القاهرة – إسلام أنور : داهمت قوات الأمن المصرية منذ عدت أيام بيوت أعضاء فرقة «أطفال الشوارع» المكونة من ستة فنانين مسرحيين شباب لا تتجاوز أعمارهم 30 عاما، وهم محمد يحيى، وعز الدين، وعادل، ومصطفى زين، ومحمد سوري، وعبدالحميد جبر. يصور هؤلاء فيديوهات ساخرة عن القضايا الإجتماعية والإقتصادية والسياسية، ووجهت لهم العديد من التهم منها إهانة الرئيس عبد الفتاح السيسي، وترويج إشاعات كاذبة تهدد السلم الأهلي، والسعي لهدم الدولة المصرية، وإهانة مؤسسات الجيش والشرطة والقضاء، وتم حبسهم 15يوما على ذمة التحقيق.
تبدأ قصة الفرقة من المسرح، هذا العالم الساحر الذي يمنح الفنان والمشاهد لحظة ميلاد جديدة يعيدون فيها إكتشاف ذواتهم والعالم المحيط. فعلى مدار الخمس سنوات الماضية وتحديدًا منذ ثورة 25 كانون الثاني/يناير2011، تعرف أعضاء الفرقة إلى بعضهم بعضاً، في إحدى الورش المسرحية، وشاركوا في العديد من العروض الحية التي تقام في الشارع، بالإضافة لمحاولتهم الدائمة لإستخدام وسائط فنية متنوعة للترويج لعرضهم وأعمالهم.
ومن هنا جاءت فكرة أطلاق قناة على موقع «يوتيوب» وصفحة على «فيسبوك»، يقومون فيها بتسجيل بعض الـ»اسكتشات» بصورة ارتجالية في أحد الشوارع العامة كخطوة لتحرير المسرح من أسر جدران القاعات المغلقة وتوثيق عروضهم، بالاضافة لخلق حالة تفعالية مع قاعدة جماهيرية وفي هذا السياق قال الفنان محمد يحيى أحد أعضاء الفرقة»، «إحنا مجموعة من الشباب بنشتغل في المسرح، قررنا نصور فيديوهات في الشارع بأفكار مجنونة، هتلاقينا حواليك في كل مكان، حتى لو يومك زحمة ومخنوق. الشارع مليان ضحك».
تعتمد الفرقة على نفسها بصورة كاملة، حيث يقومون بانجاز كل الأدوار من التمثيل والإخراج والمونتاج والتأليف، والتسجيل ثم تحميل الفيديوهات، «الفكرة أننا نتفق على الفكرة الرئيسية للموضوع، و بنختار شارع ننزل نسجل فيه، وبعد ذلك كل واحد فينا بيقوم بالارتجال، والمتابع لفيديوهاتنا هيلاحظ أننا في بعض الأحيان بنتلغبط وبننسى الكلمات، وهذه النقطة أحنا شافين أنها ميزة وليست عيب لأنها بتقل الموضوع والفكرة بشكل صادق للجمهور»، وفق ما يقول يحيى.
في فيديوهاتهم الأولى التي حققت شهرة واسعة كان الإهتمام الرئيسي بنقد الأفكار الإجتماعية، والسخرية من الصور النمطية التي إعتدناها وتم ترسيخها في طفولتنا، ومن أبرز هذه الفيدويهات «براعم الإيمان» الذي انتقد تراث إذاعة القرآن الكريم، وعدم التجديد فيها طريقة أداء عدد من المذيعين ومقدمي البرامج، بالإضافة لسلسلة فيديوهات متنوعة تسخر من فكرة الحنين المفرط للماضي والأخطاء الدرامية الساذجة في العديد من المسلسلات والأفلام السينمائية المصرية القديمة.
نقطة التحول الرئيسية في مسيرة «أطفال الشوارع» كانت مع إشتباكهم مع الشأن السياسي عبر عدد من الفيديوهات التي ترصد تناقض السلطة المصرية وخاصة وزارة الداخلية والرئيس عبد الفتاح السيسي، مثل « يا حبيبتي يا مصر الا جزيرتين»، التي سخروا فيها من حديث السلطة المصرية عن السيادة الوطنية بصورة مفرطة وبين قرارها بالتنازل عن جزيرتي تيران وصنافير للسعودية بصورة بالغة الاهانة وتحمل قدراً كبيراً من للانحطاط، وفي ختام هذا الفيديو ردد الشباب هتاف «إرحل»، وتكرر الأمر أيضًا في فيديوهات «سد النهضة الاثيوبي» و «جبنا ورا» حيث تم الإشتباك مع العنف الذي تمارسه الداخلية وإعتقالها للشباب وإقتحام نقابة الصحافيين.
يصر القدر بالتواطؤ مع السلطة الحاكمة في مصر على السخرية من كل خططنا المستقبلية وتحويل كل لحظة الفرح والبهجة إلى لحظات ألم وحزن ففي الوقت الذي كنت استعد للكتابة عن مشروع فرقة «أطفال الشوارع»، وتجربتهم الشبابية الناجحة والمغايرة والتي كنت شاهداً على بعض تفاصليها من خلال معرفتي الشخصية بالفنان يحيى، كانوا يلاحقون ويسجنون. لكن جمهورهم لم يخذلهم. وبالفعل حتى اللحظة امتلأت مساحات الفضاء الإلكتروني بهم. حيث جاء هاشتاغ «أطفال الشوارع» ضمن قائمة الأكثر تداولا بين «تويتر» و»فيسبوك»، وأطلقت مجموعة من المثقفين بياناً للتوقيع تطالب بالإفراج عنهم، ووقع على هذا البيان مئات من المثقفين المصريين من مختلف الأعمار والاتجاهات السياسات منهم الدكتور عماد أبو غازي وزير الثقافة الأسبق، والروائي علاء الأسواني، والدكتور عمرو الشوبكي، والكاتبة المسرحية رشا عبد المنعم.
وقبل إلقاء القبض على جميع أعضاء فرقة «أطفال الشوارع» كانت هذه هي التدوينة الأخيرة لهم وجاء فيها «مش هنقول اننا متفاجئين، لأننا كنا عارفين تقريبا أن في حاجة هتحصل. قعدنا من يومين قبل آخر فيديو وقلنا مش عاوزين لما نكبر نفتكر نفسنا و نفتكرها أنها كانت جبانة. نفوسنا مش جبانة بس يمكن اللي بيحصل يكون أكبر مننا شوية، مصر بقت فعلا مخيفة. الموضوع صعب. كل اللي نقدر نقوله في الآخر .. متخافوش برا، احنا مش هنخاف جوا».