العراق: حساب الحقل وحساب البيدر

لقد أثبتت احداث الأسابيع الخمسة الماضية، بداية من تقديم الدكتور حيدر العبادي ما أطلق عليه «حكومة التكنوقراط» يوم31/ 3/ 2016، أن الكتل السياسية العراقية جميعها، دون استثناء، لا تمتلك استراتيجية حقيقية للإصلاح. ان مراجعة البرنامج الحكومي الذي تقدم به السيد العبادي لمجلس النواب قبيل التصويت على وزارته، والخطة التي اقترحها في شهر آذار/مارس الماضي، والتي جاءت في 105 صفحة، تكشف ان رئيس الوزراء حامل لواء هذا الاصلاح، لا يمتلك مثل هذه الاستراتيجية.
في الواقع لا يبدو الامر انه استراتيجية حقيقية للإصلاح بقدر ما هي اجراءات إدارية ذات طبيعة تقشفية جاءت استجابة للعجز الحاد في الميزانية الاتحادية بفعل انخفاض أسعار النفط من جهة، واستجابة لضغوط البنك الدولي، وصندوق النقد الدولي المتعلقة بإعادة الهيكلة قبل الموافقة على إقراض الحكومة العراقية.
لم تكن الأزمة التي تابعنا فصولها الدراماتيكية؛ بداية من اعتصام بعض النواب وإقالة هيئة رئاسة مجلس النواب، مرورا بالجلسة الاستثنائية التي دعا اليها رئيس الجمهورية، ثم الصفقة السياسية التي جعلت مجلس النواب يجتمع خلف ابواب مغلقة وحراسة امنية مشددة قافزا بكل أريحية على المشكلات الدستورية والقانونية التي ارتبطت بجلسة الإقالة، وصولا إلى «الاقتحام السلس» للمنطقة الخضراء الذي شكل سابقة خطيرة في استخدام الشارع لفرض إرادة طرف سياسي ضد طرف آخر قسرا. لم تكن هذه الازمة نتاجا لاختلاف حول استراتيجيات الاصلاح أو آلياته، إنما نتاجا للصراع السياسي. لذلك كنا أمام تصفية حسابات سياسية، وامام سياسة فرض لإرادات البعض وكسر لإرادات البعض الآخر تشكلت اثناءها تحالفات مؤقتة بين قوى سياسية لا يجمعها شيء مشترك، كما حدث في اعتصام مجلس النواب، أو في جلسة الأبواب الموصدة، وتم فيها استخدام الجمهور أداة للضغط.
لقد فجرت كابينة التكنوقراط التي قدمها السيد العبادي لمجلس النواب الصراع بين القوى السياسية الرئيسية، فقد شعر الجميع ان العبادي يحاول، من خلال فرض هذه الكابينة، الهيمنة على الجناح الأقوى في السلطة التنفيذية الممثلة بمجلس الوزراء، من خلال بقائه هو شخصيا في السلطة، مع اعتماد وزراء تكنوقراط سيقومون في النهاية بالالتزام بما يقرره رئيس المجلس تبعا لتوجهاتها السياسية. وقد رفض مجلس النواب بشكل صريح هذا المقترح، ونجح في اجبار العبادي على التراجع عن هذه الكابينة والقبول بكابينة ترشحها الكتل السياسية من خلال توقيع ما سمي «وثيقة الشرف». وفي المقابل كان للسيد مقتدى الصدر موقفا مختلفا، إذ كان مصرا على ضرورة التصويت على هذه الكابينة، ومصرا على تمريرها!
الإشكالية الأهم في هذا السياق، هي تلك المتعلقة باستخدام الشعار الذي رفعته حركة الاحتجاج منذ تموز/يوليو من العام الماضي، المتعلق بما سمي «انهاء المحاصصة السياسية»، أي انهاء نظام «التمثيل النسبي» على أساس الكتل والأحزاب السياسية القائم في إدارة الدولة منذ عام 2003. فقد ردد الجميع هذا الشعار، مع حرصهم في الوقت نفسه على أن تبقى هذه «المحاصصة» أو «التمثيل النسبي» قائما على أساس المكونات! وهو ما كان واضحا في طبيعة كابينة التكنوقراط التي تقدم بها السيد العبادي. فمراجعة سريعة للأسماء الواردة في هذه الوزارة تكشف انها حاولت المحافظة على حصة المكونات الشيعية والسنية، وكان هناك تمثيل للأقليات بوزارة، لكنها لم تعط للكرد النسبة التي يصرون عليها وهي 20٪، اذ لم تزد حصتهم عن وزيرين، أي ما نسبته 11.7٪.
فجميع الكتل والاحزاب السياسية، تعترف أنه في مجتمع تعددي مثل العراق، وفي ظل النظام السياسي القائم، لا بد أن تنعكس هذه التعددية في سلطات الدولة كافة، وبضمنها مجلس الوزراء. بل أن النواب الذين اعتصموا في مجلس النواب أنفسهم، كانوا مع هذا الاعتراف عندما انتخبوا رئيسا سنيا مؤقتا لمجلس النواب، وعندما حصروا الترشيح لرئاسة المجلس بين النواب السنة دون غيرهم! ومن ثم لم يكن الخلاف حول فكرة «المحاصصة» او «التمثيل النسبي»، وإنما كان الاعتراض يتعلق بمسألتين:
الأولى. كيف يمكن القبول بحكومة تكنوقراط يقودها رئيس مجلس وزراء ينتمي إلى حزب سياسي هو حزب الدعوة الإسلامية، وينتمي إلى كتلة سياسية ذات هوية احادية هي التحالف الوطني، وهو يختار منفردا وزراء لا ينتمون إلى الأحزاب والكتل السياسية الاخرى الفائزة في الانتخابات؟
الثانية. قضية التمثيل وشرعيته، ففي ظل الانقسام المجتمعي الحاد، والصراع السياسي الواضح، اللذين يحكمان العراق اليوم. ليس من المنطق ولا من العقلانية في شيء أن يقرر طرف ما، بناءً على علاقات القوة وحدها، من يمثل الآخر! لأننا بذلك نعيد انتاج اخطاء الدولة العراقية عبر تاريخها الحديث حيث يفرض طرف من أطراف المجتمع التعددي من يمثل الآخر، وهو السبب في تكريس الانقسام الحاصل اليوم.
إن كلا الاعتراضين يبدوان وجيهين جدا، ففي الدول التعددية، مثل العراق، لا يمكن سوى اعتماد الديمقراطية التوافقيةConsociational Democracy، بالصيغة التي تضمن الشراكة الحقيقية في السلطة والثروة بين مكونات المجتمع العراقي كافة، ومن خلال تمثيل نسبي تقرره المكونات نفسها. وكانت محاولة السيد العبادي تمثل خرقا لهذه القاعدة الذهبية لإدارة المجتمعات التعددية. ومن الوهم التفكير بإمكانية تطبيق النظام الديمقراطي بصيغته البريطانية على سبيل المثال، المعروف بالأغلبية السياسية مقابل الأقلية السياسية في العراق.
أما فيما يتعلق بالاعتراض الثاني، فكان يمكن الحديث عن وزارة غير تمثيلية، كما يدعو البعض، لو كنا في إطار نظام سياسي واقتصادي مختلف، ولكن مع البنية الريعية للاقتصاد العراقي، التي تجعل مجلس الوزراء قادرا على احتكار السلطات كافة، لا امكانية حقيقية لضمان المشاركة في السلطة والثروة من دون ان يكون هناك تمثيل شرعي للمكونات المختلفة داخل مجلس الوزراء.
في الواقع ليس ثمة سوى خيارين لا ثالث لهما لحل الأزمة السياسية القائمة في العراق اليوم؛ اولهما أن تستقيل الحكومة الحالية من تلقاء نفسها، أو تسحب الثقة عنها، ويكلف رئيس وزراء تكنوقراط، يتم التوافق عليه مع الكتلة الاكبر داخل مجلس النواب، بوصفها الجهة التي ترشح رئيس مجلس الوزراء كما يقرر الدستور، يقوم بتشكيل حكومة من التكنوقراط. وثانيهما الإبقاء على نظام التمثيل النسبي، الذي يطلق عليه إعلاميا المحاصصة، أي وزراء ترشحهم الكتل القادرة على تمرير هكذا حكومة في مجلس النواب.
إن المشكلة الحقيقية في العراق لا تتعلق بنظام التمثيل النسبي الذي يطبق في العديد من بلدان العالم من دون ان ينتج المعضلات التي يشهدها العراق. فبلجيكا تعتمد نظام التمثيل النسبي القائم على الديمقراطية التوافقية من دون أن ينتج عن ذلك فساد او سوء إدارة. وكذلك ماليزيا، وهي دولة اتحادية، ايضا تعتمد نظام التمثيل النسبي القائم على الديمقراطية التوافقية، واستطاعت من خلاله ان تصبح واحدة من البلدان التي حققت ما أطلق عليه «المعجزة الآسيوية» اقتصاديا. من ثم فان المشكلة لا تكمن في نظام التمثيل النسبي، أو المحاصصة، وإنما في صيغته العراقية بسبب النخب السياسية نفسها التي أنتجت بنية الفساد القائمة بسبب التواطؤ الجماعي من جهة، وبسبب طبيعة الصراع على السلطة والثروة الذي لم يتم التوصل إلى اتفاق حول إدارتهما بعد.

٭ كاتب عراقي

العراق: حساب الحقل وحساب البيدر

يحيى الكبيسي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية