب الحزبية، لاتسعف أيضا في الإلمام بالأسباب التي أهلت ترامب لاكتساح مرشحين آخرين ذوي ثقل وحضور. تفسيرات، مثل جاذبية الخطاب الغوغائي والشعبوي لترامب الذي يبدو ناجحا في التعبير عن بعض المشاعر غير العقلانية والقبيحة كالخوف من الغريب والعنصرية وكراهية الأجانب وقدرة حملة ترامب على توظيف الإعلام وشبكات التواصل الاجتماعي لممارسة الاغتيال المعنوي لمنافسيه واعتمادها على شعبية «العنف اللفظي» بين الكثير من مستخدمي شبكات التواصل، لا تحيط بالكامل بظاهرة ترامب التي لم يتوقعها العدد الأكبر من المشاركين والمتابعين للحياة السياسية الأمريكية.
هناك مكون يستعصي على الشرح العقلاني والتفسير الموضوعي لصعود ترامب وقابلية غوغائيته لحصد شيء من التأييد الشعبي في مجتمع ليست أغلبيته بالفقيرة ولا بالجاهلة، في مجتمع يسجل حاليا نجاحات اقتصادية واجتماعية معتبرة (امتداد مظلة التأمين الصحي لأغلبية المواطنين للمرة الأولى في تاريخ الولايات المتحدة وتوسع مظلة التأمينات الاجتماعية، وهذه وتلك يعتزم ترامب إلغاءه إذا فاز في الانتخابات الرئاسية)، في مجتمع استقرت ديمقراطيته وتعدديته وخبر بين 2000 و2008 التداعيات الكارثية لغوغائية من نوع آخر، غوغائية الرئيس الأسبق جورج بوش وحروبه على الإرهاب وتصنيفاته الثنائية للخيرين في مواجهة أهل الشر وللمجموعات المع في مواجهة طوائف الضد.
وإذا كانت التقلبات الراهنة للمزاج العام بين بعض قطاعات الطبقة الوسطى والفئات محدودة الدخل في المجتمع الأمريكي تحير وتورث القلق على من يتصدرون العالم الحر، فإن التقلبات الحالية في المزاج العام لقطاعات شعبية مؤثرة في مصر تجمع بين فرض الحيرة أيضا وبين تقديم أكثر من سبب للتفاؤل بشأن فرص انعتاقنا من السلطوية الحاكمة وتعافينا من الفاشية التي تحاصر بها الفضاء العام.
في صيف 2013، في أعقاب الخروج على الإجراءات الديمقراطية وتمكين المؤسسة العسكرية والأجهزة الأمنية من السيطرة على شؤون الحكم والدولة وشروع السلطوية الجديدة-القديمة في ممارسات قمعية وانتهاكات واسعة النطاق للحقوق والحريات، أيدت قطاعات شعبية مؤثرة ما كان يدور في بر مصر وخرجت طواعية مدفوعة «بهيستيريا الجموع» لدعم السلطوية و»تفويضها شعبيا» للقضاء على الحرية وتعميم الحقيقة الواحدة والرأي الواحد والبطل الواحد. بل أن ذات القطاعات الشعبية لم تنسحب من علاقة تأييد السلطوية ومن الحالة الفاشية التي تبلورت سريعا حتى حين ارتكبت الأجهزة الرسمية القتل الجماعي في رابعة، حين أمعنت دوائر الحكم في إماتة السياسة وإطلاق اليد القمعية للأجهزة الأمنية بكافة الاتجاهات من الشباب والطلاب والعمال إلى النقابات ومنظمات المجتمع المدني، حين ظهرت الإخفاقات الاقتصادية والاجتماعية للسلطوية ورتبت مظالمها وانتهاكاتها وضعية استقطاب مجتمعي غير مسبوقة.
غير أن ذات القطاعات الشعبية في ربيع وصيف 2016، وعلى الرغم  من استمرار تعرض الناس «لغسيل الأدمغة» عبر الأذرع الإعلامية للسلطوية ولتزييف الوعي وتغييب المعلومات والحقائق، تنسحب من تأييد السياسات والممارسات الرسمية التي لم تختلف بين 2013 وبين اليوم. صارت المظالم والانتهاكات تستعصي على التبرير، صار سلب الحرية كالقمع والتعقب والتهديد لا يقبل الصمت عليه، صارت مجموعات «المواطنين الشرفاء» لا يجوز بشأنها إنكار كون هؤلاء يستدعون ويدارون أمنيا وتحدد لهم المهام من قبل عاملين في أجهزة سيادية.
اليوم، تقرر ذات القطاعات الشعبية التي مكنت للسلطوية واندفعت في هيستيريا الجموع لتأييدها الانسحاب من التأييد والتخلي عن الصمت، وتترك من ثم السلطوية ومتصدري مشهدها دون ادعاءات «حب الجماهير للبطل المخلص» أو «اصطفافها خلفه لإنقاذ الوطن» التي وظفتها خلال السنوات الثلاث الماضية للتعتيم على سوءاتها وخطاياها. هكذا ينسحب الناس ويديرون ظهورهم للسلطوية ولغسيل الأدمغة وللأذرع الإعلامية ويرفضون نفس السياسات الفاشلة والممارسات القمعية التي ساندوها قبل سنوات قليلة. وهنا أيضا لا شرح عقلاني واف ولا تفسيرات موضوعية كافية، هنا أيضا لا اختلاف عن الحيرة التي تفرضها ظاهرة ترامب. الاختلاف الوحيد هو القلق في السياق الأمريكي في مقابل الاستعداد لتغييرات إيجابية في السياق المصري قد تعتقنا من السلطوية وتضع حدا للحالة الفاشية.  

٭ كاتب مصري

تقلبات المزاج الشعبي… قلق هناك وتفاؤل هنا

عمرو حمزاوي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية