لولا صحيفة «لوفيغارو» اليمينية الفرنسية (عدد 9 أيار/مايو الجاري)، لبقي الخبر التالي حبيس السرية التي أرادها له أصحابه دهراً كاملا: اتفاقية قضائية بين الجزائر وباريس تلزم كل طرف بإبلاغ الآخر بالدعاوى القضائية المرفوعة ضد مواطنيه في البلد الآخر.
يعني أن الجزائر تُبلِغ فرنسا بالدعاوى المرفوعة ضد مواطنيها فوق الأراضي الجزائرية، وفرنسا تُبلِغ الجزائر بالدعاوى المرفوعة أمام محاكمها ضد مواطنين جزائريين.
دعونا نتفق على بعض التفاصيل المهمة: سيكون من الغباء الاعتقاد أن الاتفاقية ستكون ذات اتجاهين، أو أنها موجهة لمصلحة الشعبين، أو أنها موجهة لي ولك أيها الجزائري المسكين.
واقع الحال أن فرنسا غير معنية بهذه الاتفاقية إطلاقا، لأنه في حال رفع دعاوى ضد فرنسي، في الجزائر أو في غيرها، تتحرك المصالح القنصلية تلقائيا وتقدم للمعني ما يحتاج من مساعدة ومشورة، وذلك في صلب دورها وأحد أسباب وجودها. في المقابل، المواطن الجزائري العادي غير معني بهذه الاتفاقية لأنه آخر همّ واهتمام سفارات وقنصليات بلاده في الخارج، مهما كان وضعه: لا هو ينتظر منها خيرا ولا هي تسأل عنه.
بقيَ المسؤولون الجزائريون وذووهم، والذين تبدو الاتفاقية قد صُمِّمت على مقاسهم في زمن العدالة العابرة للقارات والمفاجآت القضائية غير السارّة.
عندما رأت فرنسا، مستندة إلى سوابق، أنها لن تستطيع منع دعوى قضائية أو ضمان نهايتها، اهتدت إلى هذه الاتفاقية التي تمنح اللصوص والمجرمين فرصة الهرب والافلات من العدالة والتخلص من الشبهات.
كانت الاتفاقية إحدى هدايا فرنسا للقادة الجزائريين خلال زيارة رئيس وزرائها مانويل فالز إلى الجزائر في الأسبوع الثاني من الشهر الماضي.. تلك الزيارة التي تبعتها صورة له مع الرئيس بوتفليقة في حالة صحية مثيرة للشفقة والإحباط، والتي قال المسؤولون الجزائريون إن فالز وزعها لأنه لم يحصل من بوتفليقة على الصفقات التجارية التي كان يأملها (كأن بوتفليقة في كامل وعيه وقدراته ليمنح أو يمنع)!
كل تلك الهالة الإعلامية التي أحاطت زيارة فالز والحبر الذي سال في وصف «أهميتها التاريخية» أصابها العمى.. اهتمت بكل شيء إلا الاتفاقية.
نفهم بسهولة أن تخفي الجزائر خبر توقيع الاتفاقية، لكن ما مصلحة فرنسا في إخفائها لولا الخبث الذي يرقى إلى درجة التواطؤ؟
تورد «لوفيغارو» أن السلطات الجزائرية ضغطت بشدة في الشهور الأخيرة من أجل التوصل إلى هذه الاتفاقية أسوة بنظيرتها المغربية التي نجحت في افتكاك اتفاقية مماثلة مع باريس منتصف العام الماضي.
الرباط فرضت الاتفاقية على باريس على ضوء قضية مدير مخابراتها ياسين المنصوري إثر مضايقات شديدة تعرض لها في أحد مطارات باريس وكاد يُسجن في دعوى تعذيب واستغلال نفوذ. لكن السلطات الجزائرية لم تسعَ لأي اتفاقية عندما كاد وزير دفاعها المتقاعد خالد نزار أن يُسجن بباريس لو لم يُهرَّب في جنح الظلام، إثر دعوى مماثلة بداية العقد الماضي. تذكرت الجزائر الحاجة إلى هذه الاتفاقية واكتشفت أهميتها بعد ان انتزعتها الرباط.
تنقل «لوفيغارو» عن مصدر دبلوماسي فرنسي وآخر قضائي القول إن الاتفاقية لا تعني أي شكل من أشكال الحصانة، وان الأمر يتعلق بإخطار سلطات البلد، لا أكثر.
هذا النوع من الدفاع عن النفس يورط أصحابه أكثر، لأن مضمون الاتفاقية يلغي أي حاجة لحصانة كان من شأنها أن تصطدم بعراقيل قضائية وقانونية ودبلوماسية، وتثير الكثير من الجدل.
صحيح أن الاتفاقية تساوي المسؤولين الجزائريين مع نظرائهم المغاربة في عيون باريس، وهذا العناد، الذي يشبه عناد الضرائر، هو أحد أسباب إصرار الجزائر على الاتفاقية. لكن الأصح أن هناك سببا آخر في تمسك السلطات الجزائرية بالاتفاقية، هو الفساد المستشري في الجزائر بشكل غير مسبوق منذ تولي الرئيس بوتفليقة الحكم في 1999.
الصناعة الأكثر ازدهارا في عهد بوتفليقة هي صناعة اللصوصية ونهب المال العام. وقد ترتب عن ذلك طبقة جديدة من الأثرياء الجدد يعيشون كالطفيليات داخل السلطة ومن حولها. والنتيجة أن بنوك الجزائر ومنظومتها المالية العقيمة أعجز عن أن تستوعب أموال مصاصي دماء الجزائريين من رجال السلطة الجزائرية ورموزها وذويهم. ذلك يضطرهم إلى تهريب أموالهم المنهوبة والمكتسبة بطرق غير مشروعة، إلى الخارج، وإلى فرنسا بالخصوص لأنها موطنهم الآخر والأكثر أمنا لهم.
في فرنسا يستثمر هؤلاء في العقارات ويمتلكون الحسابات المصرفية، ويديرون أعمالا بعيدة عن الشبهات.
لكن الثراء لا يجعل صاحبه بالضرورة أقوى امام الحق والعدل، بل العكس. أغلب مصاصي الدماء هؤلاء يخشون القانون ويرتعدون من مواجهة العدالة لأن اموالهم ومصادرها تجعلهم في وضعية صعبة أمام المحاكم عند أول دعوى قضائية تُرفع ضدهم.
غير أنهم اليوم في مأمن لأن الاتفاقية السرية بين الحكومتين توفر لهم مساحة من الأمان وتمهلهم الوقت المطلوب لأخذ الاحتياطات اللازمة عند أي طارئ قضائي.
لا يسع المرء إلا أن يقول هنيئا لنظام الحكم الجزائري هذا النصر لأن لا دولة في العالم تجرؤ على أن توفر لرجاله مثل هذه الحماية وقد فاحت رائحة الفساد منه في كل مكان، وبات بعض رموزه مطلوبين دوليا.
هنيئا للطفيليات ولمصّاصي دماء الجزائريين. لا حاجة لهم بعد اليوم بلكسمبرغ أو بنما أو سويسرا لتخزين أموالهم المنهوبة، فرنسا تفتح لهم ذراعيها وتوفر لهم الأمان الذي طالما افتقدوه.
ثم يفتعلون الأزمات معها ويشتمونها في العلن ويلعبون أمام شعبهم دور الأبطال في مسرحية التهديد بقانون تجريم الاستعمار.
٭ كاتب صحافي جزائري
توفيق رباحي