صحيفة «الخبر»… معركة الشرف الإعلامي في الجزائر

حجم الخط
15

تشهد الساحة الإعلامية في الجزائر فصلا من أبشع فصول الإبتزاز والتضييق على الصحافة، تمارسه وزارة الإعلام ممثّلة بوزيرها، ضدّ أحد أهم الجرائد الوطنية المستقلة وهي «الخبر»، هذه الجريدة التي تعد مدرسة للصحافة المكتوبة الناطقة بالعربية، ومثل في التضحية والمهنية منذ العشرية السوداء أحلك أيام الجزائر، فهي التي دفعت آنذاك ثمنا باهظا جرّاء الحقيقة التي كانت تنقلها للشعب الجزائري بكل مستوياته وأطيافه، إذ إستشهد مؤسسها الشهيد»عمر أورتيلان» الذي إغتالته يد الظلم والحسابات السياسية، وهي لاتزال فتية تخطو أولى خطواتها في عالم الصحافة بحكمة وروية، شعارها الصدق والمصداقية.
لم تكن علاقة الرئيس بوتفليقة مع صاحبة الجلالة في أعم الأمثلة بالجيدة، فالرجل جيء به من بعيد وهو يحمل في ذاكرته الإعلامية القديمة قدم ممارسته للسياسة، صورة كلاسيكية أو نظرة سلطوية من أيام حكم الإشتراكية الذي مارسه حينها في الجزائر، القول ما قال الحاكم، والإعلام دوره تعزيز نظرة السلطة للوضع السياسي والإجتماعي… وممارسة الدعاية كتحصيل حاصل، فإذا به يتفاجأ بسقف من الحرية لم يكن يتوقّعه، حتى إنّه وصف الصحافيين بأقذع الأوصاف، ولم يجري لقاء مع صحيفة وطنية منذ توليه منصب الرئاسة؟. وظلّت الحال على ما هي عليه إلى أن بدأ الحديث عن العهدات المتتالية الثالثة والرابعة….
عندها عوقبت الجرائد التي كانت سياستها التحريرية ضد تجديد العهدات، بمنع الطبع في المؤسسة الوطنية للنشر والإشهار التي تحتكرها الحكومة، وإجراءات أخرى كادت أن ترمي بها في الأرشيف الوطني للصحافة…؟ الخبر كانت متفطّنة لمثل هكذا إحتمالات، وأنشأت مطبعتها الخاصة منذ زمن كي لا تتعرض لضائقة قد تضطرّها للركوع .
فصول القصّة بدأت عندما ظهرت تسريبات نشرتها بعض الصحف «المغضوب عليها» تفيد بأنّ «الوزير» ضغط على أصحاب المؤسسات والشركات النافذة في دنيا المال والأعمال كي تسحب إشهارها من جريدة «الخبر» وجريدة وطنية أخرى ناطقة بالفرنسية وهدّدهم بزيادة الضرائب..؟، بغية خنقها وتجفيف منابع السيولة المالية، وليصبح أمامها حل من إثنين، إمّا الدخول في بيت الطاعة،أو الإفلاس المحتّم، وكان الوزيرعلى يقين، بأنّ الإحتمال الأول من المستحيلات، لذلك سعى إلى إخراسها كونها آخر القلاع الإعلامية التي لاتزال واقفة في وجه الفساد السياسي….
كان له ما أراد، وخبرت «الخبر» سنتين صعبتين، إضطرتها بيع أسهمها إلى شركة «ناس برود» الخاصة كي تستمر في أداء رسالتها الإعلامية. هذه الخطوة لم تطرأ على بال وزير الإعلام، ممّا جعله يلجأ إلى القضاء ويرفع دعوى على «الخبر» كي يثبت بطلان الصفقة…؟
هذه إذا هدية «فخامته» للصحافة في عيدها العالمي، خنق كل صوت يغرد خارج سربه السياسي، بحجّة أنّها تسعى إلى نشر الفرقة بين الجزائريين وإعطاء صورة سيئة عن الجزائر في الخارج…»فالوطن لاينظر اليه إلاّ بعين الرئيس»؟
هذه السياسة ممثّلة في وزير الإعلام، لها باع طويل في تكريس الرّداءة، وتكميم الأفواه وخنق الحريات وحضر النقاش في ملفّات حسّاسة كملف الفساد الأسطوري الذي شهدته فترة «الطفرة البترولية»والذي فضحته وثائق ويكيليكس، وليس الخبر أو غيرها، والقضاء على المعارضة الفعلية التي دخلت تحت مظلة الحاكم طوعا أو كرها، فتح قنوات إعلامية «خاصة» لا تصلح إلاّ للصرف الصحي تعلن ولاءها «للزعيم» بشكل يدعو إلى الإشمئزاز، كلّ هذا لن يغني عنها شيئا، إذ الرغبة في التغيير الحقيقي أصبحت أكثر جلاء من أي وقت مضى، وما شهدته قضية الخبر من تفاعل جماهيري وهو الأهم والرّادع الحقيقي، وكذا نقابي وسياسي، يعد تيرمومترا حقيقيا لدرجة الغليان والخط الأحمر الذي رسمه المواطن للحكومة.
«الخبر» تقود معركة الشرف بإسمنا جميعا في توقيت حرج من تاريخ الجزائر، ولم يعد أمام «الساسة» سوى الخروج من المسرح السياسي عاجلا قبل أن تجرفهم أمواج ناقمة على فسادهم وتهورهم واللعب بمصير شعب بأكمله، لم يعودوا يمثّلونه بأي حال وإستنفدوا معه جلّ أوراقهم.
كلّنا «الخبر».

صحيفة «الخبر»… معركة الشرف الإعلامي في الجزائر

منى مقراني

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية