انشغلت القنوات والمواقع الإخبارية الدولية نهاية الأسبوع الماضي بتحليل ما بات يعرف بالأزمة السياسية داخل حزب العدالة والتنمية التركي، التي أدت إلى استقالة أو تنحية أو ابتعاد داود أوغلو، الشخص الأكثر أهمية في الحزب بعد أردوغان، عن منصبه كرئيس للوزراء.
اختلاف التوصيف نتج عن اختلاف المتلقين. الشامتون قرأوا الخبر كصراع على النفوذ بين الرجلين، ودليل على الطبيعة الديكتاتورية لأردوغان والتي باتت تضيق بالمخالفين حتى من داخل معسكره الصغير، أما أنصار الزعيم التركي فقد حاولوا التقليل من الحدث أو وصفه بالتغيير الطبيعي الذي لن يؤثر على المسار الديمقراطي التركي، ولا على الحزب الذي يحكم منذ وقت طويل كفاية ليرتبط اسم تركيا به.
أوغلو لم يوضح الأسباب التي كانت خلف قراره، وهو ما ترك الباب مفتوحاً للمحللين والمنظرين، الذين طرقوا كل فرضية ابتداء من الخلاف الشخصي ونهاية بتضارب الصلاحيات والتباين حول طريقة التعاطي مع بعض الملفات المهمة الداخلية والإقليمية.
ما يهمني هنا ليس تحليل هذه الأسباب وإن كنت أميل إلى أن المشكلة دستورية بالأساس، وتكمن في النظام الهجين الحالي، الذي يخلق تضارباً عاماً بين مهام الرئيس ورئيس الوزراء. لكن، وبغض النظر عن الأسباب، فإن المهم هو الخلاصة التي مفادها أن المصلحة اقتضت أن يتنحى داود أوغلو بكل ما يحمل من رمزية وما يتمتع به من شعبية وأن يترك المركب لتقاد من قبل ربان واحد.
في كلمته المقتضبة أعلن أوغلو أنه أدى واجبه كما يجب، وأنه لن يترشح لرئاسة الحزب. في تلك الكلمة لم يتحدث المنظّر السياسي التركي بسوء عن رفيقه أردوغان، بل حذر بقوة من أي محاولة للاصطياد في الماء العكر، أو أي محاولة لتوظيف ما حدث من أجل خلق تصدع في بنية الحزب الذي ينتمي ومايزال إليه.
فهمنا من كلمة أوغلو أن المنصب ليس هدفه، وأنه ليس من طلاب السلطة والنفوذ، بل كانت وظيفته السابقة وسيلة لخدمة وطنه الذي لن يعتزل خدمته، سواء كان مسؤولاً كبيراً أو حتى مجرد فرد عادي من جموع الناس. فهمنا كذلك من كلمته أن التنحي لا يعني الفشل أو الاعتذار، بقدر ما يعني التضحية في سبيل المصلحة الأكبر، فقد كان أمام ثلاثة خيارات صعبة: إما أن يكون في صراع مع رئيس الجمهورية في كل ملف، محاولاً تجييش الأصوات الحزبية وإثبات دوره ومكانته كشخصية قيادية، وفي هذا من الخطورة ما لا يخفى، أو أن يكون بالمقابل مطيعاً بحيث يتحول لمجرد سكرتير في مكتب الرئيس، وهو ما لا يطيقه شخص بنبرة استقلالية كأوغلو، والخيار الأخير المتبقى هو أن يبتعد بهدوء عن المسؤولية المباشرة موفراً على نفسه وعلى الرئيس أردوغان الحرج وهو ما فعله بلا تردد. بالتأكيد فإنه كان ثمة خيار رابع، ولكنه خيار لا يشبه أوغلو، ولذلك فإنه لا مجال لطرحه، وهو المتعلق بقلب الطاولة والتمسك بشرعية الوجود النابعة من الاختيار الشعبي والانتخاب. خيار فوضوي قوامه الصوت العالي والضجيج وكسر عصا الطاعة، التي قد ترقى لانشقاق عن الحزب وتكوين منبر جديد باختيار بعض العناصر من الداخل، خاصة تلك التي كانت على غير توافق مع رؤى أردوغان.
ذلك السيناريو المظلم الذي نعتقد أنه لم يطف على بال أوغلو، كان سيجد قبولاً طيباً في الأوساط المعادية للحزب الحاكم التركي، ولزعيمه الذي يبدو للكثيرين مزعجاً. الاستعانة بأولئك الأعداء من الدول الغربية وحتى من الدول العربية قد تكون مفيدة، خاصة إذا تم خلق تفاهمات معها بشكل يجعل الأمور تفضي إلى ما يشبه الانقلاب الناعم، الذي سينتهي غالباً إلى تركيا جديدة بدون أردوغان. هذا السيناريو الذي رأينا أمثاله في عدد من الدول العربية والأفريقية القريبة، والذي يبدأ بلحظة طمع شخصي سرعان ما تكون نهايته حربا ودمارا وخسارة على صعيد التجربة السياسية والمكاسب الوطنية، وهو ما تجنبته تركيا بوجود شخصية وطنية متجردة كداود أوغلو. ليس فقط متجردة ولكن أيضاً واعية بمزالق الأمور وتأثيراتها، خاصة على الصعيد الخارجي الذي تخصص فيه ودرسه بتعمق.
رأيي أن مثل هذا التجرد والتواضع والتضحية هو ما ينقص سياستنا العربية، فلو نظرنا لهذه الحروب العبثية التي اندلعت في أكثر من بلد وتلك الصراعات والانقسامات الداخلية، لوجدنا أن سببها الحقيقي هو أن تلك الأطراف المتناحرة لا يريد أي منها أن يتنازل ولو قليلاً لمنافسه، ويفضّل أن يمتد به الصراع بلا نهاية حتى لو تحوّل بلده لأرض خراب لا مكان فيها حتى للغربان. لقد تأثر الكثيرون، حتى في خارج تركيا، بداود أوغلو، سواء في كتاباته أو تجربته السياسية، وربما آن لأولئك أن يعلموا أن الدول العظيمة لا مجال فيها لتقديس الأشخاص، وأنه لا يمكن للوطن أن يتماهى مع اسم شخص مهما كان وزنه أو إخلاصه أو أهميته. هذا الدرس الذي نراه ماثلاً أمامنا في الديمقراطيات الغربية التي بنيت على التغيير وتداول السلطة هو درس متكرر عبر التاريخ الذي يخبرنا، على سبيل المثال، بما حدث بعد انتصارات متلاحقة للرمز الإسلامي الكبير خالد بن الوليد الذي هزم الروم ودحر قواتهم. إبان ذلك النصر وصل للقائد العسكري الأشهر أمر من خليفة المسلمين عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، يقضي بعزله، فما كان منه إلا إبداء السمع والطاعة والتحول إلى مجرد جندي في الجيش الذي بناه.
لو تركنا التاريخ البعيد جانباً فإن قصة أوغلو تجعلني لا أملك إلا مقارنتها بما حدث في السودان عام 1999 حينما اتخذ الرئيس البشير قرارات شهيرة للحد من نفوذ حسن الترابي، الذي كان قد بدأ، بواسطة «إسلامييه» المقربين، محاولة السيطرة على منافذ صنع القرار وخلق دولة داخلية قادرة في الوقت المناسب على تغيير دفة الحكم.
تلك القرارات التي لم تحمل أي إساءة لـ»الشيخ» واكتفت بتحجيم دوره، قطعت الطريق عليه وكان يظن نفسه من العظمة بحيث لا يمكن تجاوزه، وهو ما جعله يبادر إلى وصفها بالانقلاب قبل أن يغيّر رحلته السياسية وبوصلته ليصبح هدفه الأكبر هو الانتقام من رفاقه الذين خذلوه. الترابي لم يكتف بتأسيس حزب معارض، بل وضع يده في يد كل من كان يعتبرهم أعداء بالأمس القريب، وكل من يحلم بالتغيير والإطاحة بالحزب الحاكم، سواء كان ذلك بطريق سياسي أو عسكري، وكان لتحريضه وقيادته للجبهات المعارضة أثر في تعطيل كل جهود التصالح والحوار.
الرجل الذي كان يعتبر الحرب في جنوب السودان حرب جهاد تبرأ من كلماته وبدأ تنسيقاً علنياً مع حركة التحرير الجنوبية غير مكترث للآلاف من أبنائه الذين اقتنعوا بذلك الجهاد، لدرجة تقديم أرواحهم طلباً للشهادة، أما أنصاره وأتباعه فقد كانوا، ومازالوا، يجدون دائماً مبررات لمواقفه المتغيرة والمتناقضة.
ستتحول الحكومة في الخرطوم التي كان الشيخ جزءاً منها، أو لعله كان أهم أجزائها، في نظره إلى حكومة فاسدة ومجرمة وسيتمادى في تفصيل ذلك لسنوات مبرئاً نفسه من أي جريمة أو فساد. في محاولة لتزوير الشهادة سيقول إن ذلك الفساد هو السبب في خروجه من الحكومة وتحوله للمعارضة، وهو ما يبدو مثيراً للسخرية، خاصة أن الجميع يعلم أن الترابي لم يخرج وإنما تم إخراجه، وأنه لولا ذلك لبقي في تلك الحكومة «الفاسدة» حتى النهاية! أما أكثر الأدوار فوضوية فقد كان دوره في تأزيم مشكلة دارفور التي كان إسلاميون (نسبة للحركة الإسلامية التي أنشأها وليس للإسلام) وقودها، ورغم أن حزبه سيحاول لاحقاً نفي أي علاقة مباشرة بتلك الأزمة إلا أن تصريح زعيمه بقدرته على إنهاء الصراع لا يبدو عبثياً.
داود أوغلو أستاذ في السياسة والعلاقات الدولية، وتعتبر مساهماته الفكرية، ككتاب «العمق الاستراتيجي» مراجع مهمة لفهم طبيعة الدور التركي وجيوسياسية المنطقة، لكن أعظم الدروس التي قدمها هو ذلك الدرس العملي في التجرد وحب الوطن.
بالمقابل، فإن الكثيرين يصفون الترابي بأنه «مفكر» وذلك من حقهم، حيث ألا حدود يمكن من خلالها ضبط هذا اللقب، لكن رأيي المتواضع هو أن المحك الحقيقي للمفكر ليس دفات الكتب، بل التجربة الواقعية، خاصة إذا أتيحت له فرصة كافية للقيادة والزعامة والتغيير.
٭ كاتب سوداني
د. مدى الفاتح