واشنطن ـ من عماد عبد الرازق: واحد من أفضل الأفلام التي ظهرت في العام الحالي حتى الآن. يجمع فيلم «مجرم Criminal» للمخرج آريل فرومون بين خصائص الدراما البوليسية وأفلام الإثارة والمغامرات (الأكشن)، مع قليل من الرومانسية الدامعة، فيما تعتمد الفكرة الأساسية للفيلم على فرضية تنتمي للخيال العلمي (غير بعيد المنال في المستقبل القريب)، وهو ما يميزه حقا عن هذا الجنس السينمائي، خاصة تلك الأفلام التي تدور في عالم أجهزة المخابرات وحروبها العابرة للقارات، سواء بين بعضها بعضا أو ذلك الذي تخوضه ضد أقطاب الإرهاب والجريمة المنظمة على مستوى العالم. هذا الفيلم يجمع بين كل هذه الأبعاد من خلال صراع متعدد الأطراف في إيقاع متسارع حابس للأنفاس يصعب التنبؤ بنتائجه حتى اللحظات الأخيرة، فهذا ليس فيلما لضعاف القلوب، خاصة أنه يحوي مشاهد عنف دموية ثقيلة الوطأة.
الحكاية تبدأ بتلقي ضابط وكالة الاستخبارات الأمريكية (CIA) في العاصمة البريطانية لندن، (حيث تدور أحداث الفيلم) «بيل بوب» (رايان رينولدز) اتصالا من أحد قراصنة الكومبيوتر «يان ستروب» (مايكل بيت)، يعرف باسم «دتشمان DUTCHMAN» أو الهولندي، يخبره أنه تمكن من اختراق أجهزة كومبيوتر وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون) والاستيلاء على الشفرات السرية الخاصة بأحدث وأخطر أنظمة الأسلحة، بما فيها الصواريخ المحملة برؤوس نووية، وذلك بتكليف من «خافيير هيمدال» (جوردي مولا) رجل الأعمال الثري الذي تحول إلى إرهابي يسعى إلى إسقاط حكومات الدول الكبرى والاستيلاء على العالم ويديره وفقا لأيديولوجية مثالية خرقاء. يعرض «دتشمان» على «بيل» تسليمه الملف بكامله محملا على «فلاش» كومبيوتر، مقابل عشرة ملايين دولار، وجواز سفر وحق اللجوء السياسي، بما يضمن له عدم ملاحقة «خافيير» وعصابته. يوافق «بيل» وينقل «دتشمان» إلى مكان آمن بالتنسيق مع رؤسائه، ولكن قبل إتمام الصفقة وتسلم «الفلاش» وتسليم الأموال، تختطف عصابة «خافيير» ضابط المخابرات وتعذبه حتى الموت.
بموت «بيل» تدفن معه أسرار الصفقة: المكان الآمن الذي نقل إليه «دتشمان» ومكان الأموال التي كان سيدفعها له مع جواز السفر. أما «دتشمان» نفسه الذي لايزال « الفلاش» في حوزته، فهو لا يعرف أن «بيل» قتل على يد أعوان «خافيير»، ويظن خاطئا أن الصفقة فشلت وأن «بيل» تخلى عنه، ولكنه يفاجأ بموته حين يتصل به في منزله فتخبره زوجته «جيل» (غال جادوت) بموته. وهنا يقرر أن يعرض خدماته على المخابرات الروسية التي تتلهف لامتلاك مثل هذا الكنز من الشيفرات السرية.
هنا يبدأ سباق محموم بين ثلاثة أطراف للوصول إلى «دتشمان»: المخابرات الأمريكية، والروسية، وعصابة «خافيير»، ولا أحد منهم يعرف مكانه، فهو وحده بوسعه الاتصال بهم. هنا يقرر ضابط المخابرات الأمريكية «كويكر ويلز» (غاري أولدمان) رئيس «بيل» الذي كان يشرف على العملية اللجوء إلى حل جهنمي لمعرفة أسرار الصفقة التي دفنت مع «بيل»، فيستعين بجراح المخ الفذ «د.
فرانكس» (تومي لي جونز) الذي يجري أبحاثا منذ 18 سنة على عمليات زراعة المخ، الذي يوافق على إجراء جراحة فريدة من نوعها لزراعة الجزء الخاص بالذاكرة من مخ «بيل» في مخ شخص آخر، على أمل أن يتمكن هذا الشخص الآخر من استدعاء المعلومات الخاصة بالصفقة. يشترط «فرانكس» أن يكون «فأر التجارب» هذا الذي سيخضع للجراحة مجرما خطيرا يدعى «جيركو ستيوارت» (كيفن كوستنر) الذي ينتظر تنفيذ حكم الإعدام فيه. أما سبب اختياره فيعود إلى أنه تعرض في طفولته لخبرات عقلية صادمة ومؤلمة أدت إلى تعطل نمو الفص الجبهي من مخه الذي يتحكم في المشاعر والانفعالات، فصار شخصا عنيفا ومندفعا بدرجة وحشية.
ويحرص الفيلم على إبراز هذه التفاصيل الخاصة بحالة «جيريكو» على لسان الطبيب لصلتها الوثيقة بسؤال الفيلم المحوري الذي سنأتي عليه لاحقا. لذلك يعتقد د. «فرانكس» أن بوسعه زراعة جزء من مخ «بيل» في ذلك الجزء المتعثر من مخ «جيركو». التجربة محفوفة بالمخاطر ونجاحها غير مضمون، وبالفعل حين يتعرض المريض لنزيف داخلي أثناء الجراحة يحاول «فرانكس» إيقافها، لكن ضابط المخابرات «كويكر» الموجود في غرفة العمليات يحتج بشدة فيحذره الطبيب من أن ذلك قد يؤدي لوفاة المريض، فيجيب «كويكر» بأن أحدا لا يعنيه موته من حياته، ثم أنه محكوم بالإعدام على أي حال. لكن المريض يتجاوز مرحلة الخطر وتنجح العملية، ويتأهب «كويكر» لاستجوابه، لكن الطبيب ينصحه بالتروي لحين زوال تأثير التخدير. وأثناء نقله من المستشفى إلى مكتب الاستخبارات لاستجوابه، يتمكن «جيركو» من الفرار، حين تنقلب السيارة به وحراسه، ثم يضرم هو النيران في السيارة بركابها فتعتقد المخابرات الأمريكية أنه قتل معهم.
نحن الآن أمام شخصية مزدوجة لرجل يحمل في داخله عقلين (أو مخين إن شئتم) وتنطوي جوانحه على مشاعر الخير والنزوع نحو الشر في الوقت نفسه، وهو أقرب شيء إلى القصة الشهيرة «الحالة الغريبة للدكتور جيكل ومستر هايد» للكاتب الإسكتلندي «روبرت لويس». «جيريكو» المجرم العنيف المتهور سريع الغضب، و»بيل» ضابط المخابرات الذكي، المتزوج ورب الأسرة. بسبب هذه الازدواجية يتعرض «جيركو» لومضات مفاجئة من الذاكرة، تدفع بأحداث وصور متسارعة وغير مكتمله إلى مخه، هي بالطبع شذرات من ذاكرة «بيل» الذي يحمل هو مخه بذاكرته وانفعالاته في الوقت ذاته. لذلك تقوده الذاكرة مباشرة إلى منزله، وبالأحرى منزل «بيل» في لندن، ويلتقي بزوجته التي وإن اقتنعت بروايته العجيبة حول مخ زوجها المزروع في داخله، إلا أنها تطالبه بالرحيل، علما بأنه ليس لديه أي نية لإيذائها، لأنه يحمل بداخله مشاعر زوجها نحوها ويشعر بعاطفة جياشة تجاه طفلتها التي تبادله الحب بدورها (على طريقة الدم يحن). حين يصل خبر هذه الزيارة القصيرة للمخابرات الأمريكية تدرك أن «جيريكو» حي يرزق، وتتمكن بالفعل من القبض عليه مجددا حين يتصل بـ»د. فرانكس» طالبا منه مزيدا من الدواء الذي وصفه ليخفف من آلامه بعيد الجراحة وخلال استجوابه يتأكد الطبيب أن مريضه صارت لديه انفعالات «بيل» بمثل ما أنه يحمل ذاكرته. في هذه الأثناء يعاود الإرهابي «خافيير» الظهور بعد أن يعلم بأمر «جيريكو» ويرسل مساعدته وعشيقته القاتلة المحترفة» إلسا» لاختطافه أثناء نقله ثانية إلى مقر آمن للمخابرات الأمريكية لاستجوابه، لكن المحاولة تفشل ويتمكن «جيريكو» من الهرب مرة ثانية، بالقفز بسيارة في نهر «التيمز»، ويلقى حراسه مصرعهم على يد «إلسا».
السباق الآن على أشده بين المخابرات الأمريكية والروسية وعصابة «خافيير» للوصول إلى «جيريكو» لأنه هو وحده الذي يمكن أن يقودهم إلى «دتشمان». لكن هذا الأخير يستبد به اليأس في مكمنه، ويقرر أن يلجأ للتهديد لابتزاز أي من الطرفين لإتمام صفقة معه، فيطلق صاروخ «كروز» من غواصة أمريكية يسقط في البحر، ليثبت للجميع أنه جاد في استخدام الأسرار التي بحوزته، إن لم يحصل على ما يريد. في هذه الأثناء يعود «جيريكو» إلى منزل «بيل» وحين تلحظ «جيل» تعلق ابنتها به، وترى أيضا أنه يستدعي بعض التفاصيل الخاصة بحياتها مع زوجها الراحل، تتأكد من صدق روايته وتطلب منه قضاء الليلة في المنزل حتى يتدبر أمره. ويكون للمكان تأثير في تحفيز ذاكرته (ذاكرة بيل) فيتذكر أين وضع الحقيبة التي تضم الملايين العشرة وجواز السفر، وأيضا المخبأ الذي ترك فيه «دتشمان»، في مكتب «جيل» في جامعة لندن التي تعمل فيها. فيسارع بالوصول إليه ويشرح له ملابسات ما حدث ومقتل «بيل»، لكن «إلسا»، مساعدة «خافيير» تصل إليهم وتتمكن من قتل «دتشمان» لكن «جيريكو» يقتلها قبل أن تفر بالحقيبة و»الفلاش» الذي يحمل برنامج الشيفرات الحربية السرية ليحتدم الصراع مجددا هذه المرة لانتزاع برنامج الشيفرة السرية بين أجهزة المخابرات وعصابة «خافيير» الذي يتمكن من اختطاف «جيل» وطفلتها ليستخدمهما كرهائن لابتزاز «جيريكو».
يطرح الفيلم سؤالا أزليا شغل المفكرين والفلاسفة وعلماء النفس ولايزال حول الطبيعة البشرية وما إذا كانت مجبولة على الخير أم الشر؟ هل الإنسان يولد صفحة بيضاء لتخط عليها تجارب الحياة بصماتها، وإلى أي حد يمضي تأثير البيئية الاجتماعية في مقابل الجبلة الوراثية للفرد. رغم الإيقاع اللاهث للأحداث المتلاحقة الذي يضخ توترا متصاعدا في شرايين الحدث الدرامي طوال الوقت، لا يغيب عنا سؤال الفيلم الجوهري بفضل الأداء المتميز لكيفن كوستنر، الذي يقدم أفضل أدواره في الأعوام العشرة الأخيرة، وربما منذ حصوله على عدة جوائز أوسكار عن فيلمه ‘الرقص مع الذئاب.
ونجح كوستنر في أن يجسد التغير الجذري الذي طرأ على شخصيته بعد عملية زراعة المخ، حيث نلحظ الفارق بين اندفاعاته العنيفة شبه العشوائية قبلها، وبين العنف الذي يرتكبه بعد العملية ويأتي كرد فعل في المقام الأول. لقد تفوق بشكل خاص في تلك المشاهد التي يتأرجح فيها بين طبيعته الانفعالية المتهورة الميالة للعنف، وبين مشاعر الحب والحنان التي توقظها بداخله مواجهاته مع زوجة بيل (الممثلة الجميلة غال غادر التي لمع نجمها لأول مرة في سلسلة أفلام «السريع والغضوب») وطفلته.