تحدث الفيلسوف الأغريقي أفلاطون (424 ق.م. ـ 328 ق.م.) عام 360 ق.م. عن قارة تدعى أتلانتس (وتعني جزيرة أطلس في اللغة الأغريقية أي اللغة اليونانية القديمة) وأدعى أن مساحتها تعادل شمال أفريقيا وآسيا الصغرى مجتمعين، وأنها كانت موجودة قبل 9000 سنة من زمنه وتقع غرب مضيق جبل طارق في المحيط الأطلسي، وقد سكنها شعب بالغ التطور من الناحية العلمية، إلا أن هذا الشعب فقد أخلاقه ومبادئه وتحول إلى قوة عسكرية غاشمة أخذت تهاجم بقية الدول، فاحتلت أغلبية شمال أفريقيا وأوروبا حتى قام سكان أثينا، المدينة الأغريقية، وهم الشعب ذو الأخلاق النقية بمقاومة هذا العدوان وانتصر عليه.
ثم غضبت الآلهة على سكان أتلانتس فانتقمت منهم بإغراق قارتهم لتختفي إلى الأبد، على حد قوله. وحسب المصادر فقد أدعى أفلاطون أن هذه القصة انتقلت إليه بعد أن تناقلتها الأجيال من السياسي الأثيني سولون (638 ق.م. – 558 ق.م.) الذي سمعها بدوره من كاهن مصري قرأها من نص مكتوب. والمشكلة هنا أنه لم يعثر أبدا عن أي نص مكتوب في مصر أو أي مكان آخر عن أتلانتس، والحقيقة أنها لم تكن هناك أي حضارة قبل 9000 سنة من زمن أفلاطون في العالم، فأول حضارة في التاريخ كانت السومرية في وادي الرافدين، التي قامت حوالي 3500 ق.م. وبالتأكيد أن أفلاطون لم يعرف ذلك، بل إنه كان يجهل حجم شمال أفريقيا وآسيا الصغرى، وأخيرا فقد أكد العلماء أن غرق أتلانتس في المحيط الأطلسي مستحيل لأن الطبيعة الجيولوجية للمحيط الأطلسي لا تسمح بذلك. وكل هذا يجعلنا نستنتج أن القصة من نسج خيال أفلاطون، ولكن لماذا قام باختلاق هذه القصة؟ الاحتمال الأرجح أن القصة بأكملها لم تكن سوى دعاية سياسية لأثينا وأفكار أفلاطون نفسه، فبالنسبة له كان النظام السياسي الأثيني في القصة مشابه لما وصفه أفلاطون نفسه في كتابه الشهير «الجمهورية»، وهو برأيه نظام مثالي. أما الأثينيون فقد وصفهم بالأنقى والأرقى من الناحية الأخلاقية، وكذلك الأشجع وأن الآلهة تقف في صف أثينا دائما، حتى أنها انتقمت من أتلانتس لأنها تجرأت وهاجمت أثينا. أما إذا احتلت أتلانتس بقية العالم واستعبدته فهذا غير مهم. فالآلهة والحق دائما مع أثينا فحسب. ويقال إن الفيلسوف الأغريقي الأشهر أرسطو (384 ق.م. ـ 322 ق.م.) الذي كان تلميذ أفلاطون سخر من أستاذه حول هذه القصة، متهما إياه باختلاق أمم من الخيال وتحطيمها. ويجد القارئ أعلاه خريطة تخيلية تبين أتلانتس ومنطقة وسط المحيط الأطلسي كان قد أصدرها الكاهن الألماني أثاناسيوس كرشر (1602 ـ 1680) عام 1669، حسب تصوره الشخصي لقصة أتلانتس، مع الأخذ بنظر الاعتبار أن الخريطة تبين الجنوب في الأعلى والشمال في الأسفل.
انتهت الحضارة الإغريقية، ولكن قصة أتلانتس لم تنته، وكان دائما هناك من يصدق هذه القصة وأخذ بعض جوانبها يتغير، فبعد أن كانت أتلانتس رمز الطغيان والتهديد، تحولت إلى رمز المثالية، خاصة بعد نهاية العصور الوسطى، كما اندمجت مع المعتقدات التي أخذت بالظهور بوضوح آنذاك، بل تحولت إلى وسيلة لدعم هذه المعتقدات، خاصة مع التحولات التي ميزت الدول الأوروبية وثقافتها، والتي أخذت تتحول إلى دول في محاولة مستمرة للتوسع على حساب الآخرين وزيادة الاكتشافات العلمية والجغرافية في العالم، مثل اكتشاف الأمريكتين. ففي عام 1516 أصدر الفيلسوف الإنكليزي توماس مور (1478 ـ 1535) كتابه الشهير «يوتوبيا» (كلمة لاتينية تعني لامكان) وهو عن بلد مثالي وخيالي في الأمريكتين اللتين كان اكتشافهما لا يزال حديثا، وكان تأثير قصة أتلانتس واضحا في وصفه لذلك البلد، بل أنه ذكر أفلاطون فيه. وفي عام 1627 نشر فيلسوف إنكليزي آخر يدعى فرانسيس بيكن (1561 – 1626) كتابا شهيرا آخر عنوانه «أتلانتس الجديدة» كرر فيه ما قاله أفلاطون عن أتلانتس، مع اقتباس واضح من أفكار توماس مور السابق الذكر. ولكن الموضوع لم ينحصر في نطاق المثاليات، بل اندمج مع أفكار أخرى، فمثلا قام الكاتب السويدي أولاس روبيك (1630 ـ 1702) عام 1679 بنشر كتاب من أربعة أجزاء، محاولا إثبات أن السويد كانت أتلانتس بكل مزاياها من عظمة وكمال وقوة، وأن جميع لغات العالم أتت من اللغة السويدية، ويوضح هذا محاولة البعض لاختلاق تاريخ مجيد لأسباب سياسية بشتى الطرق، حتى إذا كان هذا يؤدي إلى اللجوء ألى قصة خرافية.
أما في القرن الثامن عشر فأشهر من تطرق إلى أسطورة أتلانتس كان السياسي والعالم الفرنسي جان سلفن بيلي (1736ـ 1793) الذي ادعى أن سكان أتلانتس تحولوا إلى شعب من الآلهة في شمال أوروبا وأيده البعض في هذا، واستمر هذا حتى الوقت الحاضر، ولم يستطع بيلي أن يستمر طويلا في كتاباته فقد أعدمه قادة الثورة الفرنسية بالمقصلة، فكان مصيره مثل مصير أنتوان لافوازييه (1743 ـ 1794) الذي كان أعظم عالم كيمياء في العالم آنذاك، ولكن كونه عالم كيمياء عظيما لم ينقذه من الإعدام. وفي الفترة نفسها اعتقد بعض المثقفين الأوروبيين أن هناك تناقضا واضحا في أمريكا اللاتينية، فآثارها مثيرة للإعجاب، إلا أن سكانها متخلفون «فطريا» ولذلك لا يمكن أن يكونوا من بنى هذه الآثار الرائعة، ولهذا فإن الجهة الوحيدة التي بنتها هم أبناء القارة المفقودة أتلانتس. وقد طور هذا الاعتقاد بعض الشيء الكاتب الفرنسي براسور دي بوربورغ (1814 ـ 1874) الذي قال بأن سكان أمريكا اللاتينية هم أحفاد سكان أتلانتس، وكان لهذا الكاتب تأثير كبير على بعض من أتى بعده، فالانطلاقة الحقيقية لأسطورة أتلانتس كانت في النصف الثاني من القرن التاسع عشر على يد السياسي وعضو مجلس النواب الأمريكي أغناتيوس دونللي (1831 ـ 1901) الذي كتب عام 1881 متأثرا بدي بوربورغ عن حضارة أتلانتس البالغة التطور، التي هاجر مواطنوها منها وسكنوا مناطق في أوروبا وأفريقيا وآسيا جالبين معهم كل ما ميز الحضارات الأولى من لغات وكتابة وزراعة وصناعة لأن الحضارات الأولى لم تملك القدرة الكافية للإبداع، وزعم أيضا أن أبطال أتلانتس كانوا مصدر الأساطير الإسكندنافية والهندية واليونانية. وإذا كان كل هذا الخيال لا يكفي فقد أضاف دونللي أن جنات عدن تقع في أمريكا اللاتينية، وأن ما أنهى حضارة أتلانتس كان طوفان نوح! ومن الغريب في الأمر أن كتابات دونللي لاقت رواجا في زمنه وكان لها أثر على أفكار بعض المثقفين ومدعي الثقافة في عصره وحتى القرن العشرين فهناك الروسية هيلينا بلافاتسكي (1831 ـ 1891) التي أيدت دونللي وكتبت أن سكان أتلانتس ظهروا قبل مليون سنة، وأن حضارتهم انتهت بسبب الحروب الأهلية.
وفي اتجاه آخر كانت هناك الشخصية الشهيرة أدغار كيسي (1877 ـ 1945) الذي أسس مجالا جديدا في هذا المضمار، فقد اضاف جانبا دينيا إلى الأسطورة وادعى امتلاكه قدرة على الاتصال بعالم الأرواح، حتى أنه أقنع آلاف الناس أن أرواحهم كانت في الأصل لسكان أتلانتس، وقد انتقلت إلى أجسادهم. وطبعا لم يتم إثبات ادعاءاته إلا أنه بالتأكيد حقق شهرة واسعة وتوقع اكتشاف اتلانتس عام 1969، ومرت تلك السنة بدون ذلك الاكتشاف.
ومع حلول القرن العشرين دخلت إضافات جديدة إلى قصة أتلانتس، فهناك من ادعى أن الآلهة اليونانية كانت في الحقيقة مخلوقات من الفضاء الخارجي، وهم الذين أسسوا حضارة أتلانتس ثم جاء الأمريكي تشارلز برليتز (1913 ـ 2003) لينشر كتابا لإثبات أن أتلانتس لم تكن موجودة فحسب، بل إنها سبب لغز مثلث برمودا، إلا أنه تم التأكد علميا من عدم صحة هذا على الرغم من الضجة التي سببها الإعلام العالمي حول المخاطر والغرائب في ذلك المثلث.
يوجد الكثيرون من الذين يدعون بأنهم خبراء في موضوع أتلانتس ويقدمون روايات خيالية عن مكانها، بل إن بعضهم ادعى العثور عليها وتتناقض تفاصيلهم، فالمانيا وتركيا والكاريبي وكريت ومالطا وغيرها كانت من الأمكنة التي قيل عن وجود أتلانتس فيها، وفي هذه الأثناء يستمر نشر الكتب وصنع الأفلام السينمائية حول أتلانتس طالما هناك من يستفيد ماليا من هذه الأسطورة، بل إن بعض الكتب والبرامج والمقالات عن الأماكن التي يدعون وجود أتلانتس فيها ليست سوى دعاية سياحية لهذه الأماكن، مخفية تحت غطاء أسطورة أتلانتس. ومن الناحية الأدبية فإن اسم أتلانتس يقترن اليوم بالعالم المثالي، وبشكل خاص ذلك الذي كان موجودا في الماضي. ومن الممكن الجزم بأن أسطورة أتلانتس ستبقى في الإعلام ليس لكونها قصة مثيرة، بل لعلاقتها بالأغريق، خاصة أثينا التي تكاد أن تكون مقدسة في الإعلام، فهي من الناحية الإعلامية تعتبر الحضارة الأولى في العالم، على الرغم من أن وادي الرافدين كان سباقا في هذا المضمار بثلاثة آلاف سنة على الأقل، بل إنها قد تكون حتى ليست أول حضارة في أوروبا ويزخر الإعلام من كتب وأفلام بالشخصيات الأغريقية وتفاصيلها مثل، الإسكندر المقدوني الذي في الواقع لا نكاد أن نعرف عنه أي شيء لأنه لم يترك أثرا يذكر، وكل ما نعرفه عنه كتب بعده بخمسمئة عام، بالإضافة إلى الأساطير والحروب الأغريقية الخرافية مثل حرب طروادة وغيرها. وأما الاكتشافات العلمية للأغريق فقد بدأت مزايدات إعلامية حامية الوطيس في المبالغات العلمية إلى درجة أن أحدهم اعتبر الأغريق القدماء أول من اخترع الحاسوب (الكومبيوتر) على الرغم من اعتراف العلماء بأن أغلبية الاختراعات المنسوبة إلى الأغريق كانت موجودة قبلهم.
٭ كاتب عراقي
زيد خلدون جميل