جدل في المغرب حول قانون يجيز تشغيل الأطفال دون 18 سنة عمالا منزليين

الرباط ـ «القدس العربي»: انتفضت هيئات حقوقية ونقابات عمالية مغربية محتجة على قانون قدمه وزير التشغيل (العمل) يجيز تشغيل الأطفال المتراوحة أعمارهم ما بين 16 و18 سنة عمالا منزليين. فما إن صوتت لجنة القطاعات الاجتماعية في مجلس النواب المغربي عشية الاثنين الماضي على ذلك القانون، حتى ارتفعت مطالب بالتراجع عنه خلال الجلسة العامة المنتظرة للبرلمان، انسجاما مع مقتضيات الدستور المغربي ومراعاة لحقوق الطفولة.
وأوضحت مصادر صحافية أن نواب «التقدم والاشتراكية» (الحزب الذي ينتمي إليه وزير التشغيل (العمل) فضّلوا مُقاطعة اجتماع لجنة القطاعات الاجتماعية تفادياً للدخول في مواجهة مع «رفيقهم» الوزير عبد السلام الصديقي، بسبب بعض المواد التي تُجيز وتُحدد شروط العمل في المنازل، وتُجيز تشغيل الأطفال ما دون 18 سنة.
وأفاد موقع «»كيفاش» أن برلمانيي «التقدم والاشتراكية» كانوا من أشدٌ المدافعين عن رفع سن التشغيل في البيوت إلى 18 سنة عوضا عن 16 سنة، غير أن تشبث الوزير الصديقي بمضامين القانون ورفضه الاستجابة للتعديلات المقدمة، دفع نواب حزبه إلى مقاطعة أعمال اللجنة، رغم إعطاء الأمين العام للحزب، نبيل بنعبد الله، تعليماته بضرورة التصويت على القانون.
في خضم هذا الجدل، خرج أمين عام حزب التقدم والاشتراكية نبيل بنعبد الله الذي يتولى حقيبة «السكنى» في الحكومة، للإدلاء بتوضيح مصور بالفيديو في الموقع الإلكتروني للحزب، حيث أشار إلى أن حزبه كان يطمح إلى تحديد سن العمل في المنازل في 18 سنة، غير أنه لقي معارضة من بعض الأطراف داخل الأغلبية الحكومية وحتى داخل المعارضة التي انقلبت فيما بعد على موقفها المبدئي وصارت تتمسك بـ 18 سنة لأغراض «سياسوية».
وأوضح أن هذا القانون الذي استعاض مفردة «خادمات البيوت» (كما كان يطلق عليهن سابقا) بعبارة «عاملات منزليات وعمالا منزليين»، حمل مزايا ومكتسبات عدة ومن بينها اشتراط موافقة الوالدين على عمل البنت المتراوح عمرها ما بين 16 و18 سنة، وضرورة استفادة عمال البيوت من جميع حقوق العمل كالتأمين الصحي والضمان الاجتماعي والعطل الأسبوعية والسنوية ومنع الأعمال الشاقة.
وأضاف أن حزبه يقترح اعتماد فترة زمنية انتقالية حول تنظيم عمل العاملات والعاملات في البيوت بمن فيهن ما دون 18 سنة، لتفادي الفراغ الموجود وتجاوز الأوضاع الحالية التي يعاني منها العمال المنزليون والعاملات المنزليات والمتمثلة في الاستغلال والقهر والظلم والعنف وغيرها الممارسات المسكوت عنها في المجتمع. وأعرب بنعبد الله عن أمله في أن يلقى مقترح حزبه الاستجابة المرجوة خلال المناقشات التي ستجري في الجلسة العامة للبرلمان.
وكتبت صحيفة «آخر ساعة» (المقربة من حزب الأصالة والمعاصرة، المعارض) أن الحكومة فتحت الباب أمام عبودية القاصرين، فيما وصفت صحيفة «الأخبار» المستقلة القانون المشار إليه بكونه «نكسة حقوقية».
وتوالت ردود فعل هيئات من المجتمع المدني المغربي. وبهذا الخصوص، نقل موقع «رسالة24» عن «حركة اليقظة المواطنة» استنكارها الشديد لمضمون هذا القانون، وللتبريرات التي تحكمت في تمريره. وأوضح بلاغ «الحركة» أنه «إذا كان هذا القانون يعاكس جوهر الدستور المغربي الذي ينص على توفير الحماية الاجتماعية والقانونية والاعتبار الاجتماعي والمعنوي لجميع الأطفال بكيفية متساوية، بصرف النظر عن وضعيتهم العائلية، وإذا كان يتعارض مع منطوق ومقتضيات كل الصكوك والمواثيق الدولية ذات الصلة بحماية الأطفال، ويتعارض أيضا مع الالتزامات الدولية للمغرب في هذا المجال، ومع توجهات المنتظم الدولي والمجتمع الإنساني، فإن إخراجه يترجم المنحى الرجعي للحكومة والتي تسعى إلى شرعنة القوانين من منظور محافظ، كتبرير هذا القانون بالاستجابة لحاجة بعض العائلات لعمل أبنائها القادرين على الشغل، أو في غياب معيل للعائلة.
وأضافت الحركة في بلاغها: «إن التحايل على مشروع القانون بتغيير تسمية (خدم البيوت) بـ(العمال المنزليين) تحت ذريعة ملاءمته مع (العمل اللائق) لن يخفي الفهم القاصر للحكومة بتمريرها هذا القانون بمسوغات تكرس الفهم الحاط بالكرامة، والتمييز الاجتماعي بين أفراد المجتمع، وضرب مبدأ المساواة، والسلامة المعنوية، والاعتبار اللازم للأسرة والطفولة. ناهيك عن خرق مبادئ حقوق الطفل، وقواعد الحماية الاجتماعية بحرمان هذه الشريحة من حقوقها الأساسية في التعليم، والتربية، والتنشئة الأسرية والاجتماعية.
وحتى لو اشترط هذا القانون ترخيص أولياء أمر الأطفال ما بين 16 و 18 سنة، فإن هذا الاشتراط لا يعتبر حماية للأطفال، ولا مبررا قانونيا سليما لإضفاء الشرعية على هذا القانون الذي سينعش سوق الوساطة لتشغيل الطفلات القاصرات، ويشرعن ظاهرة لا يمكن بأي حال من الأحوال تقنينها باسم القانون.» بحسب بلاغ «الحركة» التي طالبت بـ»سحب هذا القانون لأنه يخرق الدستور المغربي، ويسيء لبلادنا ولمستقبل ناشئته.»
وجاء في موقع «لكم2» أن جمعيات نسائية مغربية عبّرت عن تنديدها بمصادقة لجنة القطاعات الاجتماعية في مجلس النواب على مشروع قانون «العمال المنزليين» مع الحفاظ على السن الأدنى لتشغيل الأطفال في 16 سنة، عوض 18 سنة الذي يعتبر سنا قانونيا للرشد، حسب قولها.
واتهم كل من «اتحاد العمل النسائي وفيدرالية رابطة حقوق النساء وجسور ملتقى النساء المغربية والجمعية المغربية لمناهضة العنف ضد النساء»، النواب البرلمانيين بعدم مراعاة المصلحة الفضلى للأطفال. واعتبرت أن إعطاء مبرر إعالة الأسر لتشغيل الأطفال يعدّ استعبادا لهم وتخليا واضحا للدولة عن مسؤوليتها في القضاء على الفقر والهشاشة، وتحميلها عبء ومآسي ذلك للطفلات والأطفال، منادية بتدارك «هذا المنزلق الخطير أثناء الجلسات العامة من طرف البرلمانيات والبرلمانيين الغيورين على حقوق الطفل بتصحيحه ورفع السن الأدنى للتشغيل إلى 18سنة» حسب بلاغها.
وقالت الجمعيات النسائية ذاتها، إنها تعبر عن استيائها من المنحى التراجعي التي تحذوه الحكومة في تمريرها لمشاريع قوانين منافية للدستور، في زمن قياسي، وعلى بعد أشهر من إجراء الانتخابات التشريعية، مما قد يرهن قضايا حيوية ومصالح الفئات الاجتماعية المختلفة في حسابات انتخابوية ضيقة عوض إعمال المصلحة الفضلى لتلك الفئات ويعطل التنمية الحقيقية للبلاد، حسب قولها .
وأعلنت الجمعيات النسائية، انها «لن تصمت أمام هذا التمادي الممنهج في ضرب الحقوق والحريات وكل ما تمت مراكمته من مكتسبات عبر مسارات طويلة»، مشيرة إلى انها ستتصدى له بالفضح والتعبئة بمختلف الأشكال المشروعة داعية القوى المعنية كافة إلى تكثيف الجهود من أجل وقف ما وصفته بـ»التراجعات».
وأورد موقع «لكم» بلاغ النقابة العمالية «المنظمة الديمقراطية للشغل» الذي عبرت فيه عن رفضها المطلق لقانون «العمال المنزليين»، موضحة أن هذا القانون الذي يسمح بتشغيل القاصرات قبل سن 18 سنة، يعتبر اعتداء واغتصابا تشريعيا للطفولة المغربية وانتهاكا صارخا لحقوقها الإنسانية الكونية.
واستنكر البلاغ مواصلة الحكومة تملصها من الوفاء بالتزاماتها الدولية القاضية بإعمال حقوق الطفل واحترام حقوق العاملات المنزليات والعمال المنزليين. وأضاف أن الحكومة المغربية تشرّع لاستمرار استغلال الطفلات كعاملات منزليات وانتهاك حقوق الطفولة المغربية والاتفاقيات حقوق الطفل الدولية التي صادق عليها المغرب.
وكشف محمد الصبار، الأمين العام للمجلس الوطني لحقوق الإنسان، أن مؤسسته تقدمت بتوصياتها بتحديد سن الشغل في 18 سنة، وليس 16 سنة التي تمت المصادقة عليها.
وأكد، في تصريح لجريدة «هسبريس» الإلكترونية، أن المجلس عندما طُلب منه تقديم رأيه، حدد سن الاشتغال في 18 سنة، مشيرا إلى أن قضية العمال المنزليين كانت مثار نقاش، «ونحن في القانون حددنا العديد من الضوابط التي تنظم العمال المنزليين، ومن بينها عدم القيام بالأعمال الخطيرة والشاقة».
وبمناسبة القانون الذي وُصف بـ «المجحف» في حق عاملات البيوت، كتب الشاعر والناشط الحقوقي صلاح الوديع نصا يجمع بين اللمسة الإبداعية والمضمون الإنساني والاجتماعي القوي، تحت عنوان «هل أنت إنسان يا ابنتي؟ حاشا لله»، وفي ما يلي النص الذي أوردته جريدة «الأحداث المغربية»:
اسمعي جيدا ما سينفعك يا ابنتي…
أن تزرورق يداك من البرد، لا يهم
أن تشيخ بشرتك بالصابون المعد لغسل الأواني وأنت بعد طفلة، لا يهم
أن يوضع لك كرسي، في حالات كثيرة، لكي تصل يداك إلى بزبوز الماء البارد، لا يهم
أن يوضع على رأسك منديل أبيض مهلهل يجمع خصلات شعرك درءا للفتنة النائمة في أسفل بطن مول الدار، لا يهم
أن تنامي بين أشياء المطبخ بعد يوم طويل من العمل، لا يهم
أن تقضي يومك بين «جيبي» و«آري» و«سيري» و«فينك» و«مالك ثقيلة» و«فين غبرتي»، لا يهم
أن تسمعي القهقهات المنبعثة من الصالون والسهرة قائمةٌ وأنت وحيدة منزوية في ركن قصيٍّ من المطبخ إلا من ذكريات طفولة مغصوبة، لا يهم
أن تتم إعارتك مثل الإماء والعبيد إلى الصديقة الجارة من أجل القيام بالأشغال المنزلية المرهقة، لا يهم
أن تخضعي في حالات كثيرة للتحرش من رب الاسرة أو غيره وتتحملي وزر الواقعة لأنك أنت من أيقظ الشبق في أسفل بطنه، لا يهم
أن تتنهدي حتى تنهد روحك من الكدر والغم لأن آفاق الأرض انسدت من حولك بلا رحمة، لا يهم
أن تأكلي من بقايا الموائد بعد أن تفضُل عن أصحاب الدار، لا يهم
أن تذهب حياتك هدرا بين الغسل والكي والمسح والطبخ والسخرة، لا يهم
أن تحرم عليك الفسحة والمطالعة والنوم وزيارة الأحباب والأصحاب، لا يهم
أن تحرَّم عليك دار الشباب والسينما والمكتبات والمنتزهات، لا يهم
أن تخدمي ربة البيت وهي تحضِّر أناقتها للخروج في أبهى ملابسها إلى العمل، لا يهم
أن تخدميها وهي تحضر نفسها للذهاب إلى السهرة وتنكفئي على نفسك بعد أن يخلو المنزل إلا منك ومن غصتك المريرة، لا يهم
أن تسترقي السمع للمفاوضات الجارية حول المقابل الشهري لعبوديتك، بين وليّ أمرك وبين مستعبديك، لا يهم
أن تعلمي أن أجرك الهزيل يحال على ولي أمرك بلا حتى انتباه إليك، لا يهم
كل هذا لا يهم. ولماذا سوف يهمنا هذا يا ابنتي؟ هل أنت إنسان؟ حاشا لله.
ما يهم هو الموقع اليوم. ما يهم هو الاستمرار في اللعب بمرجعيتهم «الإسلامية» التي «كرمت» الإنسان «تكريما»…
عاش القانون. عاش البرلمان. عاش التصويت. عاش «الإسلام» المعد للاستعمال حسَب الحالات والطلب…

جدل في المغرب حول قانون يجيز تشغيل الأطفال دون 18 سنة عمالا منزليين
الصحف وجهات حقوقية: يشكل نكسة حقوقية والحكومة فتحت الباب أمام ‏«عبودية القاصرين»
الطاهر الطويل

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية