مبادرة «اقرأ معي»: شباب نواكشوط في فعل المطالعة وتبادل الكتب

حجم الخط
0

نواكشوط – عالي الدامين : في السنوات الأخيرة، وبفعل انتشار استخدام شبكات التواصل الاجتماعيّ، ظهرت في موريتانيا فاعليّات شبابية توجهّت إلى الشأن العام، في جميع ميادينه، بُغية النشاط والعمل من أجل تحسين الواقع المحلي من كل نواحيه. هذه الفاعليّات الشبابية المتعدّدة، شملت في توزيعها، ميادين عدّة، سياسيّة، اجتماعيّة، ثقافية. وفي ميدان هذه الأخيرة برزت مع بداية هذا العام، في نواكشوط، مبادرةٌ للحثِّ على القراءة، وتوفير الكتب، في بلدٍ تعدُّ فيه المكتبات العامة في صيغتها الحديثة على رؤوس أصابع اليد الواحدة، نظراً لندرتها، وأيضاً لأحاديّة المعروض فيها وضعفِه. ليس ذلك فقط، بل أيضاً نظراً لانتشار ندرة الاهتمام بالكتب والمطالعة، في ظلِّ واقعٍ متدهور اجتماعياً، واقتصادياً، وسياسياً، وكُلُّ اهتمامٍ بالثقافة فيه هو اهتمام نافل يكاد لايجدُ أرضيّة لترعاه.
المبادرة هذه المولودة أخيراً، في نواكشوط، معنونة بشعار: «اقرأ معي» إشارةً لاهتمامها التثقيفي الذي تنشطُ فيه، وهو توفير الكتب سعياً إلى نشر ممارسة المُطالعة في المدينة. وهي مبادرة خدميّة في ميدان الفعل الثقافي، الذي يعاني اليوم في البلاد ضعفاً شاملاً. وظهرت المبادرة في شكلٍ إلكترونيّ، على مواقع التواصل الاجتماعي، «فيسبوك» تحديداً، وعند انطلاقتها بداية العام الـ 2016 بدأتْ في أوّلِ نشاطٍ ميدانيّ لها، وكان عبارةً عن حفلٍ تدشينيّ تمت إقامته بالمتحف الوطنيّ، حيث عُرضت مكتبة المبادرة، وهي مكتبة تحتوي على ما يزيد على الـ 700 كتاب، في مختلف المجالات المعرفيّة، كانت كُلّها حصيلةَ مساهماتٍ من بعض القرّاء، كمشاركةٍ مُساعِدة، لهذه المبادرة الجديدة والفريدة.
المبادرة هذه، كما يقول الحسين ولد سيدي، وهو أحد النّاشطين المؤسّسين فيها، في حديث مع «القدس العربي»، إنها مكتبة عامة توفر مئات الكتب في مختلف مجالات المعرفة (الفلسفة، الأدب، السينما، الاعلام، الأديان..)؛ وتسعى إلى إشاعة ثقافة القراءة ونشر المعرفة في المجتمع الموريتاني». ويضيف الحسين «خاصة لدى الأجيال الصغيرة والشابة»، مشيراً إلى «محور اهتمام المبادرة الأوّل في عمليتها التثقيفية هذه، والذي هو تلاميذ الإعدادية والثانوية وطلبة الجامعة. وهو الذي من أجله تقريباً تقوم المكتبة بمجموعة من الأنشطة اليومية والشهرية مثل توفير خدمة الاعارة اليومية، وإجراء جلسة «مائة دقيقة نقاش» التي تستضيف أحد الكتاب الموريتانيين لتُناقش معه آخر إصداراته».
وتقوم المبادرة «اقرأ معي» بكل أنشطتها هذه، منذ بداية العام، بعد أن اختارت من «فضاء التنوع الثقافي البيئيّ» في نواكشوط مكاناً رسمياً لها، حيث تجري عمليّات الاعارة اليوميّة، وكذلك اللقاء الشهريّ الذي يُقام للنقاش مع شخصية ثقافية محليّة في منتوجها التأليفيّ، أو كتابٍ مُعيّن لها، على وجه الخصوص. فالمبادرة لا تنحصرُ في اهتمامها على نشاطٍ واحدٍ وإنْ كان لديها نشاطٌ تعطيه من الوقت والاهتمام دائماً ما لا تعطيه لغيره كنشاط الكتب مثلاً. فعلاوةً على خدمتها التثقيفية الأساسية، فيما يخص توفير الكتب، لغرض الإعارة، والتبادل، يوجدُ أيضاً في صميم أنشطتها لقاءٌ شهري مع أحد الكُتاب لنقاش كتابٍ له. وهو اللقاء النقاشي الذي بدأ يأخذ أهميّة مُوازيّة، جنباً إلى جنب مع الخدمات الكتبية المُقدّمة بشكلٍ يومي، في المبادرة بمقرها، حيث أنّ هذا اللّقاء المُنظّم، بداية كُل شهرٍ، مع أحد الكتاب الموريتانيين، لنقاش كتابٍ له «بدأ يحصد إقبالاً أكثر» بالإضافة إلى عدد زوّار المكتبة طلباً للإعارة.
هذا وتعتمدُ المبادرة في نشاطِها، للإعارة، شروطاً عدّة هي بمثابة «ميثاق معرفيّ به تشترط المبادرة أن لا يقل عمر طالب الإعارة عن خمس عشرة سنة، وأن يكون مقيماً في نواكشوط طيلة فترة الإعارة، وأن يحصل على بطاقة قراءة من طرف المكتبة ويتطلب ذلك توفير صورتيْن شمسيتين ومبلغ خمس مائة أوقية مع الاختتام بالتوقيع على الميثاق»، وفق ما تقول الناشطة في المبادرة رحمة غلام. وتمتد فترة الإعارة من أسبوع لأسبوعين فما فوق حسب حجم الكتاب الذي تمت إعارته.
لقد شكّلت مبادرة «اقرأ معي» منذ افتتاحها التدشينيّ الأوّل مفتتح كانون الثاني/يناير الماضي في المتحف الوطنيّ، والذي نزلت فيه من «فيسبوك» إلى أرض الميدان، بؤرة أملٍ كبيرة، في أوساط المهتمين بالفعل الثقافي في موريتانيا. فالدور التثقيفي التبادليّ الهام، الذي يتمحور جهد المبادرة على لعبه، كان كافياً لتنال التشجيع من الجميع، خاصةً أولئك الذين يأملون حدوث التغيير، بحصول الوعي وارتفاع نسبته، عن طريق انتشار الكتاب والمُطالعة في الشارع العمومي. وهو التحدي الذي تواجه مبادرة كـ»اقرأ معي» اليوم وهي في بداية مشوارها، فهل ستنجحُ فيه؟

مبادرة «اقرأ معي»: شباب نواكشوط في فعل المطالعة وتبادل الكتب

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية