النفط والحسابات القومية العراقية

حجم الخط
1

تعرف المحاسبة القومية على انها تلك التي تعتمد على المستوى الكلي أو التجميعي والتي تهدف إلى توفير احصائيات عن الناتج والدخل القوميين وغيرهما من المقاييس، فهي ترتبط بالتبويب الاحصائي لأنشطة الأفراد والمنظمات بطرقة تساعد على تفهم عمليات الاقتصاد القومي ككل.
والحسابات القومية هي الصورة الرقمية التي تبين نشاط القطاعات المختلفة في الاقتصاد القومي والعلاقات التي تربطها، وتقيس تدفق السلع والخدمات بين بعضها البعض وداخل القطاع الواحد.
ولدراسة الحسابات القومية سيما الناتج والدخل القوميين أهمية كبيرة؛ لأنها تتناول تشريح الجسم الاقتصادي وبيان أجزاءه التي يتركب منها، وانها تكشف عن القوى التي تحدد مجموع الاستخدام والإنتاج والدخل الحقيقي ومستوى الأسعار، كما تعد الحسابات القومية ضرورية للوقوف على المشاكل الاقتصادية ومعالجتها، فضلاً عن ذلك فأن هذه الحسابات تزود الباحث والمهتم بشؤون التحليل الاقتصادي والاجتماعي باطار عام شامل لمختلف المجاميع الاقتصادية وتعكس تفاعلاتها المختلفة من: إنتاج واستهلاك وادخار واستثمار واستيراد وتصدير.
إذاً ينصب تركيز الحسابات القومية على الدخل القومي والناتج القومي ومكوناتهما الرئيسة والمختلفة، فهي تتعدد وتتنوع في الدول المتقدمة وتنحصر وتقل في الدول النامية والمتخلفة.
وفي العراق موضوع دراستنا يمثل تصدير النفط والايراد الناتج عن هذا التصدير المصدر الأساسي بل الحاسم للدخل الوطني العراقي وبالتالي المكون الأساسي لدخل الفرد العراقي، وهذه سمة الدول الريعية التي يعتمد اقتصادها على ريع واحد ليمصل موارد الموازنة.
فقد احتلت العوائد النفطية منذ اوائل الخمسينيات موقعاً مهماً في الاقتصاد العراقي، إذ شكلت العوائد النفطية عام 1956 23٪ من الدخل الوطني و 92٪ من الصادرات و 67٪ من موارد الدولة و 40٪ من اجمالي ايرادات الموازنة الحكومية، بينما خلال الاعوام 1974 ـ 1980 مثلت العوائد النفطية نسبة 55 ٪ من الناتج المحلي الاجمالي، وقد شكلت ايرادات النفط نحو 92 ٪ من ايرادات موازنة 2004 بسبب تعطيل وضعف المصدر الضريبية وتوقف معظم المؤسسات الصناعية والإنتاجية الحكومية عن العمل .
وخلال السنوات 2003 ـ 2016 ازدادت نسبة أو مساهمة النفط في ايرادات الموازنة العامة للدولة وفي مجمل الناتج والدخل القوميين؛ بسبب تراجع مصادر الدخل والايرادات الأخرى، وفي السياق تشير احصائيات رسمية إلى انه منذ بداية عام 2015 وحتى نهاية اب/اغسطس من العام نفسه، بلغت واردات العراق من صادرات النفط الخام عبر شركة سومو الوطنية نحو (3) مليار دولار رغم تصديره أكثر من نصف مليار برميل من الخام خلال المدة ذاتها، وتعتمد الحكومة العراقية على ايرادات النفط في بناء موازنتها المالية بنسبة تتجاوز 95 ٪ .
وما غفل عنه ساسة العراق هو ان ارتباط دخل الدولة بتصدير النفط قد ربط مصير العراق بالسوق العالمية الرأسمالية من ناحية كميات التصدير وسعر البرميل، وهو ما يفسر التراجع الكبير في موارد العراق ضمن موازنات عامي 2015 ـ 2016؛ بسبب انخفاض أسعار النفط الخام في الاسواق العالمية إلى اكثر من نصف السعر لتبلغ اقل من 30 دولاراً خلال شباط الماضي بعد ان كانت أكثر من 110 دولار للبرميل الواحد .
ففي عام 2016 الراهن ووفقاً لتصريح المتحدث باسم وزارة النفط عاصم جهاد، المنشور على الموقع الالكتروني للوزارة، قد ارتفعت الكميات المصدرة من النفط الخام والايرادات المتحققة عنها لشهر اذار/مارس الماضي حسب الاحصائية النهائية الصادرة عن شركة تسويق النفط العراقية سومو؛ إذ بلغت كميات الصادرات النفطية (101) مليون و(900) ألف برميل (مئة وواحد مليون وتسعمئة الف برميل) بإيرادات بلغت (2) مليار و(894) مليون دولار ( ملياران وثمنمئة واربعة وتسعون مليون دولار)، وتم تصديرها من الموانئ الجنوبية والعوامات الاحادية، وبلغ معدل بيع البرميل الواحد (28.4) دولار، وتم تحميل الكميات المصدرة من قبل (33) شركة عالمية مختلفة الجنسيات من موانئ البصرة وخور العمية والعوامات الاحادية في الخليج العربي.
ومن خلال الاطلاع على موازنات العراق للأعوام 2010 ـ 2016 نجد تفوق العوائد النفطية على بقية مصادر الدخل وسائر الايرادات وان الايرادات النفطية تسهم في بناء الموازنة العامة للدولة بنسبة تتجاوز 95 ٪ من مجمل الايرادات .
استنتاجات :
حصل العراق على عوائد وايرادات نفطية هائلة لم يستطيع الاستفادة منها، فبعد ان كان ينتج بمعدل (2.5) مليون برميل يومياً وبسعر (115) دولارا للبرميل، اليوم أسعار النفط أقل من 45 دولار للبرميل، ولن يتمكن العراق من إنتاج 3 مليون برميل يومياً، بسبب عودة ايران للسوق وتقارب نفطها من مواصفات النفط العراقي، فضلاً عن محاولة الاتفاق على تجميد كميات الإنتاج بين دول الاوبك من أجل رفع الاسعار.
كان النفط ولا يزال يشكل المورد الأهم في العراق لتكوين وبناء موازنات البلد المالية، فهو المصدر الأهم للدخل والناتج القوميين وبالتالي هو ركيزة ومحمور الحسابات القومية.
لا يتصور في الأفق المنظور (2018 ـ 2019) ان ترتفع اسعار النفط في الأسواق العالمية، وبالتالي فإننا قادمون على ازمة مالية حادة شئنا أم أبينا .
حتى وان حدثت زيادة قليلة في الاسعار فلن يتمكن العراق من الاستفادة من تلك الزيادة السعرية لأسباب كثيرة منها:
ضعف التنوع في الاقتصاد .
ضعف القطاع الخاص.
توسع وترهل القطاع العام غير المنتج، إذ يقدر عدد العاملين في القطاع العام بنحو 8 مليون شخص، وهو ما أدى إلى التصارع على الريع.
فلسفة التعليم الفاشلة المبنية على عرض الشهادات، مما أدى إلى بطالة وتخلف قوة العمل، ففتحت كليات وجامعات دون الأخذ بنظر الاعتبار حاجة الاقتصاد العراقي.
ولعل أبرز الأسباب هو ارتفاع تكاليف نفقات الحرب لتحرير الأرض ونفقات اعادة الاعمار لمرحلة ما بعد التحرير، فهي تشكل نفقات طارئة وعاجلة وملحة تؤثر وبشكل كبير على الموازنة العامة للدولة.

ولمعالجة كل ذلك وانقاذ البلد من الأزمة المالية الحادة، ينبغي على الحكومة ان تعمل على تنويع وتعديد مصادر الدخــــــل ودعم القطاع الخاص، وتقليل أو ضغط النفقات العامة وسيما رواتب ومخصصات الرئاسات الثـــلاث والدرجات الخاصة وغيرها من الوسائل والإجراءات الكفيلة بمعالجة الأزمة المالية فهل ستعمل عليها الحكومة العراقية؟

 النفط والحسابات القومية العراقية

همام السليم

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية