النكبة تلقي بظلالها على حياة الفلسطينيين

حجم الخط
1

لندن ـ «القدس العربي»: تمر ذكرى النكبة الـ68 على الفلسطينيين هذا العام لتزيدهم تمسكا بحق العودة وإصرارا على التحدي والصمود في وجه كل أساليب المساومة والتجويع والطرد والتهجير.
آلام الفلسطينيين وأوجــــاعهم لم تنــــته، فقد تركت النكبة آثارا عميقة لشعب أعزل، ها هي غزة ما زالت محاصرة لأكثر من 10 سنوات وهي تعيش ويلات الاحتلال والحصار والانقسام، وها هي الضفة التي تدفع ثمن مقاومتها تارة باعتقال أطفالها وشــبابها وأخرى بهدم البيــوت وتشريد سكانها وبناء المستوطنات، ناهيك عن محاولات تهويد القدس المستمرة وصمود أهلها في وجه غطرسة المستوطنين وتهديد الجنود المدججين بالسلاح.
أما فلسطينيو الشتات فقد أصبحوا الحلقة الأضعف في النزاعات العربية وتحولوا إلى ضحية تقطع عنهم الخدمات الطبية والاجتماعية ويطلب منهم التنازل عن حق العودة مقابل بعض التعويضات وإنهاء الوجود الفلسطيني. والنكبة الأكثر ايلاما محاولات اللجوء إلى الغرب التي كثيرا ما تنتهي بالفشل أو الموت أو الضياع حتى الدول الغربية لا تعترف بالفلسطيني وتسجله في ملفات اللجوء «بدون وطن».
المعاناة كثيرة ولا يمكن حصرها في سطور، لتبقى هذه الذكرى الأليمة السبب الأساسي في كل الأزمات التي لحقت وما زالت بالفلسطينيين الذين يصرون على ان يحولوا هذه الذكرى من يوم لتذكر الأحزان والأوجاع إلى يوم تبذل فيه كل الجهود لتحقيق حلم العودة إلى فلسطين.
«القدس العربي» التقت بعض الشخصيات الفلسطينية لتتعرف على تجاربهم وآرائهم في ذكرى النكبة.

على الشباب في المهجر عدم نسيان فلسطين

جعفر الراميني كاتب ومعلق سياسي فلسطيني مقيم في لندن تحدث لـ»القدس العربي» عن النكبة وما تحمله من ذكريات أليمة يعيش آثارها السلبية إلى يومنا هذا كل الشعب الفلسطيني يقول:
«ذكرى النكبة بالنسبة لكل فلسطيني بمثابة صلة الرحم. ففي كل سنة في هذا الوقت تعقد اجتماعات وتنشر بحوث ومقالات عن ما جرى وما زال يجري في فلسطين وللفلسطينيين أينما تواجدوا. لذلك منعت إسرائيل وتمنع إقامة احياء الذكرى فهم يريدون دفنها ودفن القضية».
ويضيف: «لابد لنا ان لا ننسى الحديث عن العودة فهي همزة الوصل التي تربط كل فلسطينيي الشتات بأرضهم وأهلهم وتاريخهم وهي حق مقدس لا يمكن التنازل عنه أو حتى البحث فيه».
ويذكر بعض النكبات التي تعرض لها الشعب الفلسطيني بعد احتلال فلسطين: «تعرض الشعب الفلسطيني في الداخل والشتات للكثير من النكبات وما زالوا، ما حصل لنا في الأردن عام 1970(الاشتباك بين قوات منظمة التحرير والجيش الأردني) ولبنان عام 1982 (حين قامت إسرائيل باجتياح لبنان ومحاولة القضاء على منظمة التحرير كقوه عسكرية وتواطؤ بعض الفئات اللبنانية والمذابح التي حصلت مثل صبرا وشاتيلا) والأردن أيضا سنة 1987 (فك الارتباط) حين أصبح الفلسطيني الأردني الجنسية بلا هوية أو تبعية، وفي الكويت سنة 1992 حين رحلت دولة الكويت ما يزيد عن 400000 فلسطيني بجرة قلم، ناهيك عن مآسي أهلنا في مخيمات الأردن وسوريا وخصوصا لبنان. كما قال الشاعر: فظلم ذوي القربى».
ويتابع: «بالنسبة لي كفلسطيني،الأحداث الشاغل منذ أكثر من خمسين عاما وحريص على وحدة الصف والوفاق وتحرير الأرض من النهر إلى البحر، أرى في مشروع أوسلو خيانة وتنازلا عن الحقوق والأرض بدون مقابل. إسرائيل والدول العربية والغربية وعدوا الفلسطينيين بدويلة، الدويلة (السلطة بلا سلطة كما اعترف الرئيس عباس) ووظيفتها القمع والتنازل تلو التنازل، كل هذا لا يشبع جشع الصهاينة فهم مستمرون في مشروعهم الأصلي سرقة الأرض والثروات وترحيل الفلسطينيين إلى دول الجوار».
ويرى الراميني ان الطامة الكبرى في ان السلطة والدول العربية ما زالوا لا يدركون مدى خطورة التعامل مع العدو الصهيوني، ومشروع إسرائيل الكبرى ما زال حيا وقائما وفاعلا ونحن نلاحق السراب.
ويقول: «ككاتب فلسطيني أعمل كل ما بوسعي وأكثر من أجل التوعية ودعم القضية، لا أنتمي إلى أي حزب أو قبيلة أو طائفة. أصلي وعرقي ومذهبي وديني وقبلتي فلسطين وإذا لم نتحد سنموت بسهولة. الأجيال الشابة أمامها صعوبات كثيرة أهمها الارتباط بالأرض والتراث والتفاعل بقدر الامكان حتى لا تندثر القضية ويضيع الحق. أذكر بن غوريون حينما قال «الكبار سيموتون والصغار سينسون» وأتمنى أن لا تتحول هذه المقولة إلى حقيقة وواقع مرير».

فلسطينيو 48 شوكة في خاصرة المحتل

وقال المحامي محمد ابو ريا من سخنين قضاء مدينة عكا، لـ»القدس العربي» عن الذكرى:
«النكبة الفلسطينية هي الكارثة التي حلت على فلسطين وشعبها باحتلال البلاد وهدم ما يقارب من 550 قرية وتهجير سكانها الأصليين إلى شتى بقاع العالم. وهي لم تكن ضربة عابرة وإنما نكبة متواصلة إلى يومنا هذا مع كل ما تحمله من آلام وآمال بالعودة إلى الوطن».
ويعتبر النكبة شملت كل أبناء شعب فلسطين، سواء الذين انتهى بهم الأمر إلى الشتات، أو البقية الباقية من الذين تشبثوا بتراب الآباء والأجداد، هؤلاء الذين بين ليلة وضحاها تحوّلوا إلى أقلية في وطنهم يواجهون الحكم العسكري الذي كان يعني الرعب والخوف من إمكانية النفي إلى خارج فلسطين للّحاق باقي الأهل في الشتات.
ويرى أبوريا أن النكبة شكلت كارثة إنسانية فرّقت شمل العائلات الصغيرة والكبيرة، واقتصادية بفقدان الفلسطينيين لأرضهم وممتلكاتهم ومصادر رزقهم، وسياسية تمثّلت بتعرُّض هويتهم الوطنية للاضمحلال والتبدد.
مشيرا إلى إن النكبة متواصلة ما دام الفلسطينيون لا يستطيعون تحقيق حلم العودة إلى بيوتهم وممتلكاتهم ووطنهم فلسطين والأنكى من كل ذلك تدفق اليهود إلى فلسطين، زد على ذلك حرب 1967 التي استكملت احتلال فلسطين بالكامل وانتشار الاستيطان في ربوع الضفة الغربية لقطع الطريق أمام إمكانية قيام كيان فلسطيني سياسي.
وأضاف قائلا: «إتفاقيات كامب ديفيد عمقت أثر النكبة التي هدفت وما زالت لتطبيع العقل العربي على قبول شرعية قيام كيان الأبرتهايد على حساب فلسطين وأهلها، حيث شكّلت اتفاقيات كامب ديفيد محطة فاصلة بقيت تتدحرج إلى أن أوصلت منظمة التحرير للاعتراف بحق كيان الأبرتهايد في الوجود مقابل الاعتراف بمنظمة التحرير وليس مقابل الاعتراف بحقوق الفلسطينيين، ولاحقا اتفاقيات أوسلو التي اختزلت الحق الفلسطيني على كامل فلسطين إلى مجرّد حكم ذاتي وقضية لاجئين وتعويض بعد أن كانت أبان انطلاقة الثورة قضية تحرر وطني، وهكذا استمر التدحرج والانهيار لتقبل سلطة أوسلو تحديد فلسطين بـ 20٪ ولم يتم تنفيذ ذلك، ولن يتم للأبد».
ويعتقد أبو ريا أن النكبة بلغت مراحل لم يحلم بها الفلسطينيون في أحلك أحلامهم، خاصة عندما أصبح الانقسام سيّد الموقف بين غزة ورام الله، وبين القاعدة الشعبية للشعب الفلسطيني من ناحية والقيادة السياسية، التي ترى بتنسيقها الأمني مـــع الاحتلال قمة الوطنية وأمرا مقدّسا، ما منح الاحتلال فرصة تعميق وتوسيع الاستيطان وتقسيم الضفة لكانتونات بالجدار الأمني الفاصل ومحاصرة القدس ضمن جيب فلسطيني محاصر وبالتالي نسف إمكانية قيام أي كيان فلسطيني في الـ 20 ٪ من فلسطين.
وعن فلسطينيي 48 وصمودهم في وجه محاولات الطرد والتهجير يقول: «نحن فلسطينيو 48 لم نعد بعد أيتاما على مآدب اللئام وإنما أصبحنا شعبا متكامل الأوصاف يتشبّث في وطنه ويعمل سياسيا لإسقاط الأبرتهايد ويتفاعل مع كل القضايا الوطنية الفلسطينية، وعلى رأسها تحقيق حلم العودة، وعدم اعتبار فلسطينيي الداخل جزءا منها، إذ يعتبروننا إسرائيليين، ونعتبر أنفسنا نضاليا فلسطينيين».
وأضاف: «لقد نجحنا داخل فلسطين التاريخية لعام 1948 باستعادة هويتنا الوطنية، حيث ترفرف أعلام فلسطين في كل مناسباتنا الوطنية، وننشد نشيد فلسطين الوطني في مستهل كل مناسبة ونعمل على مأسسة جماهيرنا في كل المجالات، ونقاوم سياسة مصادرة كيان الأبرتهايد لأرضنا، ولا نتنازل عن حقنا في التعليم والثقافة، حيث وصلت نسبة الأكاديميين عندنا لأعلى النسب في العالم العربي وربما العالم، هكذا وفقط هكذا نربي أجيالا جديدة على فهم معنى النكبة وتاريخ فلسطين».

تحويل «ذكرى النكبة» إلى «يوم العودة»

وقالت مريم محمد من «الحملة العالمية للعودة إلى فلسطين» ومقرها بيروت: «ان شعار الحملة في ذكرى النكبة «الانتفاضة جسر العودة» وان 15 أيار 2016 هو يوم العودة».
مشيرة إلى ان هذه الذكرى تشكل محطة رئيسية يُستحضر خلالها في كل عام أحداث سنة 1948 وما حصل فيها من مجازر وتهجير بحق أبناء الشعب الفلسطيني واحتلال أرضه، ما من شأنه ترسيخ هذه الذاكرة المجتمعية وإبقاء التمسك بحق العودة حاضرا في وعي الأجيال المتعاقبة خاصة تلك التي لم تشهد أحداثه.
وتضيف: «الذكرى هذه تجمَع الفلسطينيين أينما وجدوا، سواء في الداخل أو مخيمات اللجوء والشتات، وتقوي الارتباط بينهم وكذلك الانتماء إلى الأرض».
وعن تمسك الفلسطينيين بحق العودة خاصة من يعيش في الشتات تقول «لو استطاع المرء أن ينسى اسمه فيستطيع أن ينسى أرضه، وهذا محال. العودة حق طبيعي محفور في وجدان ملايين الفلسطينيين اللاجئين في الشتات أو حتى داخل فلسطين، إضافة إلى اعتراف الأمم المتحدة بهذا الحق للشعب الفلسطيني. وهو أيضا مرتبط بيقين أن هذه أرض مُحتلة وسوف تتحرر عاجلا أم آجلا. والتحرير مترافقا مع العودة سيبقى يلوح في الأفق طالما أن هنالك شبابا في داخل فلسطين في حالة مواجهة مستمرة مع الاحتلال، وهذا أمر واقع ولن يخمد».
ولا تتفق مريم محمد على تسمية كل ما حل بالشعب الفلسطيني «نكبات» موضحة ذلك بقولها: لا نتفق مع تسمية أي مأساة تعرض لها الشعب الفلسطيني (وهي قاسية وكثيرة) «نكبة» لأنها تقلل من قيمة الاحتلال والتهجير والمجازر التي تعرض لها من قبل المحتل الإسرائيلي. وكل مآسي الشعب الفلسطيني سببها الرئيسي نكبة 1948 وكل ما يتعرض له الآن هو نتيجة بقاء الاحتلال الإسرائيلي على أرضه. وبمقارنة بسيطة نستنتج أن النكبة هي أم المصائب كلها حيث هُجّر حوالي 800 ألف فلسطيني من أصل مليون و400 ألف عدد سكان فلسطين آنذاك.
وترى ان حالة الانقسام عمقت من حجم المعاناة: «من الطبيعي أن يكون هناك تعدد أحزاب وفصائل، ورؤى مختلفة لكن ما هو غير طبيعي الاختلاف، لذا كان لابد من التنسيق بين الأطراف المنقسمة في مواجهة عدو لا ينظر لنا كمختلفين بل نحن عدّو له ولا يعتبر أن لنا حق في الحياة والوجود».
وتحذر من الوضع اللا إنساني في مخيمات اللجوء مشيرة إلى ان الأونروا مسيطر عليها من قبل عدد من الدول المعروفة من الجميع، وتقدم خدمة جليلة للاحتلال بتقليص الخدمات لدفع الشباب للهجرة وتضييع وتمييع حق العودة، والاستهداف الممنهج للمخيمات دليل على ذلك، وهذا الأمر يحتم علينا أن نتحلى بوعي على مستوى هذه المرحلة الخطيرة التي تهدف لنسف حق العودة بشكل كامل من خلال هذه الممارسات.
وتتابع: «يبقى دور الشباب بالتعاون مع الجمعيات الأهلية ذات التوجه الوطني هو خشبة الخلاص، عن طريق التوعية ومحاولة خلق ظروف تساعد الشباب على التمسك بحقه الطبيعي بالعودة إلى أرضه، وبالتالي المحافظة على الانتماء للأرض الفلسطينية والتمسك بالحقوق».
مطالبة بالحفاظ على الذاكرة والتمسك بها، وإحياءها بكل الوسائل الممكنة، فهذه الذاكرة هي التي تجعل الإنسان الفلسطيني المولود في المخيم أو في أوروبا يحمل الانتماء نفسه لفلسطين كما لو أنه قد هُجّر للتو.

النكبة تلقي بظلالها على حياة الفلسطينيين

وجدان الربيعي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية