الكويت ـ «القدس العربي»: المباركية وردة التاريخ، عبق البخور، ومتعة الناظر، وراحة النفس، وزهوة التراث، وسماحة ابتسامة الطيبين. كل ذلك وأكثر في قلب الكويت النابض بالأمس الجميل الذي تتوق إليه الأرواح وتهفو إليه القلوب. ليس مجرد سوق تراثي يقع في منطقة جبلية حسب الخريطة الكويتية العتيقة داخل السور. استل اسمه من الشيخ مبارك الصباح الذي كان يجلس في كشكه وسط السوق، لكنه عودة الفؤاد لبهجة الأيام الخوالي البيضاء التي كانت تنضح بالحب للحجر والبشر.
يتميز سوق المباركية بتصميمه الذي ظل يشبه الأسواق القديمة، رغم التطورات المعمارية في الكويت منذ بدايتها الاولى، إلا أن روح السوق تعبر عن التراث الشعبي، حيث كان السوق القديم ذو طابع هندسي جميل ومميز من حيث طبيعة المحلات والدكاكين واسقفها من الخشب والجندل والباسجيل بأشكال هندسية مميزة وغالبيتها مغطاة بالعريش لوقاية المارة من حرارة الشمس وأمطار الشتاء، وتتميز الممرات الخشبية بالدفء وتمنح الشعور بالراحة.
ولأن المباركية مكان احتفظ بروحه فقد صار من المعالم التراثية للكويت.
يكتظ هذا السوق على مدار العام بزوار الكويت من كل الجنسيات فالآجانب والأوروبيون يقعون في غرامه لغرابة تصميمه النادر ووجود كنوز من المقتنيات التراثية الخالدة فيه. أما بالنسبة للزوار الخليجيين فهو الوجهة المفضلة على الاطلاق لهم في الكويت، ففيه كل ما يبحثون عنه بأسعار مناسبة، كما يتوفر الطعام اللذيذ في مطاعم السوق المتعددة، ولهذا اعتادت المباركية على استقبال رؤساء وزعماء العالم وزوجاتهم، وكم من مرة يفاجأ رواد المباركية بوجود أمير الكويت الشيخ صباح الاحمد في أحد جولاته فيها حيث يختار أحد مطاعمها للعشاء فيتحلق الأطفال حوله للتصوير معه «سلفي». كما تفاجأوا بوجود حاكم دبي الشيخ محمد ين راشد المكتوم يتجول في أسواقها ويسلم على الناس، كما قضت الملكة رانيا أوقاتا ممتعة فيها وغيرهم الكثير الذين يستقطعون وقتا من العمل السياسي المضني للمتعة والراحة في المباركية.
أقدم مقهي في الكويت
ويزخر سوق المباركية وهو أشبه بمدينة أسواق متعددة بأنواع وفيرة من دكاكين اللحوم والأسماك والمواد الغذائية والاستهلاكية والحلويات الشعبية والتمور والعسل ومحلات العطارة والملبوسات الرجالية والنسائية، إضافة إلى مجموعة من محلات الاكسسوارات والسلع التراثية والتحف والخزفيات والتذكارات وكلها بأسعار مناسبة. كما يوجد فيه سوق لبيع وشراء المصوغات الذهبية والمجوهرات.
ويحتضن السوق المقاهي الشعبية حيث علاقة الكويتيين بالمقاهي قديمة ومتجذرة ولعل أشهرها وأقدمها مقهى «بوناشي» الذي يعود تاريخ إنشائه إلى الحقبة الأولى لحكم أسرة آل الصباح.. وتحديدا في زمن صباح الأول، حين قدم رجل من الإحساء وقام ببنائه، وفقاُ لما تذكر بعض الروايات.
وظل مقهى «بوناشي» شاهداً على تحولات سياسية مهمة في التاريخ الكويتي نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، وكان ملتقى للوجهاء والأعيان والقادة، فيه تطرح قضايا جوهرية للنقاش وتوضع لها الحلول، وتحت سقفه المصنوع من «القش» وجريد النخل تبرم الاتفاقيات وتوقع المعاهدات..حتى أطلق عليه البعض (تجاوزاً) .. فرساي الكويت.
في مقهى «بوناشي» وتحديدا عام 1920 بدأت المفاوضات بين الشيخ سالم المبارك الصباح وبين وفد الدويش (زعيم حركة الإخوان) بحضور الميجور «مور» المعتمد البريطاني في الكويت آنذاك، للتهدئة وفتح صفحة جديدة بعد معركة الجهراء التي وقعت في العام ذاته بين الإخوان والكويت.
واحتضن أقدم مقاهي الكويت وأشهرها المفاوضات نظراً لتردد الكثير من الشخصيات الكويتية البارزة عليه ومنهم حاكم الكويت الشيخ مبارك الصباح رحمه الله، حيث يقع عند مدخل سوق التجار.
أول مكتبة كويتية
المكتبة الوطنية التي أسسها المرحوم محمد أحمد الرويح أحد رواد القراءة في الكويت تعتبر أول مكتبة تجارية لبيع الكتب والمجلات حيث تأسست عام 1920 في عهد الشيخ احمد الجابر الصباح في المباركية بجانب مسجد السوق القديم، وهي منذ ذلك الحين تفتح أبوابها للأجيال المتعاقبة وللضيوف الذين يبحثون عن كتب تراثية وأدبية وغيرها.
ضيوف المباركية وزوارها الذين ينظرون للمكان بإعتباره تحفة معمارية يعبر عنها التراث والتاريخ
وأشبه بالمتحف المفتوح بعد جولتهم في أزقتها وأسواقها العديدة يتجهون إلى الاستراحات والمطاعم التي صممت على طراز القديم لتناول المأكولات الكويتية والهندية والإيرانية اللذيذة والمشروبات الشعبية وأهمها الشاي المخدر على الفحم، وفي إتجاه آخر من المباركية وفي ساحة سومو تحديدا تم عصرنة المطاعم التي تضج بالكافيهات والقوائم الإيطالية والأمريكية، وبهذا ترضي المباركية الذويقة باختلاف أمزجتهم.
وباستطاعة الزائر للكويت اختيار أفضل الشهور لزيارة المباركية وهي ابتداء من تشرين الثاني/نوفمبر وحتى آذار/مارس حيث تفوح رائحة الشاي على الفحم في جو معبق بالتراث الكويتي القديم مع نسمات الهواء البارده تعج مقاهي سوق المباركية الشعبي بالنساء والعائلات التي وجدت فيها أجواء جميلة لا تتكرر إلا مع نسمات الشتاء اللطيفة حيث تتزين المباركية بالأضواء والألوان وغناء الفرق الشعبية خلال الأعياد الوطنية ويتلألأ المكان بالفرح والمحبة.
ساحة «سومو» شابات يعدن للقرن التاسع عشر بطابع حديث
بين سوق «بن دعيج» ودروازة عبدالرزاق، هناك ساحة جنوب المباركية، محمّلة بذكريات أهل الكويت، شاهدة على قصص عديدة، شراكات تجار أوّل وتحالفاتهم، تتمتع بموقع تجاري استراتيجي، قريبة من شارع سوق الغربللي و»سوق الصفافير» و «سوق السلاح» وغيرها من أسواق امتدت في ممرات المباركية وجاداتها.
وجيل بعد جيل كانت جنوب المباركية عشق أزلي وحاضرة في وجدان الشباب والشابات، فبعد أن تقدم بها العمر كل ما مر جيل من أرصفتها وساحاتها، تتحول من ساحة مهجورة محمّلة بعبق التاريخ، ومنسية وسط زحمة العمارات الشاهقة القريبة، والمجمعات التجارية إلى الوجهة المفضلة لأبناء الجيل الجديد بفضل شابات وشباب عملوا على إعادة الروح للتاريخ بصورة «مودرن» في عودتهم للالتفات إلى ساحات أجدادهم، فعاودوا تجارا استغلال جنوب المباركية، مقر تجارة أجدادهم ـ «سومو» ساحة تزخر بالذكريات والتاريخ، لتحتضن مشاريع.
يعود تاريخها إلى القرن التاسع عشر، رغم انها عانت الإهمال فترات طويلة من الزمن الحديث، فان الروح دبت بها من جديد على يد جيل شاب، أراد انعاش تجارته فأحيا التاريخ، فضلا عن الرغبة في الهروب من الـ «خلو» المرتفع للمحال التجارية في المجمعات الحديثة، والايجارات المرتفعة، ليستثمر الجيل الحالي «ورثهم» من تاريخ الأاجيال السابقة، من خلال إعادة إحياء وترميم وبناء ساحة جنوب المباركية أو «سومو» لتحتضن مشاريعهم بعيدا عن الكلفة المرتفعة، فانتشرت الكافيهات والمقاهي والمطاعم العالمية.
وخطوة بعد أخرى، انتعشت الساحة، لتنافس ساحات أخرى حديثة وقديمة في قلب مدينة الكويت، وفي محافظات أخرى، بما تحتويه من مطاعم وكافيهات، مزجت بين ذوق الشباب الحديث، وتاريخ المكان القديم، لتقدم صورة الكويت القديمة بأسلوب «مودرن» جاذبة الجيل الشاب، تقدم له حكاية تاريخية لأجداده.
فقد ورث التجار الشباب الساحة، والتاريخ.. بل وحتى اللهجة والمصطلحات العتيقة من التراث فهنا دكّان فلان وهناك عبارة «إقلط» لدعوة الشباب لدخول هذا المطعم أو ذاك أو «لا توطوط» في حال كان المحل مغلقا، فقد استطاعت هذه الساحة ان تكون الترجمة الدقيقة، لما تحمله جدرانها من عبارات «احبج يا كويت» فاعادت الشباب إلى قلب الكويت.
شابات كويتيات تسلمن في ساحة سومو مشاريعهن الجديدة مدعومات بالثقة والطموح، امال الفارس صاحبة أحد المطاعم قالت: ان اختيارها لهذه المنطقة لمشروعها يرجع ليقينها انه المكان الأنسب، خاصة ان المشروع عبارة عن مطعم للأكلات الهندية الشعبية، مشيرة إلى ان طبيعة هذا المكان كونه ساحة أو ميدانا عاما للمارة في سوق المباركية يتناسب مع فكرة تقديم أكلات الشوارع كما هو الحال في الهند.
حوراء حسن طالبة جامعية وتعمل في أحد الكافيهات في السومو بنظام الدوام الجزئي قالت: ان المكان يتميز بالهدوء والتنوع من حيث الأنشطة المختلفة، والتي يحمل كل منها بصمة مميزة، مؤكدة ان السومو يعد من الأماكن الجاذبة للزوار ناصحة الشباب بالإقدام على تنفيذ مشاريع مماثلة في المنطقة، لافتة إلى ان أغلب زبائنها من الشباب والشابات الذين ملوا من المجمعات والمولات المغلقة واتجهوا إلى مثل هذه الأماكن الشعبية البسيطة بروح الطبيعة المفتوحة، لاسيما ان المكان يتميز بعبق الماضي مع البصمة الاوروبية الحديثة في الوقت نفسه.
واكدت الحسن انها فور انهاء دراستها سوف تتجه للعمل في القطاع الخاص وانشاء مشروعها الخاص الذي يلبي طموحها بعكس الوظيفة الحكومية التي تحد منه.
وتحدثت صاحبة المطعم ذي الطابع الريفي الايطالي سمارة المطوع بقولها: انها فضلت هذه المنطقة تحديدا لإيمانها بضرورة احياء الأماكن التراثية القديمة، مشيرة إلى روح الشبابية الواضحة في أرجاء المكان، لافتة إلى ان تصميم مطعمها يتناغم مع المظهر العام لسومو، الذي يضم مختلف التصاميم الأوروبية والعربية التي يتميز كل منها بطابعه الخاص.
المباركية… أول مدرسة نظامية
أولى المدارس النظامية التي انشئت في دولة الكويت هي مدرسة المباركية، وهي النواة التي بني عليها وتطور التعليم بشكل ملحوظ.
وانتشرت المدارس بعدها في جميع مناطق الكويت حتى توج هذا التطور بتأسيس جامعة الكويت في العام 1966.
وظهرت المدرسة المباركية في عهد الشيخ مبارك الصباح وبدأت فكرة المشروع التعليمي في احتفال اجتماعي لأهل الكويت بمناسبة المولد النبوي الشريف الذي اقيم في ديوان المرحوم يوسف بن عيسى القناعي عام 1910، حيث طالب بن عيسى الذي أشتهر بثقافته وحبه للفكر والقراءة والمطالعة الحضور بضرورة فتح مدرسة نظامية وعدم الاكتفاء بالكتاتيب لما للعلم من مكانة في الإسلام، وتجاوب بعض التجار وتبرعوا فعليا لبناء المدرسة، إذ تبرع بمقر لها المرحوم حمد خالد الخضير في بيت يملكه لبناء المدرسة- وافتتحت رسميا في العام 1911، وكانت التبرعات التي جمعت لها قد بلغت ذاك الحين 78 الف روبية، وكان مبلغا كبيرا في حينه حيث استثمر الباقي منه لخزينة ومصروفات إدارة المدرسة التي ترأسها يوسف بن عيسى كأول مدير مدرسة نظامية في الكويت.
وكانت مدرسة المباركية قد نجحت في تحقيق تغيير في الفكر وجرعة كبيرة من التنوير في المجتمع المحافظ حيث تشكلت حركة التمثيل المسرحي في المدرسة ولقت اهتماماً كبيراً لما لها من دور في نفوس الطلاب، وفي 7 حزيران/يونيو 1939 قدم بعض أساتذة وطلاب المدرسة المباركية، مسرحية «إسلام عمر بن الخطاب» بحضور حاكم الكويت حينها الشيخ احمد الجابر، وتعتبر هذه المسرحية الأولى في المدارس، وأعطت صورة مشرقة لمكانة المسرح المدرسي آنذاك.
منى الشمري