نواصل تناول رؤية المهندس عزت هلال حول وضع القوات المسلحة المصرية. ونشير سريعا إلى بعد تاريخي في تكوينها.. فهي عريقة النشأة، وتراثها راسخ؛ يتطور مع تطور الزمن. ونجحت مبكرا في توحيد مملكتي الوجهين القِبلي والبحري في 3200 ق.م. واحتفظت بقوتها طوال عصر أسرات مصر القديمة.. وهذا أدى بالمؤرخين والمفكرين إلى البحث في سبب ظاهرة القوة تلك.. ووجدوه في الأخذ بنظام التجنيد الإجباري، فلا يلتحق بها أحد من غير أبناء الشعب، وخلت من الأجانب والمرتزقة تقريبا.
وبداية من عصر بناء الأهرامات اتخذ التجنيد الإجباري منحى آخر، وكان لتقوية الجسور، وبناء السدود ووضع الحواجز، والحد من خطر الفيضان السنوي.. وفي مرحلة «القطيعة التاريخية»، وتوقف الإنجازات العظيمة، وتكاثر الفتن وإغارات البدو؛ حتى وقعت تحت حكم الفرس والرومان والبيزنطيين والإغريق.. ومع الفتح العربي والإسلامي دخلت حقبة نوعية جديدة ساعدتها على العودة لاستئناف دورها المحوري والمؤثر.. وتبادلت الأدوار مع الشام محتضن الامبراطورية الأموية، التي حولت الحكم الإسلامي إلى ملك عضوض.. وصارت دمشق عاصمتها بدلا من «المدينة المنورة» عاصمة الخلافة الراشدة.. وراقبت مصر التحول إلى بلاد الرافدين مع قيام الدولة العباسية، وانتقال العاصمة إلى بغداد.. واستمر ذلك حتى ولادة الدولة الفاطمية من رحم الدولة العباسية وانتقالها من تونس إلى مصر، وتأسست القاهرة عاصمة لها..
وبعد قضاء صلاح الدين على الحكم الفاطمي؛ بدأ تكوين دولة المماليك، ممن استجلبوا بواسطة الأيوبيين، فقويت شوكتهم، واستولوا على الحكم في 1250م. وأغلب المماليك وفدوا من ممالك غير إسلامية في سن الطفولة، وتأهلوا بدنيا، وتدربوا عسكريا على النسق «الاسبرطي»، وعاشوا في ثكنات معزولة؛ وتفرغوا للفروسية، واكتساب مهارات القتال وفنون الحرب، وشهد حكم المماليك استقرارا وأمنا نظرا لبأسهم وقوتهم، ولما تسرب إليهم الضعف أسقطهم العثمانيون في 1517م. وهي نفس فترة سقوط الأندلس.
وجاءت الحملة الفرنسية؛ بما صاحبها من قلاقل؛ انتهت بتنصيب محمد علي واليا على مصر 1805م، وتخلص من بقايا المماليك وبنى جيشا عصريا وقويا.. وحقق انتصارات عسكرية وسياسية اقتصادية وعلمية مبهرة، وحين تمكنت أساطيل بريطانيا وفرنسا وروسيا من هزيمة الأساطيل العثمانية والمصرية والجزائرية في «نفارين» اليونانية في 1827؛ غزت فرنسا الجزائر سنة 1830 واستوطنتها..
وخاب ظن من توقع أن يكون انتصار الجيش المصري على الدولة العثمانية في “نصيبين” نهوضا من «كبوة نفارين»، فالقلق الأوربي زاد؛ بعد أن تعزز الانتصار بقرار قائد الأسطول العثماني بالانضمام للأسطول المصري، وضم إليه كامل سفنه وقواته، وكانت نحو خمسين سفينة، وثلاثين ألف مقاتل، وثلاثة الاف مدفع، واستقبلوا بحفاوة في ميناء الإسكندرية. وأضحت مصر بهذه القوة البحرية المزدوجة اقوى دولة بحرية في البحر المتوسط. ورجحت كفتها على العثمانيين، واستمر ضغط دول أوروبا، وأبقت مصر تحت الحكم العثماني، وسنحت الفرصة أمام أوروبا بتوقيع معاهدة لندن في 1840م فضيقت على مصر، فتركت الشام والجزيرة العربية وكريت وأضنة؛ وتقلصت قواتها إلى 18 ألف جندي، وكانت قد وصلت إلى 235 ألف جندي من سكان تخطوا الأربعة ملايين نسمة بقليل..
ونتيجة ذلك الضعف الممنهج تمكن البريطانيون من غزوها، وهزيمة أحمد عرابي في موقعة التل الكبير في 1882م.. ولم تفلح جهود ثورة 1919 ولا ضغوط الحكومات المتعاقبة في إجلاء الاحتلال.. وتم ذلك متأخرا بعد وصول «حركة الضباط الأحرار» للحكم في 1852، وتنازل الملك فاروق عن العرش.. وما تلى ذلك من تطورات وأحداث فمعروف.
ونعود لرؤية المهندس عزت هلال لموقع القوات المسلحة في الدولة المصرية.. وقد استعان بمقال منشور للباحث شوقي عقل؛ عن “الكيان الوظيفي” للقوات المسلحة، ويمكن نلخيص هذه الرؤية في التالي:
1) وزير الدفاع يمثل الحزب الحاكم، في وزارة يعينها رئيس الجمهورية المنتخب، وليس مهما أن يكون عسكريا أو مدنيا.
2) رئيس الجمهورية المنتخب هو القائد الأعلى للقوات المسلحة.
3) انخراط أعضاء القوات المسلحة في العمل السياسي يتم بعد ترك الخدمة العسكرية بمدة ثلاث إلى خمس سنوات.
4) خضوع ميزانية القوات المسلحة لرقابة المؤسسات التشريعية والهيئات الرقابية المدنية؛ مع مراعاة السرية المطلوبة. ومن حق هذه المؤسسات والهيئات رفع دعاوى قضائية إذا لزم الأمر.
5) إخضاع ميزانية القوات المسلحة للمساءلة السياسية من قبل البرلمان مع الحفاظ على سرية بنودها.
6) التجنيد إجباري، وتتساوى فيه الفتيات بالشباب، وعدم قبول ترشيح من لم يؤد الخدمة العسكرية في الحكومة أو البرلمان أو القضاء.
7) تشغيل المجندين في عمل يتصل مباشرة بالمجالات التي تم تجنيدهم لها.. وأعمال القوات المسلحة تشمل الأعمال المكتبية والإدارية والفنية والتمريض، بالإضافة للتشكيلات القتالية.
8) للقوات المسلحة حق ممارسة أنشطة اقتصادية؛ تتعلق بالتصنيع العسكري وخدمة المجهود الحربي، وتُنقل الأنشطة الاقتصادية المدنية لملكية الدولة.
9) وقف التجنيد للأمن المركزي لحساب وزارة الداخلية، أو لغيرها من أجهزة الأمن والشرطة.
10) عدم تعيين أفراد القوات المسلحة في إدارات الدولة وأجهزة الحكم المحلي ومؤسسات القطاع العام وشركاته، أو أية هيئة أو مؤسسة أخرى تساهم فيها الدولة إلا بعد مرور ثلاث إلى خمس سنوات من ترك الخدمة.
11) لا تتملك القوات المسلحة الأراضي، ولا تتصرف فيها بالبيع أو الإيجار، فالأرض ملك الشعب، وتستخدم للأغراض العسكرية، وعندما تنتهي تعود ملكيتها لصاحبها.
12) أي نزاع ينشب بين أفراد القوات المسلحة وجهة مدنية أو فرد مدني يخضع للقانون المدني ويعرض على القضاء العادي.
13) انتزاع الصفة القضائية من القضاء العسكري واعتباره جهة عقابية ادارية، سلطاتها تتناسب مع الاحتياجات، وتحكمها اعتبارات الزمان والمكان والمهمة. ويخضع أفراد القوات المسلحة في زمن الحرب دون غيرهم لعقاب مشدد مناسب للجرم.
14) لا يحق للقوات المسلحة التعامل أو التعاون أو القيام بمناورات وتدريبات مشتركة مع دول وقوى خارجية دون موافقة صريحة من مجلس النواب.
15) تعزيز القدرات العسكرية للقوات المسلحة يقتضي إعادتها لهيئتها ونشاطها الأساسي، الذي سرى في حربي الاستنزاف وأكتوبر 1973، والابتعاد عن كل ما ليست له علاقة بالعمل العسكري المباشر، وأغلاق صالات الافراح وقاعات المناسبات والفنادق.
16) وقف الانفاق الترفي في شراء السيارات الفارهة، وفي تجديد وتأثيث وفرش المقرات والمكاتب العسكرية، في دولة يعاني أبناؤها شظف العيش، وقلة فرص العمل، وضيق الرزق.
17) عدم وضع قيود على وجود القوات المسلحة في مناطق الحدود، وعليها مواجهة الإرهاب، والتصدي للتهديدات الخارجية. وتسليم المتسللين للمحاكم المدنية.
18) لا يجوز إرسال قوات خارج الحدود. ولا يحق لأي جهة منح تسهيلات وقواعد عسكرية لقوات أجنبية.
19) لا يجوز للقوات المسلحة تلقي معونات أجنبية بأي شكل وتُموَّل من ميزانية الدولة فقط.
20) ليس من سلطة أي جهة أن تسمح بوجود قوات أجنبية على الأراضي المصرية. ويُبحث وضع قوات الأمم المتحدة تبعا للظروف.
21) عدم مشاركة القوات المسلحة في فض المشاحنات المدنية، والمسؤول الوحيد عنها هو جهاز الشرطة. والإرهاب الداخلي مسؤولية الشرطة بالكامل.
22) تشكيل أفرع القوات المسلحة يعتبر مهمة داخلية وفقا لنظام العمل بها، وتعيين قادة الأفرع ورئيس الأركان مهمة خاصة لها، ولا تتدخل الحكومة فيها.
23) يتشكل مجلس الدفاع الوطني من رئيس الجمهورية.. ورئيس البرلمان.. ورئيس المجلس الأعلى للقضاء.. والقائد الأعلى للقوات المسلحة.. ورئيس الأركان العامة.. ورئيس جهاز الشرطة.. وأربعة من رؤساء الجامعات الكبرى.. وشيخ الأزهر الشريف.. وبابا الكنيسة. ولهذا المجلس وحده حق إعلان حالة الطوارئ. وإصدار قرارات عقد صفقات السلاح. واتخاذ كافة إجراءات الحفاظ على الأمن في حالة التهديد باقتطاع جزء من البلاد، واستدعاء القوات المسلحة إلى جانب الشرطة لمواجهة الحركات الانفصالية.
وما لم تشر إليه هذه الرؤية هو انتقال الألقاب والرتب العسكرية والبوليسية والقضائية مع صاحبها في الوظائف التنفيذية.. فما زالت القيم السائدة أن الوظيفة سلطة وليست خدمة.. ويستقيم الحال بإلغاء الألقاب والرتب، ووضع حد للتمييز والنفاق المستفحل، وتصحيح الفهم الخاطئ للعمل الحكومي والعام.. وهو ما سوف نأتي إليه بالتفصيل مستقبلا.
٭ كاتب من مصر يقيم في لندن
محمد عبد الحكم دياب