بغداد ـ من كاظم خنجر: يطرح الأداء نفسه ـ منذ السبعينيات ـ بوصفه شكلاً مُستقلاً للتعبير الجمالي والفكري بعيداً عن نمطيّ التعبير التقليديين (الفنون والآداب)، إذ يقوم الأداء بالدرجة الأولى على التحرر من البنود النظرية للأنواع الأدبية والفنية، أي محو صفة النوع أو تقديمه بما يتناسق مع رؤية الأداء في التعبير، كأن يكون (أداء مسرحيا، أداء شعريا، أداء تشكيليا، أداء موسيقيا، أداء فوتوغرافيا، أداء خالصا…)، فالأنواع هنا خاضعة لسلطة الأداء الذي يفرض القطيعة مع نمطية التعبير لكل نوع، مكوناً بذلك شكله الخاص. واستفاد الأداء كذلك، من (تقنيات الميديا، اليوميات، الطقوس، فعاليات الشوارع، التعبير الجسدي، قراءة الهوية…)، فالعمل الأدائي هو الفكرة في طور الاستعمال والاستخدام، أي تنفيذ الفكرة وفق أدوات يقترحها المؤدي، أو يرى بأنها الأقرب للتنفيذ.
اسكوديرو: الأداء كسر للحبال الصوتية
عندما سمعت فنانة الأداء العالمية كاميلا اسكوديرو، وهي المُتنقلة بين الرسم و الشعر والصوت والرقص، كلمة أداء، بدأت بالرقص بطريقة مُزعجة وغريبة حد شعورها بالاختفاء. جسدها أخذ يتوتر، وسعت إلى الهروب منه، ولكن في النهاية لم تقدم رقصة سيئة، وإنما قدمت أداء في الرقص.
كذلك في الشعر أحسست اسكوديرو أن الكلمات تتحرك تحت الجلد، ولا يمكنها أن تبقى تتحرك إلى الأبد حتى قامت بأداء الشعر في مشروعها الأول « he doghouse» حيث تحررت الكلمات إلى الأبد ولم تبق سجينة الجلد أو الورق. كما شكلت ثنائياً مع مؤدي الشعر شارلز بنكوين، عبر تقديم الأداء الثنائي.
تقول اسكوديرو أن الأداء يتيح لك أن تُهرب فمك من جسمك، ثم تُهرب فمك ويديك من جسمك، أو تقضم فمك ويديك، الأداء يشبه هذه العملية أو تقوم بكسر الحبال الصوتية. من هنا تتحدد رؤيتها التي تقوم على تجاوز النوع وعلاقته بالجسد بالدرجة الأولى، فالشعر يحمل نوعا من التكريس، أي ارتباطه بقول الكلمات عبر الجسد التي يعمل الأداء على تجاوز مرحلة قول الكلمات عبر الجسد إلى تنفيذ هذه الكلمات، سواء في الجسد أو غيره، أو سواء قول الكلمات أو التعبير عنها بأي طريقة أخرى.
المعموري: بديل الفنون والآداب
يُحدد الشاعر المؤدي مازن المعموري الأداء بصفته نقيضاً للفن المسرحي منذ بدايته وحتى نضوجه، خالقاً منهجاً تثويرياً للفنون التقليدية، على الرغم من أنه التصق بشكل عام بتفرعات الفن المفاهيمي، لدرجة أنه يعد سليل الفن التشكيلي إلا إنه اليوم وبعد وصول الفن التشكيلي إلى هجوع مساراته التقليدية لفن اللوحة المعلقة على الحائط، تقدم الأداء ليكون هذه المرة بديلا عن الفنون والآداب كافة.
وطبقاً للمعموري، فإن لذلك سبب جوهري يتعلق بطبيعة تقنيات الفنون والآداب الرتيبة، ومنها الرواية والشعر مثلا. بقاء فنون الكتابة بشكل عام مرتبطة بفضاء الورقة البيضاء، من دون اختراق تجنيسي جذري، ومنه إلى انعكاسات قوة التسويق التي أخضعت نشاط الفنانين لماكنة البورصة وعروض المزادات العالمية وتجار الفنون وغيرها من الأمور، بما يهيئ لفن الأداء مكانة سحرية قائمة على أساس الحرية المطلقة في التنفيذ والحرفنة وحتى اختيار الجمهور أو الاستغناء عنه.
ويتيح الأداء، بحسب المعموري، مساحة من ممارسة الخطابات بشكلها المباشر أمام الجمهور، في الشارع والساحات وحتى الغرف المغلقة والقاعات، لكن المهم هو إتاحة الفرصة لاكتشاف ذواتنا في استخدام الأشياء المتاحة، وكل ما يمكن أن يتحول إلى علامة مباحة للآخرين. العمل يكون على تماس مع المتفرج أيّا كان، ليصبح جزءا منه ومحاورا له، في الوقت الذي تنتفي فيه حلقة الحوار يوما بعد آخر في مجتمعنا، إننا بحاجة ماسة لفن الأداء كبديل عن موت الفن في العالم الشرقي الآن.
طوفان: مفتوح على توظيف كل العناصر
أما المؤدي علي طوفان، فيجد أن الأداء «هو بديل جيد لباقي الفنون والآداب الآن، ويعتقد أن قوة الأداء كامنة في حضوره العابر، واختفاء منتوجه المادي بعد الانتهاء منه، في حين أن منتوجه الفكري يبقى قوياً في فكر المتلقي».
يُضيف أن «الأداء الفني له روح ثورية لا تمتاز بها بقية الفنون، كما أن المؤثر الكبير الذي دفع باتجاه إنتاجه هي الحركة الدادائية التي لها الدافع الثوري نفسه في روحية الأداء».
ويعتبر أن «الأداء صورة واحدة تشاهدها، ممكن أن تفكر أن هذه الصورة ممكن أن تتشابه مع مدرسة أخرى! ولكن ليس هناك أي صورة تشاهدها في باقي المدارس ممكن أن تكون الأداء».
وينطلق طوفان، من تجربته المُمتدة لــ15 سنة في أوروبا مع الأداء، موضحاً أنه كان دافعاً له للاحتكاك مع باقي الثقافات، فهو يعطيك الفرصة لتقدم عرضك في أي مكان فكل مكان في الأداء هــــو خشبة عرض حتى مكان الصلاة، هو خشبة عرض لحركة معينه تشرح لنا فكرا معينا. الأداء ليس له حدود، مفتوح على توظيف كل العناصر، المواد العادية المتوّفرة والبحث في اكتشاف طاقتها، هذا كله يجعله فن الحرية بلا منازع.
وصي: سلاحه في الوقوف ضد الحرب
كذلك، يبين المؤدي التشكيلي محمد وصي أن الأداء ينبع من الممارسة اليومية، أي وجودي بوصفي مادة العمل، وهو خطاب بحد ذاته يحمل سمات يمكنها التعبير عن هذه المرحلة.
ويركز وصي على صفة النشاط الحياتي التي يمكن عدها الصيغة الأساسية في الأداء إذ عبرها يمكن للجسد أن يكون داخل العمل، ما يتيح رؤية جديدة للعالم.
وصي، الذي يعيش داخل العراق، يعتبر أن الأداء هو سلاحه في الوقوف ضد الحرب، فالفن بنوعه التقليدي لا يكفي لما يدور الآن، كل الأشياء التي يقوم بها الفن تنحصر داخل الجدران المُغلقة. في حين الأداء يأخذ مفهوما أشمل يحوي جميع المتغيرات، إذ يمكن للأداء أن يكون اللغة الفاعلة للوقوف ضد العنف والتعبير عن الموت اليومي الذي نعيشه. الحركة في الأداء مساوية لوظائف الحواس.