كل شيء كان واضحا ومعروفا. العرب مقابل اليهود. اليسار مقابل اليمين. من مستعد للتنازل عن الارض مقابل رهان السلام ومن مع الاستيطان في يهودا والسامرة. سياسة اراء قطبية حول السلام والامن. لكن من تربى في اسرائيل 2016 لن يفهم السياسة في حينه، وربما بعد سنوات قليلة لن يفهم ايضا السياسة اليوم.
السنة الاولى لقيام الحكومة الحالية تتميز بالصراعات التي تسجل خطا فصلا غامضا. ليس الارض مقابل السلام والحروب بعد اليوم، بل الجمال مقابل الشخصية، والعكس. الجدالات حول العرب الذين يتدفقون بالباصات (نتنياهو يقول، بينيت يشجب) الفصل في أقسام الولادات (بينيت يشجب، نتنياهو يصمت) هجمات على رئيس الاركان ونائب رئيس الاركان (يعلون يساند، نتنياهو يساند ويتراجع حين يشجب بينيت)، ومقابل كل هذا اليسار، الذي اصبح غير مؤثر، يبحث عن طريقه ويختار من يؤيد في داخل الحكومة التي خلف الجبل.
السؤال ما الذي يميز اليمين واليسار في اسرائيل 2016 يصبح اقل فاقل وضوحا كلما تصارعوا على طبيعة الجيش الاسرائيلي، طهارة السلاح ومهام الضابطية العليا. احد لا يجادل حول مبادرة السلام الفرنسية. ليس ثمة من يؤمن بانه سيخرج منها شيء. لم يعد من يتعهد بان يحقق الاتفاق. واضافة إلى ذلك، منذ صفقة الغاز لا توجد ايضا جدالات كبرى عن الاقتصاد او عن المساعدة الثالثة. فالهوة المفتوحة التي يجري الحديث حولها بسرور هي هوة اللغويين. تعابير مع وضد.
ظاهرا حصل التشوش منذ زمن بعيد. نتنياهو زعيم معسكر اليمين هو ايضا الذي يتحدث عن الدولتين للشعبين في المحافل الدولية، الرجل الذي يحافظ على السيطرة الاردنية في الحرم بكل قوته، الوحيد الذي جمد البناء في السنوات الاخيرة باعلان وبغير اعلان وحمامة بيضاء في كل ما يتعلق بالحرب ـ من إيران وحتى غزة. من النووي وحتى الجرف الصامد. ومقابله، هرتسوغ يتحدث عن اختفاء رؤيا الدولتين للشعبين. وفي الوسط يفضلون إلا يتحدثوا.
عمليا، لم يغير التذبذب الايديولوجي شيئا لاحد ـ فالتصويت كان حسب المشاعر، وهذا ايضا هو الموقف من المسائل الاجتماعية الان، يكفي مراجعة النقاش على طهارة السلاح في الجيش الاسرائيلي وخطاب وزير الدفاع أول امس. قرأت بعناية أقوال اللواء غولان قبل عقد وخطاب وزير الدفاع قبل يومين. لم يكن في أي منهما شيئا لم أعرفه. فقد تحدث غولان عن معضلة القتال ضد الإرهاب والمخاطرة بقواتنا، ولم يكن في هذا جديد ـ فالجيش الاسرائيلي يفعل كل ما هو ممكن كي يمتنع عن المخاطرة بالجنود، ولكن احيانا لا يكون مفر. لا يمكن استخدام كل ما هو موجود، لان الإرهاب يعيش عن قصد في داخل السكان المدنيين. نحن لسنا الجيش الاول الذي يكتشف هذا. اليمين الذي اعرفه ليس ضد طهارة السلاح، بينما اليسار ليس هو المسؤول عنها.
هكذا ايضا في خطاب يعلون، والذي تحدث فيه عن أن يعبر الضباط بحرية وبلا خوف. هذا القول يمكن أن نجده في كل دروس حرب يوم الغفران.
ففي اسرائيل الجيش ليس فقط يقاتل ـ فهو يهود، يربي الشبيبة في الضائقة ويرشد رحلات العائلات. مسموح له ان يتحدث في كل مكان، ولكن فقط في شؤون الجيش ـ وقيم القتال بالتأكيد تستجيب لهذا التعريف. رغم كل شيء، فباستثناء قول غولان الاشكالي عشية يوم الكارثة، لا يوجد اليوم خطاب سياسي متحدٍ من ضباط كبار، خلافا لعهود رئيس الاركان ايهود باراك («اتفاقات اوسلو مثقبة كالجبنة السويسرية») او رئيس الاركان يعلون («فك الاتفاق سيكون ريح اسناد للإرهاب»).
في زمن آخر كان يمكن التفكير بان احزاب الوسط ستشكل بديلا وستحاول قول شيء ما موازن، غير أنها اطلقت صوتا هامسا: لبيد غرد بشيء ما، وكحلون الذي قفز بسرعة الذروة على تعبير بريء من اجل المزارعين اطلقته رعيا شتراوس (المتبرعة المتفانية للمنظمات الاجتماعية) صمت صمتا مطبقا. لا يوجد انشغال برئيس الاركان، بنائبه، بالتصريحات وبشكل عام بالرسائل التي خارج مواضيع السكن، البنوك واصلاح يوم احد واحد في الشهر. في المكان الذي لا توجد فيه مبادىء، ماذا تبقى؟ تحديد خطوط ايديولوجية جديدة، كل واحد لنفسه. لم يعد النزاع مع الفلسطينيين هو الذي يملي علينا السياسة.
يديعوت 17/5/2016