تونس – «القدس العربي»: أولياء أمور يرغبون في أن يرفه أطفالهم عن أنفسهم وآخرون يأملون في وضع أقدامهم على طريق الشهرة والمال… ورياضيون يتطلعون إلى اكتشاف مواهب صغيرة، وآخرون يطمحون في إدارة مشروع يدر أموالا، ويواجهون اتهاما بالتجارة في كرة القدم… هذا هو حال أكاديميات «الساحرة المستديرة» في تونس.
فبعد انتشار هائل في دول غربية وأفريقية سمراء، وعلى غرار بقية الدول العربية، تنتشر في تونس أكاديميات لتعليم الأطفال فنون كرة القدم، وصارت تستقطب أعـــدادا كبيرة من الأطفال (غالبا بين 6 و12 عاما)، يتوزعون بين أكاديميات تابعة لأندية كبرى، وأخرى خاصة تأخذ شكل «مشروع استثماري».
نبيل بن رجب (29 عاما)، وهو مسؤول ومدرب في أكاديمية «تيبازا» (خاصة) في محافظة بنزرت (شمال)، يقول إن «الأكاديميات مرتبطة أساسا بعقلية أولياء الأمور، فبعضهم يخصص لابنه وقتا للتدريب بعد أسبوع من الدراسة، فيكون الهدف الأساسي هو الترفيه عن الطفل، بينما يبحث آخرون لأطفالهم عن مستقبل أفضل، لما توفره كرة القدم هذه الأيام من شهرة ومال».
وينظر الكثير من أطفال تونس بإعجاب إلى لاعبين تونسيين محترفين في أندية أوربية شهيرة، ويعتبرونهم قدوة، ومن أبرزهم، أيمن عبدالنور في موناكو الفرنسي، ويوهان توزجار في لانس الفرنسي، ومحمد أمين الشرميطي في زيوريخ السويسري، ومحمد قويدة في هامبورغ الألماني، وأنيس بن حتيرة في هيرتا برلين الألماني.
وعن المقابل المالي للاشتراك في الأكاديمية، يقول بن رجب، إنه «على كل فرد دفع 30 دينارا (حوالي 15 دولارا) شهريا… ويحظى كل طفل بثلاث ساعات تدريب أسبوعيا مقسمة على يومـــين يكونا غالبا السبت والأحد».
لكن ثمة مشاكل بالنسبة لعمل الأكاديميات في تونس، أبرزها «توقـــف بعض الأطفال عن أداء التدريبات، إما لسوء نتائجهم المدرسية أو لأسباب مالية»، بحسب المسؤول والمدرب في أكاديمية «تيبازا».
ومن أبرز الأكاديميات التابعة لأندية في تونس، هي أكاديمية نادي الترجي الرياضي، ويقول المدرب في نادي الترجي للشباب، العربي الزواوي (40 عاما)، إن «فكرة إنشاء أكاديمية تعود إلى سنة 2005، ويتدرب بها حاليا حوالي 400 طفل بين 6 أعوام و16 عاما… لدينا 17 مدربا يمنحون الأطفال 3 حصص تدريبية أسبوعيا». وينفى الزواوي، أن يكون هدف أكاديمية الترجي الأساسي «تجاريا عبر تحقيق الربح المالي»، ويرد على انتقادات تطال الأكاديميات عامة بأن «الهدف تكويني (إعداد ناشئين) في الأساس».
ومن داخل ملعب الأكاديمية، يقول محمد عامر النفاتي، وهو أحد المدربين في نادي الترجي، إن فريقه شارك العام الماضي في بطولة بفرنسا، و»قدم أداء جيدا». وعن إهمال بعض الأطفال لدراستهم لصالح كرة القدم، يؤكد النفاتي أن «أولياء الأمور لهم دور مهم في تحقيق أطفالهم التوازن بين الدراسة والتدريب».
أحد ناشئي أكاديمية الترجي، وهو إسكندر الفقيه (10 أعوام)، يقول: «أتدرب في الأكاديمية منذ ست سنوات… أدرس في الصف الخامس من التعليم الأساسي، ولم يمنعني التدريب من تحقيق نتائج جيدة في الدراسة». فيما يعبّر محمد ياسر الرياحي (11 عاما)، وهو ناشئ أيضا، عن حبه الشديد لـ»الساحرة المستديرة». ويضيف: «طلبت من والدي الالتحاق بالأكاديمية حتى أصبح لاعبا مشهورا مثل البرازيلي (المعتزل) رونالدو».
ويأمل الكثير من أولياء الأمور في أن يضع أطفالهم، عبر الالتحاق بالأكاديميات، أقدامهم على أول سلم الشهرة والمال، غير أن بشير بركات (45 عاما)، وهو الد الطفل غسان، يقول إن «غسان هو من اختار أن يتدرب في الأكاديمية من دون ضغوط عليه من أحد… وأنا راضٍ عن نتائجه في الدراسة وتحسن مستواه في كرة القدم».
وللاعب التونسي الدولي المعتزل، والمحلل الرياضي، سمير السليمي، رأي في أكاديميات كرة القدم بتونس، فهو يرى أن «نموذج الأكاديميات في تونس مستنسخ من الأندية الأوروبية، لكن بدون أن تتوافر فيها شروط النجاح، فالأندية التونسية تريد النتائج العاجلة (عبر ضم ناشئين مميزين من الأكاديميات إلى فرق النادي الرسمية)، بينما الناشئ الطفل (الذي يلعب في النادي) يكلف النادي حوالي 15 ألف دينار (7500 دولار) في السنة». السليمي يتابع بقوله أن «العملية أصبحت تجارية في الأساس، بحيث يمكن الحصول على رخصة لإنشاء أكاديمية بأسهل الطرق، إلى جانب غياب الرقابة… التجربة في تونس فاشلة، ولم تنجح في تخريج مجموعة متميزة من اللاعبين… والاتحاد التونسي لكرة القدم ووزارة الرياضة مسؤولان عن هذا الفشل، لأنهما لم يقوما بدورهما الرقابي على الوجه المطلوب».
وهو اتهام يرد عليه المدرب للاتحاد التونسي، كمال القليسي إن «الاتحاد طلب من وزارة الرياضة، منذ ثلاث سنوات، أن يكون طرفا في الرقابة على الأكاديميات الخاصة، إلا أنه لم يتلق ردا».
وبحسب عبدالقادر الجمالي، وهو مكلف بملف الاستثمار الخاص في وحدة الإحاطة بالمستثمرين، التابعة لوزارة الرياضة، فإن «وزارة الرياضة تراقب مراكز التدريب (الأكاديميات) عن طريق مندوبين لها».
وعن أعداد الأكاديميات، يقول الجمالي، «إدارة التخطيط والتقييم رصدت عام 2007 وجود 23 مركزا خاصا للتدريب، زادت 2013 (أحدث إحصاء تم إجراؤه) إلى 94 مركزا في مختلف الألعاب الرياضية، حوالي 90 ٪ مخصصا لتعليم كرة القدم».
ولتونس تاريخ متميز في كرة القدم، فمنتخبها، الملقب بـ»نسور قرطاج»، هو أول منتخب أفريقي يفوز بمباراة في كأس العالم، عندما تغلب على نظيره المكسيكي 3-1 عام 1978، وبفضل هذا الفوز قرر الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) ترشيح منتخبين من أفريقيا، بدلا من منتخب واحد، للعب في بطولة كأس العالم، قبل أن يزيد العدد حاليا إلى خمسة منتخبات أفريقية.
وتأهل المنتخب التونسي إلى نهائيات كأس العالم 4 مرات، أعوام 1978 و1998 و2002 و2006، وهو نفس عدد مرات تأهل منتخبات كل من الجزائر والمغرب والسعودية. ومن إجمالي 16 مشاركة في بطولة كأس الأمم الأفريقية، منذ انطلاقها عام 1957، توّج «نسور قرطاج» باللقب القاري مرة واحدة عندما استضافت تونس البطولة عام 2004.