التخليد… كل شخص لديه محنة

حجم الخط
0

التواصل الذي يمتد من يوم الكارثة، يوم الذكرى ويوم الاستقلال قرره مصممو الذكرى الوطنية كقصة تتسلسل فصوله الواحد من الاخر. بدايته بالمأساة، تواصله بكفاح باهظ الثمن، ونهايته الانقاذ والخلاص، هكذا بنيت قصة مقنعة، أُسر الاسرائيلي ـ اليهودي بسحرها لانها تعطي معنى لمصيره، تواسيه عن معاناته، تعزز قلبه في ضوء رعب الفناء وتجمع الافراد إلى عموم جمهور يتمسك افراده الواحد بالاخر.
ان الجهد لجمع كل الاسرائيليين اليهود في خاتم المصير المشترك واضح جدا فيما يبدو كاضافات اضطرارية لتسميات ايام الذكرى: لتسمية يوم الذكرى للكارثة اضيفت كلمة «والبطولة»، ولتسمية يوم الذكرى لضحايا الجيش الاسرائيلي اضيفت كلمات «والعمليات العدائية».
الاضافة الاولى جاءت لتعرفنا على أن بذور الانبعاث زرعت منذ عهد الكارثة، بينما هدف الاضافة الثانية هو مقايسة مكانة مصابي الإرهاب بمكانة القتلى في صفوف الجيش، خشية أن يشعر ابناء عائلاتهم بانهم يقصون من الذاكرة الوطنية. كلنا نقف في المعركة كرجل واحد. مصير واحد لنا ورسالة واحدة فرضت علينا جميعا.
من الصعب التحرر من هذه الرواية. من يسعى لان يفصل بين الاحداث او أن يقترح تفسيرا آخر لترتيبها الواحد إثر الاخر يخاطر بالشجب، ولكن رغم ذلك ورغم قوة وكالات الذاكرة الوطنية تتعاظم من سنة إلى سنة القوة المفككة للروايات البديلة.
فناطقون بارزون من ابناء الطوائف الشرقية يتنكرون ليوم الكارثة بدعوى ان الاشكناز نسبوه لانفسهم صرفوا تطلعهم إلى صهيون من التأريخ الرسمي واخفوا ذكر معاناتهم.
الاصوليون (الحريديون)، ولا سيما الاشكناز منهم، والذي يزداد وزنهم الديمغرافي باستمرار، يشرحون الكارثة كعقاب على خطيئة التمثل (الاندماج في الشعوب الاخرى). وهم لا يتأثرون بالتمردات في الغيتوات ويعارضون الفكرة الصهيونية التي تقول ان اقامة الدولة هي الرد اللازم على قضاء وقدر المنفى. وبالفعل، ككل شعب اسرائيل يحد الاصوليون ايضا على الشهداء في المعركة، ولكن في نظرهم فانهم لا يختلفون عمن يقتلون في الاضطرابات. تفسير معاكس يعطيه الصهاينة ـ المتدينون من مدرسة الحاخام كوك. فهم يعتقدون بان الكارثة والموت في الحرب وعلى ايدي الإرهابيين هي جزء من عملية الخلاص الآتي، وفي هذا يجدون مواساتهم. انبعاث اسرائيل وغايتها هما في يد الرب الذي نحن أداته.
وفضلا عن اولئك ثمة ايضا غير قليلين ممن يشككون بعدالة بعض من معارك اسرائيل، يتهمون زعماءنا بدق طبول الحروب وينفرون من احتفالات التخليد الرسمية والتعابير المعتادة مثل «في موتهم اعطونا الحياة».
هكذا، مثلا، الكاتب الراحل أمير غوتفرويند، ابن ناجين من الكارثة وضابط في الجيش النظامي ومن يفترض بسيرته الذاتية أن تبعده عن أفكار «الكفر». فالشخصية المركزية في «جبل السعادة»، الرواية التي أنهاها قبل وفاته تماما، هو مثقف سويدي في صباه تطوع للعمل في كيبوتس وتحمس من التجربة الاسرائيلية إلى ان اثارته صافرة يوم الذكرى للشهداء: «نقاتل ونقاتل وبعد ذلك نأسف، ونعد بمواصلة القتال، لذكرى الشهداء»…. وفي الكتاب ثمة مثل هذا هنا وهناك.
ولكن تفكك التخليد الوطني يجد تعبيره أكثر من أي شيء آخر في ممارسة خصخصة الحداد. نحو 3 الاف نصب تذكاري بني منذ 1948 تقرر نسبة عددية من النصوب لكل ثمانية شهداء مسافة هائلة عن تواتر النصوب في كل دولة اخرى في العالم. واحتفالات التخليد الرسمية تفقد من قوتها التي ترص الصفوف حيال الاحتفالات الخاصة، التي يقيمها اقرباء العائلة والمقاتلون القدامى في اوساطهم. عائلات وجماعات المقاتلين تطبع كراسات تخليد خاصة بها وتخرج افلاما عن شخصيات الشهداء. الحداد الشخصي والجماعي يخلف الوطني، وهذه مسيرة تتناسب والميل العام في المجتمع الاسرائيلي.

يديعوت 10/5/2016

التخليد… كل شخص لديه محنة
الحداد الشخصي والجماعي يفوق الوطني وهذه مسيرة تتناسب والميل العام في المجتمع الإسرائيلي
يرون لندن

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية