في مقطع فيديو دام أقل من أربعين ثانية وعرضته مواقع إخبارية يمنية، قبل أيام، تحدثت موظفة الصليب الأحمر الدولي التي اختطفت أواخر العام الماضي في العاصمة صنعاء على يد جماعة مجهولة عن أن حياتها باتت في خطر، وبعثت نداء استغاثة إلى الرئيس فرانسوا أولاند، من أجل أن يبذل قصار الجهد حتى يطلق سراحها في القريب.
أما رد الفعل فلم يتأخر سوى ثمان وأربعين ساعة عدت ضرورية للتحقق من صدقية التسجيل ليعلن بعدها المتحدث الرسمي باسم وزارة الخارجية الفرنسية، أن «اجهزة الدولة تحشد كل طاقاتها إلى جانب جهود اللجنة الدولية للصليب الأحمر»، للوصول إلى تحقيق تلك النتيجة. ولأن عمليات الخطف واحتجاز الرهائن صارت أمرا شبه مألوف في فرنسا، فقد اكتفى المتحدث الرسمي بالتعبير عن تصميم حكومة بلده على إنجاح المهمة، من دون أن يحدد طبيعة الجهد أو الطرق التي سوف تنتهجها السلطات من أجل عودة الرهينة سالمة إلى أهلها. لكن بيانا صدر بالموازاة مع التصريح أضاف أن نوران «تحمل جنسية مزدوجة وأن الجهات المعنية في البلاد تعمل على مساعدة الصليب الأحمر لتأمين إطلاق سراحها».
وقد كان واضحا أن الخارجية الفرنسية أرادت من وراء ذلك التأكيد على أن الرهينة شخصية متعددة الهويات، فهي مسؤولة تعمل في منظمة دولية وتحمل الجنسية الفرنسية والتونسية في الوقت نفسه. لكن اللافت في القضية أنه عدا عن مواقف الصليب الاحمر الدولي والسلطات الفرنسية لم يصدر بعد مرور شهور على حادثة الاختطاف أي رد فعل رسمي أو شعبي داخل تونس، الموطن الأصلي لنوران، قد يدل على أن هناك اهتماما كبيرا وواسعا بمصير مواطنة لا تزال تحمل جنسية البلد وتنتسب له. وكل ما سمعه التونسيون، أياما قليلة، بعد إعلان الصليب الاحمر نبأ الاختطاف، هو إعلان وزارة الخارجية عن تكوين خلية أزمة لمتابعة الموضوع قبل أن يصدر في فبراير الماضي بيان رسمي يعلن أن نوران بخير، فيما لم يلاحظ اي حضور للموضوع داخل وسائل الإعلام المحلي، أو أي تحرك للمنظمات والهيئات الحقوقية، من أجل الضغط حتى تصبح قضيتها قضية رأي عام. الأمر الآخر هو أن السيدة المختطفة ذاتها لم تشر في مقطع الفيديو الذي كان الدليل الاول والوحيد على انها مازالت على قيد الحياة، لا تلميحا ولا تصريحا، إلى جنسيتها التونسية، فضلا عن عدم مطالبتها رئيس تونس أو حكومتها القيام بأي تحرك في سبيل انقاذها، مثلما فعلت حين وجهت دعوتها لرئيس فرنسا والرئيس اليمني والمنظمات الدولية. وقد يكون الأمر راجعا في جانب منه إلى رغبة الخاطفين ذاتهم في التركيز على الجنسية الفرنسية للرهينة بدلا من جنسيتها الاصلية التي لا يبدو انها تهمهم أو تعنيهم بشكل مباشر.
الاستنتاج الذي قد يعنيه ذلك هو أن محنة نوران ألقت الضوء على أن «الكوزموبوليتانية» والتعدد الثقافي وحتى اللغوي، الذي كان محل فخر الكثيرين في تونس صار عاجزا الآن عن أن يوفر حلولا ناجزة وسريعة لمشاكل لم تكن متوقعة أو معروفة في السابق. لقد تحول إلى عقبة في طريق أفراد مغمورين جعلتهم لعبة السياسة الدولية والاقليمية وتقلباتها حجر نرد يرمى بطيش على طاولات الكبار. وبدا ما كان يلوح يقينا تاما ومطلــــقا في أن اكتساب جنسية دولة من دول شمال الضفة سوف يعني الحصول على الفور على حصانة نهائية من إمكان التعرض يوما ما للمخاطر والاختبارات المحدقة بالحياة، يتفتت ويتآكل على ارض واقع صعب ومتحرك.
لم تحتجز نوران لأنها تونسية، فلا ارتباط بين ما يجري من اقتتال وتنازع في اليمن وبين أي موقف أو ردة فعل صدرت أو قد تصدر من الجانب التونسي، ويمكن أن يجدها أحد الأطراف مبررا أو ذريعة لذلك، لكنها احتجزت لأن جوازها الفرنسي كان كافيا حتى يفهم الخاطفون أن هناك دولة غربية سوف تهتم بمصير واحدة من رعاياها وتستجيب بالنهاية لكل المطالب والشروط السياسية أو المالية التي قد تعرض نظير الإفراج عنها. وربما كان ازدواج الجنسية هنا مفيدا لسلطات البلد الاصلي حتى يزيل عنها بعض الحرج المتوقع، في حال ما اذا كانت السيدة تحمل الجنسية التونسية فحسب، مثلما حصل في حالات اخرى مع كثيرين في الجارة الجنوبية ليبيا. والمؤكد أيضا أن البعد الجغرافي وعدم وجود روابط قوية أو مصالح كبرى بين البلدين، كان حاسما وفارقا هذه المرة، وهو السبب الذي قد يفسر غياب وقفات احتجاجية امام وزارة الخارجية ومؤتمرات صحافية، أو حتى تحقيقات وبرامج تلفزيونية تشرح أو تعطي معلومات حول السيدة المختطفة.
كل ذلك قد يفسر كيف انه كان صعبا على معظم التونسيين أن يظهروا مشاعر التعاطف الجاد والحقيقي مع سيدة مزدوجة الجنسية، فرضت عليها ظروف عملها أن تذهب إلى بلد لا يملكون عنه سوى معلومات بسيطة ومحدودة، ولا يعني لهم أشياء أو دلالات مهمة كما كان الأمر في حالة المدون والمصور الصحافي المفقودين منذ اكثر من عام في ظروف غامضة في ليبيا. فالشخصان هنا وجهان معروفان إلى حد ما، ومنذ الأيام والشهور الأولى لاختفائهما تحولت قضيتهما إلى قضية رأي عام، بفعل حماسة الصحافيين المحليين وشدة التركيز الإعلامي، وأيضا رغبة أطراف سياسية داخل تونس في استغلال العملية لتوجيه الاتهام لجهة بعينها، ما قد يؤدي بنظرهم لتعديل الموقف الرسمي من النزاع الليبي والتخلي عما كان يحرص على اظهاره من حياد ووقوف على مسافة واحدة من فرقاء الأزمة.
هل يعني ذلك أن قصص المحن الانسانية ليست واحدة؟ وأن درجة الاهتمام بها تختلف بحسب الظرف وطبيعة الضحايا وصفاتهم وحتى انتماءاتهم ومواقفهم؟ لا يتعلق الإشكال بالقوانين أو بنص الدستور الذي فرض المساواة التامة بين التونسيين، بل بفهمم واستيعابهم لمعنى الاختلاف والتنوع. وهنا لا يبدو أن هناك شعورا حقيقيا بوجود رابط هوية واحد يشد الجميع إلى الغاية ذاتها. ومع ذلك فاكثر ما ردده السياسيون على شاشات التلفزيون طوال السنوات الخمس الاخيرة هو أن لا وجود على الاطلاق لازمة هوية في تونس، وأن التونسي حين ينهض صباحا وينظر لوجهه في المرآة قبل أن يغادر بيته لا يسأل نفسه، إن كان عربيا أو مسلما أو يهوديا أو نصرانيا. ولكن الامور لا تبدو محسومة أو واضحة أو حتى بسيطة بذلك الشكل، فعمليا ليس هناك موقف أو رأي واحد يعطي تعريفا دقيقا للتونسي، أو يعرف ما وصفها الزعيم بورقيبة يوما ما «الأمة التونسية». وتدل أحداث السنوات الخمس الاخيرة التي تلت غياب الرئيس المخلوع بن علي عن الساحة عمق وحساسية الإشكال وعلى أن الخصومة التقليدية بين من يصنفون حداثيين ومن يعتبرون محافظين لازالت مستمرة ولم تحسم لصالح اي طرف أو جهة.
الاثر المباشر لذلك الانفصام الذي يلحظه الزوار في شوارع تونس هو أن الديمقراطية التي حطت بشكل مفاجئ وغير متوقع خلقت مزيدا من التناقضات وجعلت التونسيين يعيشون في قلب أزمات الكون، ويمرون بتجارب ومحن شبيهة بتلك التي تحصل في دول الغرب الكبيرة والغنية، لكن بدون أن تظهر علامات أو بوادر على انهم يرغبون ويعملون بالفعل على التخلص مما رسب في عقولهم وقلوبهم من تصورات وقناعات كان معظمها مشوها ومغلوطا.
هل يمكن أن تستمر ديمقراطيتهم اذن في البقاء والتطور بعيدا عن المواءمة المطلوبة بين الانتماء والكونية؟ هذا هو السؤال الصعب الذي طرحته عليهم محنة نوران في الثواني القليلة التي ظهرت فيها في مقطع الفيديو، الذي لا يبدو أنهم مستعدون للجواب عنه قريبا وبشكل واضح وحاسم.
٭ كاتب وصحافي من تونس
نزار بولحية