الحكم بالمقاولة

ربما لا يوجد تعريف للغباء أفضل مما قاله ألبرت أينشتاين أذكى علماء الفيزياء النووية، فالغباء هو أن نتوقع نتائج مختلفة مع تكرار الشيء نفسه، وقد نضيف أن تكرار الخطأ نفسه يؤدي إلى نتائج أفدح في السوء.
وأخطر ما يجري في مصر الآن هو «غباوة» السلطة، وفقر خيالها المدهش، وتدني مقدرتها على التصحيح الذاتي، وعودتها إلى الاغتراف من معين الأخطاء القاتلة ذاتها، ناسية أن تكرار ما كان في الاقتصاد والأمن والسياسة، لن يؤدي إلى شيء آخر غير مصير الذي كان، فقد خلع الشعب المصري رئيسين في أقل من سنتين ونصف السنة، وبدون أن يؤدي خلع الرأس إلى تغيير النظام، بسبب طبيعة الثورة التلقائــية بغير تنظيم قادر يسند ويغير، وهو ما أدى إلى مراوغات وارتباكات في طبيعة السلطة، فلم تصل الثورة إلى السلطة بطبائع الأحوال، وتغيرت وجوه الذين توالوا على مسرح السلطة، زالت الصفوف الأولى للسلطة القديمة، وآل القرار لعناصر من الصف الثالث إلى العاشر، وبكفاءة أقل، وبانزلاق أكبر إلى تقليد الكبار الذاهبين إلى السجن أو إلى العزلة، وكأن التقليد والاستعادة الحرفية للأخطاء ذاتها، كأن التكرار ينقذ «الشطار»، أو يجنبهم مصائر السجن والعزلة ذاتها.
ومع «عبقرية» الغباوة والتقليد والتكرار، تبدو المأساة أفدح مع بنية السلطة الحالية، وارتباكاتها التي لا تنتهى إلى حسم باتر، فثمة سلطة هي أقرب إلى «السَلَطة»، سلطة منشقة على نفسها، رئيس جديد يحكم بالنظام القديم نفسه، رئيس يرتكز على سلطة الجيش بمعناها الرمزي القوي في مصر، ويحقق إنجازات لا تنكر، تشرف عليها وتديرها هيئات الجيش، وتتم بسرعة وكفاءة وجودة منظورة، ويعمل بها إلى الآن ما يزيد على المليونين من المهندسين والفنيين والعمال المدنيين، وتكلفت إلى الآن ما يزيد عن التريليون جنيه مصرى بحساب الرئيس، لكن أغلب المصريين العاديين لا يكاد يشعر بآثارها الإيجابية الحالية، فأغلبها في خانة مشروعات البنية الأساسية الكبرى، التي لا تؤتي ثمارها إلا بعد حين وسنوات، فوق أنها بعيدة عن عين وقلب المواطن العادي، ربما باستثناء مصانع ومزارع «جهاز الخدمة الوطنية» التابع للقوات المسلحة، ومشروع القمح الرمزي الموحي في منطقة «الفرافرة» بالصحراء الغربية.
وربما لهذا السبب تتولد المفارقة، فالرئيس يشكو دائما من نقص الاعتراف العام بإنجازاته، وتعهد بتقديم كشف حساب مع اكتمال نصف مدته الرئاسية الأولى، ولا بأس بكشف الحساب، لكن الرئيس لا يلتفت أبدا إلى كشف السياسة، ولا إلى كونه صار رئيسا للبلد كلها، وليس ـ فقط ـ قائدا أعلى للقوات المسلحة، ويعيش الرجل في جلباب الجيش، ويفضل طريقة عمل الجيش، ويأتلف مع تنظيم الجيش وانضباطه المعروف، ويتصرف على طريقة مقاولات الإنجاز، لكنه لا يلتفت بما يكفي إلى ما هو أبعد من تنظيم الجيش، ويتناسى حتى لا نقول وصفا آخر، أن تنظيم المجتمع مختلف عن تنظيم الجيش، وأن فكرة «المقاولة» قد تفيد في كفاءة الإنجاز الإنشائي، لكنها لا تغني أبدا عن فكرة السياسة اللازمة لتنظيم الدولة وتنظيم المجتمع، وكلما ظهرت له مشكلات في الدولة أو في المجتمع، كان يكلف أجهزة الأمن بملء فراغ السياسة، وأن تتفاهم مع «جماعة البيزنس» لتأليف برلمان «سد خانة»، أو أن يكلف أجهزة أمن بإنشاء أحزاب «صوبة» رديفة للحكم، أو أن يعهد إليها بالتحكم في الصحافة، أو إنشاء سلاسل من الإذاعات والقنوات التلفزيونية، بدون «محتوى سياسي»، أو رسالة معينة يراد ترويجها.
وقد توحشت هذه الظاهرة الفارغة من المعنى، وتنافست فيها أجهزة أمن متعددة، وتوالت صراعاتها البينية المدمرة، فلم يعد جهاز أمن الدولة هو الوحيد «الشغال» في السياسة والإعلام، كما كان عليه الأمر أيام المخلــوع مبارك، بل اقتحمت الساحة أجهزة أخرى، ربما بإمكانات أوفر، ولكن بخبرات أقـــل، وبتعارضات في المصالح، وانقسامات في خطوط الوصل والفصل مع مليارديرات جماعة البيزنس، التي تملك بدورها ما تساوم به، فقد أنفقت بسخاء على شراء أحزاب وإذاعات وصحف وقنوات تلفزيونية، ونجحت في تشارك السيطرة مع جماعات الأمن على مشهد الدولة خارج الجيش، فقد سيطرت على «الميني برلمان» المنتخـــب من «ميــني شعب»، وقد فاز من فــــاز في البرلمان بعشـــرة في المئة لا غير من إجمالي الناخبين المســـجلـــين، ولا يبدو انصراف الشعــب مهماً عند جمــاعات الأمن ولا جماعة البيـــزنس، فالمـــهم ـ عندهـــم ـ أنه تمت المقاولة، وأنهم امتلكوا إطارا مؤثرا في عملية ترويض واحتواء قرارات الرئيس، وتوفير منبر لرأسمالية المحاسيب تنافس وتناهض به رأسمالية الجيش النامية.
وما جرى في البرلمان جرى مثله في تشكيل الحكومات، فقد كان مبارك يشكل حكومات رجال الأعمال، وتدهورت الحالة أكثر، وصارت الحكومة، ووزارات الاقتصاد بالذات، في حوزة «خدم» رجال الأعمال، ناهيك عن الفساد المتوحش في الجهاز الإداري للدولة، وغياب أي إجراء جاد أو شبه جاد لاستعادة الأموال المنهوبة، التي تبلغ قيمتها ـ بحسب الأرقام الرسمية ـ ما يناهز التريليون، أي الألف مليار جنيه، في مخالفات أراضي المجتمعات العمرانية والطرق الصحراوية وحدها، مع خضوع قرارات الحكم لسطوة النهابين، وقسوة قرارات رفع دعم الطاقة على أغلبية المصريين من الفقراء والطبقات الوسطى، وهو ما يثير غضبا شعبيا عارما، تزداد خطورته مع إغلاق سبل السياسة السلمية، وسيادة فكرة «المقاولة»، وتغول القمع، وعودة أجهزة الأمن للتمدد والتمطي في الفراغ المخيف.
وبالجملة، تبدو «دائرة الجيش»، وأدوارها المتزايدة، الشيء الوحيد المختلف عما كان عليه الوضع في أخريات زمن المخلوع مبارك، ويبدو الرئيس ساكنا في هذه الدائرة، ومعتمدا عليها بالأساس، فيما يظل مشهد السلطة الباقي كما كان عليه، وربما أسوأ مع أحوال الارتباك البادية، واشتعال السباق إلى حيازة الغنائم، وحرق الأرض تحت أقدام الرئيس، وحرق الاقتصاد بجنون مضاربات الدولار، وسعي «جماعة البيزنس» للتحكم في اختيارات الاقتصاد، وإلى حد الإعلان الرسمي المباشر عن عروض «رشاوى» لشراء جهاز الدولة، ومفاقمة ظواهر الاحتقان والظلم الاقتصادي والاجتماعي والسياسي، فيما لا يتقدم الرئيس لتصحيح الصورة، ولا لوقف الفوضى في كيان السلطة المملوكية المنقسمة على نفسها، وكلما لاح خطر اجتماعي أو سياسي شعبي، لجأ الرئيس إلى فكرة «المقاولة»، وترك الساحة نهبا لتقديرات وتصرفات أجهزة أمن غبية بطبعها، تلجأ بدورها إلى اجترار الخطايا القديمة، وارتداء جلباب «حبيب العادلي» خادم مبارك الأمني الشهير، وتكرار الغباوة ذاتها، في سياق مختلف، وفي أزمات توالت، لن يكون آخرها أزمة وزارة الداخلية مع نقابة الصحافيين المصريين، وهي أزمة تلخص المشهد كله، وليست مقصورة على جريمة اقتحام قوات الأمن لنقابة الصحافيين، وهي غير مسبوقة في التاريخ المصري، ولم يكن المقصود منها مجرد اعتقال مطلوبين، اعتصما في النقابة لساعات قليلة، ولا مجرد تنفيذ أمر ضبط وإحضار، بل بدا القصد ـ من قبل ومن بعد ـ ظاهرا، وهو الانتقام من المغزى التاريخي لنقابة الصحافيين، ومن الاحتجاجات على سلالمها التي دقت أعناقا وخلعت رؤساء، وأذلت مبارك والعادلي وزمرته، وجعلتهم لمن خلفهم آية تتلى، كان المقصود هو التحطيم المعنوي لقلعة الحرية التي يخشاها الطغاة، وهو ما ظهر في حرب وزارة الداخلية ضد الكتلة الغالبة من الصحافيين المصريين، التي اعتبرتها حربا مصيرية، ومعركة «تكسير عظام» للمتمردين الوطنيين، وقصفا لمبنى النقابة العريقة، التي تحولت إلى ملاذ لغضب الشعب المصري، فالقصة الأصلية في غضب الشعب من خلال نقابة الصحافيين، وليست ـ فقط ـ في غضبة الصحافيين من دوس كرامتهم وكرامة نقابتهم، وهو ما يفسر طبيعة الحملة الكبرى لتشويه الصحافيين، التي تجندت لها طاقات وملايين جماعة البيزنس، مع ملايين المصاريف السرية لجماعات الأمن، وانفسحت لها صحف وإذاعات وتلفزيونات رجال الأعمال، فيما انهمكت «جماعة الأمن» في إحياء وشد عصب العملاء والتابعين المعتمدين في البرلمان وأجهزة الإعلام، وتكليف «جماعة الأمن» بأداء أدوارها طبقا لمذكرة تعليمات جرى تسريبها بالقصد أو بالغفلة، ولم تخرج عن نصوصها أبدا دعاوى المتزعمين للحملة، ومن نوع «جبهة تصحيح المسار» وأشباهها، الذين احترقت أوراقهم قبل أن يجف حبرها، وارتطموا بصخرة انكشاف «الملاعيب» القديمة البائسة، وانكشاف أسماء «الفرع الصحافي» لكتائب «المواطنين الشرفاء» بالتعبير المصري الساخر الدارج، الذين أرادوا تقليد تكتيك حبيب العادلي المشهور في اختراق الأحزاب وتمزيقها، وتصوروا أن ما كان قد يصلح للإعادة والتكرار، وبهدف تمزيق نقابة الصحافيين هذه المرة، وهو ما انتهى إلى عكس المراد بالضبط، فقد يطمح وزير الداخلية الحالي إلى تكرار ما كان، وإلى استعادة «الغباوات» ذاتها، وارتداء جلباب حبيب العادلي مجددا، لكنه ـ ومن خلفه ـ ينسون شيئا غاية في البساطة، هو أن شعب حبيب العادلي «تعيش أنت».

٭ كاتب مصري

الحكم بالمقاولة

عبد الحليم قنديل

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية