هل سرق نزار قباني أشعار الفرنسي جاك بريفير؟

حجم الخط
2

هذا المقال موصول بدراسة مقارنة للباحثة باللغة الفرنسية ماجدة إبراهيم تحت عنوان هل سرق نزار قباني جاك بريفير؟ وفي المقدمة الموسومة لهذه الدراسة المقارنة اكتفت الباحثة بإثبات قصيدة نزار قباني في أصلها العربي، ثم قامت بتعجيمها للفرنسية، ولم تعمد المقابل إلى تقديم نص قصيدة جاك بريفر بحكم أنها في الأصل بالفرنسية، وأن العودة إليها متاحة عبر فصول الدراسة اللاحقة.
أما في مقالي هذا الذي ركزت فيه على ترجمة مقدمة الدراسة فقد آثرت تثبيت القصيدين الأول بأصله العربي والثاني قمت بترجمته، لكي أضع بين يدي القارئ فرصة سانحة لاستنفار حدوس القراءة وتعبئة الحواس القارئة، ولأجل استثمار أرحب لرهانات القياس والمقارنة.
قصيدة نزار «مع جريدة» بأصلها العربي: «أخرج من معطفه جريدة، وعلبة الثقاب، ودونما اهتمام، تناول السكر من أمامي، ذوبني في الفنجان، ذوبني قطعتين، وبعد لحظتين، ودون أن يراني، ويعرف الخوف الذي اعتراني، تناول المعطف من أمامي، وغاب في الزحام، مخلفا وراءه الجريدة، وحيدة، مثلي أنا وحيدة».
قصيدة بريفير «غذاء الصباح مترجمة: «وضع القهوة، في الفنجان، ووضع الحليب، في فنجان القهوة، ووضع السكر، في القهوة بالحليب، وبالملعقة الصغيرة، حرّكها، وشرب القهوة بالحليب، ووضع الفنجان، دون أن يحدثني، وأشعل سيجارة، وجعل دوائر من دخان، ووضع الدخان في المدخنة، ودون أن يحدثني، وضع قبعته على رأسه ووضع معطفه الشتوي، لأن السماء كانت ماطرة، ثم راح دونما كلمة، ودون أن يرنو إلي، وأنا أخذت رأسي بين يدي، وبكيت».
مقدمة الدراسة: لقد أثارت العلاقة بين القصيد العربي «مع جريدة» من مجموعة قصائد 1956 للشاعر السوري نزار قباني وبين قصيد «غذاء الصباح» من ديوان كلمات للشاعر الفرنسي جاك بريفير، مناقشات حادة في العالم الأدبي العربي، جراء التشابه الكبير الملاحظ بين القصيدين. وقد تجاوز هذا الأثر المستنبط مداه لما ألصق بعض نقاد الشعر العربي تهمة السرقة لنزار قباني، وعلى رأسهم محمد غنيمي هلال في كتابه «دراسات ونماذج في حركات الشعر ونقده»، حيث ذهب إلى اعتبار قصيدة قباني نسخة من قصيدة بريفير مستحضرة في نظم عربي، مما يلقي باللائمة على هذا التقليد بأنه وضيع ومغيب للأصالة، وليس له قوة تأثيرية حميدة. ومن بين هذه النقود أيضا نقد اللبناني جهاد فاضل الموصول بجريدة «عكاظ» السعودية والذي يعدّ الأكثر إيلاما. وكلا الناقدين كانا في الواقع سمعا هذا القصيد للقباني يغنى بصوت اللبنانية ماجدة الرومي على موسيقى الملحن المصري جمال سلامة. وقد اتهمت «عكاظ» صراحة نزار بالسرقة في عددها تحت رقم 10932 المؤرخ في 18 حزيران/يونيو 1996 وناداه جهاد فاضل بالمغير في مقاله «غارة ضد جاك بريفير» المنشور في 16 آب/أغسطس 1996 في المجلة اللبنانية الحوادث». فالعنوانان بحسبه هما ذاتهما. وقد ذهب هذا النقد الموسوم على سبيل المزايدة إلى حدّ اتهام القباني بالمضي أبعد من مجرد علاقة التأثير إلى الترجمة البسيطة، ومن غير إحالة إلى الأصول والاكتفاء في استهلال الترجمة بإهداء إلى الشاعر الأصلي صاحب النص المرسَل. وقد لُخصت ملامح هذه التهمة الموسومة بالسرقة في النهاية تحت مسميات الابتذال والضعف والعبث. واستُأنفت في ما بعد وفي الأجواء نفسها في مقال لكاتب مغمور نشر بتاريخ 26 أغسطس في إحدى مواقع الإنترنت تحت عنوان «نزار قباني يسرق قصائده من شاعر فرنسي». أما في جانب المدافعين فإننا نستشهد بمقال نشر في جريدة «الشرق الأوسط» اللندنية عدد 17ايلول/سبتمبر 2000 رقم 7964، يدافع فيه كاتبه عن نزار ضد تحامل جهاد فاضل وغلوائه النقدية تحت عنوان: «نقد القبر لا نقد الشعر». فقد لام صاحب المقال جهاد فاضل على ذاتيته النقدية وعلى إدراج علاقاته الشخصية ومواقفه الذاتية في قضايا أدبية لا يمكن أن نحكم عليها إلا بما يملي الموضوعية والسموّ والحياد. وإن اتهامه بالعداء للعروبة من طرف جهاد فاضل هو مثال معطى لما يتسم به هذا المقال من المبالغة في الذاتية النقدية.
ويمكن أن نستشهد أيضا في صف المدافعين بالكاتب المصري محمد زكريا عناني الذي كشف في كتابه «نحن وآداب العالم» 1993 عن توحد الهوية بين القصيدين على مستوى الموضوع على شكل سيناريو يهتم بالتفاصيل وترسيخ الفضاء الزمكاني وفي تعبيره ضمن لغة اليومي. ولكن من غير أحكام مسبقة نجده يثمن (بدون أن يطور للأسف مسار التحليل( وجهة النظر المقارنة في مقاربة القصيدين، وبالتالي يكون قد أزاح عن الشاعر السوري تهمة السرقة.

٭ كاتب مغربي

هل سرق نزار قباني أشعار الفرنسي جاك بريفير؟

ترجمة وتقديم: عبد السلام ناس عبد الكريم

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية