الانتخابات بين بيروت ولندن

حجم الخط
6

استبقت لائحة «البيارتة» النتائج في لبنان بإعلان فوزها بالمقاعد الأربعة والعشرين لبيروت فيما فشلت لائحة «بيروت مدينتي» التي تمثل المجتمع المدني اللبناني من إنجاز أي اختراق في أي مقعد.
ضمّت قائمة المجتمع المدني شخصيات معروفة مثل المغني والمؤلف الموسيقي احمد قعبور، والمخرجة نادين لبكي التي حصلت على جوائز عديدة عن أفلام تتناول الواقع في لبنان، ونجيب الديك رئيس تعاونية صيادي السمك في منطقة عين المريسة، وحاولت القائمة المذكورة تحدّي الاصطفافات السياسية والطائفية التقليدية والاعتماد على حركة الاحتجاج المدنية التي تفاعلت في الصيف الماضي وتعاطف سكان بيروت معها على خلفية الأزمات البلدية، كالنفايات، والتي هي انعكاس لأزمات أشمل من الفساد والنظام الطائفي إلى التلاعب المالي والعسكري والعائلي بمصائر البلد.
يُحسب لقائمة «بيروت مدينتي» شرف المحاولة لكنّ فشلها في إنجاز اختراق بسيط في منافستها مع قائمة الأحزاب الكبرى وضد الشبكة الأخطبوطية التي تسيطر على مقدّرات لبنان يدلّ، بداية، على الاستعصاء البنيوي الكبير الذي تعيشه البلاد، والذي يمثّل امتناع (أو بالأحرى منع) انتخاب رئيس للجمهورية أكبر ظواهره.
يمثّل فوز قائمة «البيارتة» (وباقي النتائج في البقاع وبعلبك والهرمل) شكلاً من أشكال اليأس من التغيير انعكس في نسبة المقترعين الضئيلة (20٪ في بيروت) وفي التزام الجمهور الذي صوّت لخياراته الطائفية والعائلية والمالية والعسكرية، رغم كل ما يقال عن تململ جمهور «حزب الله» من عدد الضحايا المتكاثر نتيجة التدخل في سوريا، وما يقال عن تململ جمهور تيار «المستقبل» من أداء رئيسه سعد الحريري، ومن التقلّبات العديدة لحزب «القوات اللبنانية» و«التيار الوطني الحر» التي جمعتهما أخيرا في مركب «مسيحي» واحد بعد صراع دام لسنوات طويلة.
تصعب المقارنة بين انتخابات بيروت ولندن، التي سبقتها بأيام، ليس لأننا نتكلم عن بلدين في قارتين مختلفتين تفصلهما سياقات تاريخية وسياسية هائلة، فحسب، لكن ذلك غير مضرّ تماماً، فهو يفيد في ترسيم الخطوط السياسية الحادّة لتفحّص معاني «الديمقراطية» وطرق اشتغالها بين بلدين شديدي الاختلاف.
على عكس انتخابات بيروت، قدّمت انتخابات لندن مفاجأة بانتخاب النائب المسلم صادق خان عمدة للندن، وهو رغم قدومه من حزب سياسي (العمال) فهو أيضاً قادم من المجتمع المدني الذي عرفه ناشطاً في مجال الدفاع عن حقوق الإنسان، ومدافعاً عن الضعفاء، وهو أمر استخدمه منافسوه ضدّه بشدة.
ناخبو لندن تمكّنوا، رغم شبكة دعاية فاضحة ضد خان، من تحكيم عقولهم وضمائرهم وانتخبوا، بنسبة غير مسبوقة، من اعتبروه الشخص الذي سيدافع عن مدينتهم.
ناخبو بيروت، في المقابل، التزموا بزعماء العائلات الذين ورثوهم مع جينات الدين والطائفة والمذهب، وتناسوا الكارثة المستمرة التي تعانيها مدينتهم بسبب حلف هؤلاء الزعماء ضد محازبيهم الذين انتخبوهم!
لعلّ أهم ما تثبته انتخابات لندن وبيروت أن الديمقراطية لا تتعلّق بآلية التصويت نفسها بل بالثقافة الديمقراطية، التي تقوم على انتخاب الأفضل لا الأقوى، والذي يعبّر عن المصالح الاجتماعية لناخبيه وليس من يفعل غرائزهم الطائفية ويستخدمها ضد شركائهم في الوطن.
في الحالة اللبنانية لا تفعل «الديمقراطية» غير أن تؤكد المؤكد وتعيد انتخاب الذي انتخب سابقاً وهي، بهذا المعنى، إبداع في استخدام الديمقراطية لتأبيد الاستبداد.

الانتخابات بين بيروت ولندن

رأي القدس

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية