حرب الايام الستة.. الحرب التي لم تنته

حجم الخط
0

تكون قد مرت اليوم 46 سنة على انتهاء حرب الايام الستة. ولا يوجد في تاريخ الشعوب أمثلة كثيرة على تأثير جد حاسم وحاد كتأثير تلك الايام الستة في دولة اسرائيل، ولا سيما اليوم السابع من الحرب وهو أطول يوم وقد استمر الى ايامنا هذه.
لم تكن تلك الحرب حدثا عسكريا، بل كانت وما زالت حدثا ثقافيا. فقد انتهت بمجموعات صور نصر وأناشيد نصر وأغاني نصر وأفلام نصر، وغُلفت بمعنى ديني هو بدء الخلاص، وحركت مسيرة مسيحانية، وعرّفت من جديد بصيغة اسرائيلية مميزة التقسيم بين يمين ويسار. واستحثت شعورا فلسطينيا عند العرب من مواطني اسرائيل، وبدأ جدل قوي وشجار دام حقيقي يتناول قدسية الانسان أو قدسية الارض. والحكمة السياسية أو الحقوق التاريخية، أيهما أسبق وأهم، أمساحة الدولة أم مضمونها ومحتواها.
إن ميزانية الامن التي كانت تراوح الى وقت الحرب بين 6 في المئة الى 10 في المئة من الميزانية العامة ارتفعت بعدها جدا وبلغت الى 14 17 في المئة من الميزانية العامة.
واستخرجت الحرب من يهود الجاليات الهتاف وصيحات الابتهاج. وقد هتف لها يهود الغرب لكنهم لم يهاجروا الى اسرائيل. وغيّرت الصهيونية الدينية التي كانت تيارا سياسيا معتدلا جلدها ووقفت على حرف المنحدر. وعارض حاييم موشيه شبيرا الذي كان آنذاك زعيم الحزب الديني القومي الخروج الى الحرب، وتوسل من اجل الاصغاء الى اصدقائنا في العالم. أما وارثوه فاستخفوا به وبالأغيار وأنشدوا بصوت جهير: ‘ليس لنا من نتكل عليه سوى أبينا الذي في السماء’. وأنشدوا: ‘كل العالم بأجمعه جسر ضيق جدا والشيء الأساس هو عدم الخوف البتة’.
ونشرت بعد الحرب ايضا كتب فكاهات، ولست أعرف كم من الحروب في التاريخ، من حروب اليونان القديمة الى الحرب الاهلية في سورية، حظيت بكتب فكاهات، وهذه علامة على الغرور وفقدان ما بقي من التواضع. وكانت فكاهات ربطت القوة العسكرية بالدين مثل: لماذا استمرت الحرب ستة ايام فقط؟ لأن الحاخامية العسكرية أمرت الجيش الاسرائيلي بالوصول الى قناة السويس قبل دخول السبت.
إن المؤرخين القدماء والجدد مختلفون بينهم في مسألة أكانت اسرائيل آنذاك مُعرضة لخطر وجودي، أكانت الخطابة العربية تقصد ما تقول أم كانت حديث فانتازيا وتعبيرا كلاميا فارغا عن حلم ضئيل. وقد تنبأت وسائل الاعلام الرسمية في الدول المجاورة وقالت في تبجح: ‘سنمحو اسرائيل’ و’سنمحو العار’. و’الرجال للبحر والنساء لنا’. فهل كان ذلك اسلوب كلام أم سعيا الى التنفيذ؟ وخافت اسرائيل آنذاك خوفا قاتلا.
ومع مرور السنين اضطر ساسة مركزيون من الاحزاب المركزية الى الاعتراف بحقيقة انه يجب اعادة العجلة المناطقية والسكانية الى الوراء. ولطمهم الواقع المحلي والعالمي على وجوههم. لقد أدركوا انه يجب حل هذه العقدة، منهم موشيه ديان وشيمعون بيرس واسحق رابين وعيزر وايزمن وارييل شارون وايهود اولمرت وتسيبي ليفني ودافيد ليفي وروني ميلو ودان مريدور وآخرون، لكنهم حينما بدأوا يفكرون تفكيرا يساريا شيئا ما، اتجهت الأيدي الى اليمين بصورة قوية فكان الوعي في جهة والفعل في جهة اخرى.
وتدفقت الموارد والمال والطاقات الى المناطق وما زالت تتدفق الى هناك. وابتعد النقب والجليل والأحياء الفقيرة عن القلب وعن الميزانية العامة. فان بئر السبع وحيفا تُعاملان اليوم معاملة الأطراف. أما ارييل وعمانوئيل وشلوميئيل كما قال رابين بلغة وخازة فهي المركز. يسكن في جنوب البلاد في نصف مساحة الدولة تقريبا نحو من 10 في المئة من السكان.
ينتمي رئيس الوزراء نتنياهو الى المستيقظين. وهو يقول اضمنوا لي ترتيبات امنية وسأبالغ في السير. بيد أن هذه الثقة المتملصة تعبر عن المفارقة المنطقية المستمرة، وهي أنه من اجل تأمين دولة قومية ديمقراطية نتخلى عن دولة قومية ديمقراطية.

اسرائيل اليوم 12/6/2013

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية