يقضي مفهوم الاشتباه أن لا تختلف معاني الإمكانات السردية باختلاف مرتكزاتها السياقية فحسب، بل أن تحتمل التردد بين معان متقابلة وهي مسندة بإطار سياق واحد، لا يُرجَّح منها معنى ما إلا بمضاعفة وسائط القراءة وتشغيل القدرة النقدية وطاقة تذوقها. كما نعني بالبناء السردي بالمقابلة إيراد المحكي الروائي مع ما يباينه وإيراده أيضا مع ما يماثله من محكيات أخرى، كالمحكي التاريخي مثلا. وإن لهذا الازدواج في دلالة البناء بالاشتباه وبالمقابلة أهمية خاصة في الكتابة الروائية لدى البشير الدامون في روايته «هديل سيدة حرة».
بداية نقترح موضوع اشتهاء الحياة مدخلا لقراءة الرواية. ومن المعلوم أن مُوجهَ فعل الكتابة الروائية هو تخييلُ تأملِّه للموضوع، مادامت الكتابة لا تنطلق من موضوع محدد، وإنما من سؤالِ هذا الفعلِ ذاتِه. إن فعل الكتابة هو فعلٌ قصديٌّ سردي وخطةُ الإنجاز الروائي وخطةُ السارد المقتَرحة في تصوير معضلات «الشخصيات»، والحكيِ عنها. وهو مجالُ صراع السارد و»فعلِه الدرامي» في محكياته كما سنرى.
إن التمييز بين الفعل الكتابي وموضوع الكتابة يسمح برصد اشتهاء الحياة في الرواية وفق مستويين: اشتهاء الحياة بوصفه موضوعا مقترنا بانكسارات الشخصية وخساراتها، واشتهاء الحياة بوصفه سؤال الكتابة، به يجدد البشير الدامون تأملَه لتجربته الروائية ويبني صورة أخرى من صور ممارستها. يستند تَشكُّل المحكي إلى حركة السرد الكبرى، والتكوين التخييلي الممتد في مجموع النص، فبهما تأخذ التفصيلات الجزئية وضعها الوظيفي. تدور الوقائع النصية في فضاء تخييلي وتاريخي، يتعقب فيها السرد مناطق الظل المفترضة في حياة «السيدة الحرة». مأساتها كانت تتفاقم حين تكون متوجهة للحرب والجهاد. فهي كما يصفها خالها «مرتين» حمامة يتنازعها تمزيقُ جناحيْ انتمائها لأهل أبيها المسلمين وانتمائِها لأهل أمها المسيحيين.
إن حياة الحرب التي فرضها عليها اختلاف الدين والهوية والصراع من أجل السيطرة والحكم، جعلت من حياتها مأساة فرضها عليها غرور الإنسان ومكره وعداؤه، مما جعلها تقضي حياتها تطارد رؤيا حمامة بيضاء وعدتها جدتها من أبيها بأنها ستلتقي بها يوما لنشر الحب والسلام بين البشر وبين معتنقي المذاهب والديانات المختلفة. يستمد الدامون تصويرَ جانبٍ من حركة وعي «السيدة الحرة» وفعلها وهي بين تخييل التاريخ والصوغ التاريخي للتخييل، بحيث لا تند المواقف والوقائع عن المجالات الإدراكية والحضارية لمرحلة تاريخية محددة. غير أن استدعاء التاريخ لا يتوخى استنساخ بعض الأحداث التاريخية في قالب روائي «لإضفاء بعث شاعري على القوى التاريخية والاجتماعية والإنسانية التي أثرت في حياتنا المعاصرة من خلال مسار طويل». ذلك أن التاريخ بكل مكوناته ومظاهره ورموزه لم يعد يمثَّل في الروايات العربية المعاصرة تمثيلا ملحميا يمعن في توسيع «مسافة» التفاضل القيمي بين فترات زاهية بأبطالها الأفذاذ وزمن تداول المحكي الروائي. علما بأن هذه السمة لا تنأى عن مفهوم «تخييل التاريخ»، حيث تشكل الرواية تركيبا تخييليا للأحداث التاريخية وتُخضعها لمنطق التكوين الروائي لأداء وظيفة سردية عن المسير الإنساني والسياسي والعسكري للشخصية. إن الإمدادات المضمونية والوظيفية التي يزود بها المجال التداولي والتاريخي القارئ تجعل تلقيه لمدلول الشخصية لا يفارق البتة صورتها التاريخية، مهما أَجهد فكرَه في تحويل تلك الصورة. فهي شخصية تاريخية حظيت بشهرة واسعة النطاق في الشمال الغربي من أفريقيا الشمالية. اعتنى المؤرخون المغاربة والأجانب بالحديث عنها والتعرض بالذكر لأيام حكمها في تطوان.
وبذلك تظل «السيدة» تتصف بسمات ثابتة. والمقصود بثباتها أنها تقع بالنسبة إلى ما سواها من الرموز والشخصيات والظواهر في أدنى درجات التحول، بل تفرض على التحقق النصي أن يتلبس صورتها المتعالية. وما ذلك إلا لأن القيم التاريخية والتداولية الثاوية في ما يتصوره القارئ عن «السيدة» ثابتة ومتعالية. فهي سمات نوعية تراكمت في صورة مقولات تداولية نُقشت في ذهن القارئ وظلت حرية التخييل والتشكيل فيها محدودة جدا، الأمر الذي يفسر ندرة صور استيحاء الشخصيات الدينية والتاريخية في الإبداع الروائي. لكن البشير الدامون يتصدى لاختراق محدودية حرية هذا التخييل عن طريق التحويل بالمقابلة. تحويل يعيد بناء العلاقة بين صورة الشخصيتين، الشخصية التاريخية والشخصية الروائية عن طريق الاشتباه. بهذا التحويل تصبح للشخصية جاذبيةُ خاصة وتثير صورة حية ومفارقة تقطع عن القارئ تلك الإمدادات المضمونية والوظيفية التي يمنحه إياها المجال التاريخي والتداولي، على الرغم من خضوع النص لبعض مقتضيات الكتابة التاريخية. كأن الحرة أعم وأرحب من أن تُحد بمضامين وصور مخصوصة وسمات متداولة، إلا أن تكون تلك المحددات عرَضا من الأعراض التي تعتريها في النص، والتي على الروائي أن يجردها ويَنفُذ من ورائها إلى مطلق المعاني والدلالات التي يؤسسها سؤال الكتابة. وهذا ما يضعنا أمام مدخل آخر وهو الصوغ التاريخي للتخييل.
إن التوسل بالسمة التاريخية المحدَّدة في الشروط المجتمعية والإدراكية والدينية لمرحلة معينة من التاريخ المغربي يترجِم في ذهن المتلقي بوظيفة محددة، ضمنية أو صريحة، غايتها نسج التكوين الروائي بما يوافق صورة شخصية «الحرة» والأجواء النفسية والذهنية والوجدانية التي تحيط بها أو تتفاعل معها. ومما لا شك فيه أن تلك النمذجة التاريخية للتكوين الروائي أقدر من صيغ الاستدعاء التاريخي الأخرى على فك التقيد الحرفي بما جاء في التاريخ، خاصة إذا أدركنا أن التاريخ بصرامته لا يملك من الحرية والطاقة التصويرية ما يجعله يسهم في نسج التساند النصي مع مكونات الجنس الروائي ومع سؤال الكتابة أيضا. وعلى هذا النحو تتسع الرؤية التاريخية في النص حتى تشفَّ وتغدو ظلالا متعددة الزوايا، ويولي المحكي وجهته نحو بؤرة المجتمع وتفاعلاته الذهنية والسلوكية في مرحلة مضطربة من تاريخ المغرب. وعلى هذا النحو يدرك المتلقي مبدئيا الغاية السردية من أداء تلك الرؤية الوظيفي، ويصبح مدعوا لفك اشتباهها وغموضها في غمار فعالياته الذهنية وهو يتلقى النص.
تقف بنا تلك الظلال التاريخية السريعة الإيقاع عند مرحلة متميزة وعصيبة من تاريخ المغرب، التي تعود إلى القرن السادس عشر الميلادي. وقد وُصف هذا العصر بالمنعطف الحاسم في التاريخ الإنساني، حيث انقلب وضع بلاد المغرب من الهيمنة والسيادة إلى الانكسار وتهلهل مقومات الدولة داخل طمع المخزن وتنافس القبائل في اقتسام النفوذ في المغرب، علاوة على تكالب القوات الأجنبية الصليبية على المغرب والأندلس. وقد كانت هذه المظاهر الكارثية الحربية من أهم الأجواء التاريخية تفاعلا مع صور محكي «السيدة الحرة». وبذلك يتبين أن الغاية من إضفاء تلك المظاهر التاريخية على محكي «الحرة» وما ترتب عليه من امتثال لشروط سياسية وعسكرية ودينية كانت توظيفَ سمة الكارثية واقتضاءاتها النفسية والإنسانية، إذ ينزع المحكي إلى تركيب صوره وأحداثه تركيبا سرديا يتصيد وقعَ الأزمات والكوارث الكبرى على الشخصية الروائية في موضع قد لا يوفره اختيار سردي آخر. وعلى هذا النحو تصبح الظلال التاريخية قصدا سرديا إلى توظيف الكارثية بما هي اقتضاء لفعل الشخصية الروائية وردِّ فعلها ورحمٌ لأحلامها ونزواتها ومقاماتها الوجدانية.
وتبعا لذلك صارت «السيدة الحرة» في الرواية» خليفةَ الجدة في انتظار الحلم ووعدِ ناموس الحياة. فهي منذورة للحلم والخلاص الأمر العظيم. لطَّف السرد من صفاتها القيادية لتغدوَ إنسانا قلقا ومتمردا وعاجزا لا يستقر على حال، فهي ذاتٌ منهكة لا تعِدم الحلمَ في كل حين بالهروب إلى البراءة والنزوة والحرية للانعتاق من خرائب الحرب واستعادة لذة الحياة. إن الرواية تستلقي على خلفية تخييلية تتكافأ فيها الأضداد، ويكون فيها للانتصار أثر الهزيمة وما يترتب عليها من ندم وإحساس بالخطيئة، خلفيةٌ تخييلية تمتزج فيها أمشاج الألم بنشوة الحب، ومرارة الانكسارات بشهوة التعلق بالحياة. في وضع تحكمه الهويات المتناحرة، تقول الساردة «الحرة»: «زمن مديد وأنا أسامر خراب الحرب، وها أنا الآن أعدو بعيدا هربا من كل شيء.. كأنني الغراب يئن في مضجعه. شوق إلى البراءة يجرفني، إلى البراءة والحرية من كل القيود..». استنبت السياقُ النصي وجودَ الشخصية وتحولَها في تربةِ مواقفَ ووقائعَ معقدةٍ ومتوترة، (محاصرة الذات بآثار ظلم الحرب وهزيمة الانتصار) لكن السرد مع ذلك يأنف بالشخصية أن تشوبَها سرديا شائبةٌ من تلك المواقف، إن ما تعرضت له «السيدة» من تقلب مطرد في حياتها لم يسهم في التكوين الدرامي وتوتير السياق؛ بل كان وسيلة لتقصي سجايا الشخصية وأحوالها الوجدانية، وحتى إن حصل احتدام في أعماقها؛ فإنه لا يبلغ إلى حد الصراع الدرامي الآني، بل يرِخّي حبل توترِ محكيها أو يلين، مادامت «الحرة» تصد أثرَه في نفسها وتتحصن بالحلم والصوت الرؤيا وتُسلِّم كيانَها في نهاية المطاف إلى الواقع الذي يحكمها، وهو ما وصم فعلَها بالخمول السردي: «ترحالي في خط زمني كان متعبا، فمنذ بدايتي واقتراب النهاية مرّغني في الخوف والألم والرغبة المبتورة. بين حرب وحرب حرب، بين وحدتي ووحدتي حب مجهض وخسران…».
وفي المقابل حفّز سردُ الرواية شخصيةَ الحرة على التحرك بطاقة نزوية مهيمنة وجهت الصوغ الشكلي والدلالي للمحكي الروائي. لأن لجوء «الحرة» إلى الحكي عن ذاتها وإلى تعرية وعيها ولاوعيها، هو لجوء في الآن ذاته إلى إعادة الاعتبار للذات والجسد، ولقِيَم النفس المستجيبة لرغائبهما في الحب والحرية والحلم، في ظل ضغط الكراهية والحرب والموت، لأن الحرب كما يقال تؤجج شهوة الحياة: «يستهدف قلبي سهمان: الحرب والحب. سهم يدمي شراييني ويُشعل طريقي جِمارا، وسهم يرمم ويُهوِّن المشي على الفحم الساخن». على هذا النحو، يرى البشير الدامون فعلَ الكتابة في «هديل سيدة حرة» لا تحصره حدود المحكيات التاريخية، بل يتحقق انطلاقا من كونها أثرا نابعا من الممارسة النصية والسردية في بعدها الحر وقادرا على تأمل مفهوم الرواية لتحريره من كل نمط يجعله يتحقق أو يتحجر. فهو (أي فعل الكتابة) دوما فعلٌ من قبيل ما نبحث عنه أو ما نجدد إنجازه. هذا ما يمكن أن يرفع مفهوم الكتابة إلى مستوى إشكال جمالي ومعرفي تشترطه قضايا نظرية (فكرية، جمالية، ذاتية) وتحولاتٌ زمنية وسياقية مؤثرة في كينونته ككاتب، تعيد باستمرار التفكيرَ في مفهوم الكتابة وتجديد روحها.
– رواية «هديل سيدة حرة» البشير الدمون. المركز الثقافي العربي. الدار البيضاء. المغرب.2016
٭ كاتب من المغرب
عبد الرحيم الإدريسي