ما بعد الفرانكفونية

يختلف المتطرقون لهذا الموضوع في نظرتهم، فمنهم من يكتفي بالنظر إلى الجانب الثقافي للرابطة الفرانكفونية وما تمثله من انفتاح على الثقافات المحلية في كل مكان دخل إليه الأدب واللغة الفرنسية، ومن أولئك من تسيطر عليه نظرة المؤامرة، بحيث لا يستطيع الفصل بين الماضي الاستعماري الفرنسي وما خلّفه من مرارات، خاصة في أفريقيا، وبين الفرانكفونية التي لا تبدو له إلا مجرد إطار جديد لتطويق المستعمرات السابقة ثقافياً، كما تم تطويقها من قبل اقتصادياً وسياسياً.
النظرتان تبدوان شديدتي التطرف ومتصارعتين على طول الخط، فمن جانب تبرز الطبقة التي تلقت تعليمها باللغة الفرنسية والتي أصبحت الفرنسية بالنسبة إليها ليست مجرد لغة مستعمر، بل هوية خاصة يجب الدفاع عنها بكل قوة، وهو ما تظهره كتابات مثل مقال فوزية زواري قبل أسبوعين في مجلة «جون أفريك» الذي حمل عنوان: «في تونس إما الفرانكفونية وإما داعش!».
المقال لافت حيث تدق زواري فيه ناقوس الخطر الذي يتهدد تونس، والذي يتلخص في تحول اللغة العربية الوشيك إلى لغة معاملات رسمية، وحيدة بعد تراجع اللغة الفرنسية وظهور أجيال من الرافضين لها كلغة تعامل أو ثقافة. رفض يظهر في ضعف مستوى هذه اللغة عند الطلاب، وعدم حماسهم للتفوق والتعمق فيها، وهو ما أثر فعلاً على وسائل الإعلام الناطقة بالفرنسية، التي تبدو في طور الاضمحلال.
التلفزيون أصبحت برامجه الفرانكوفونية أقل، تقول زواري، في حين أصبح السياسيون أكثر ميلاً للتحدث باللغة العربية لكسب الجيل الجديد الفخور بانتمائه العروبي، وقد لفت أنصار هذه اللغة الحكومة الفرنسية لخطورة الوضع مستغلين زيارة المسؤولين من بلد الاستعمار القديم. بالنسبة لزواري ولغيرها من المتعصبين للثقافة الفرنسية، فإن تحول تونس من المرحلة التي كان بورقيبة فيها يلقي خطاباته باللغة الفرنسية، مستشهداً بأمثلة وأبيات لشعراء فرنسيين، إلى المرحلة التي يصر فيها السياسيون على مخاطبة جماهيرهم، وحتى نظرائهم الفرنسيين، باللغة العربية حصرياً، يعد انحداراً بالنسبة للبلد الذي كان رائداً في تأسيس رابطة الفرانكفونية وفي تطبيق القيم الفرنسية بشكل متشدد أكثر من فرنسا ذاتها، خاصة في مجال العلمانية ومساواة المرأة.
لكن ما علاقة داعش بتراجع اللغة الفرنسية؟ تقول زواوي إن السبب في هذا التراجع اللغوي هو تمدد الجماعات الإسلامية، ثم تقــــول إن وجهة النظر هذه ليست من أفكارها وإنما من أفكار صحــــافي يكتب بالعربية، وليس منتم للعائلة الفرانكوفونية يدعى نورالدين باتيب، وهو الذي حذر من أن غياب الفرنسية بكل ما تحمله من قيم تحرر وانفتاح على الآخر يقدم خدمة مهمة لـ»داعش»!
سأتجاوز التعليق على النقطة الاخيرة، التي تبدو أقرب لنكتة مضحكة لأقول إن مثل هذه الآراء تتعامى عن رؤية حقيقة واضحة وهي أن اللغة الفرنسية تتراجع فعلاً، ليس فقط في تونس وليس بسبب الإسلاميين أو العروبيين ولكن، وبالدرجة الأولى، بسبب العولمة التي فرضت لغة القوة العالمية الأولى كلغة للعلوم والمعاملات، ثم أنه كان تراجعا ناتجا عن تراجع الدور الفرنسي العالمي، ففرنسا شبه الامبراطورية، التي كانت تنفق بسخاء على نشر ثقافتها ولغتها لم تعد موجودة وتواضعت مكانتها لتنشغل بالدرجة الأولى بتأمين حدودها وأولوياتها الاقتصادية، وهو ما أثّر على تمويل برامجها الثقافية، فقبل أعوام تحوّل ما كان يعرف في كل بلدان العالم بالمركز الثقافي الفرنسي إلى اسم جديد وهو المعهد الفرنسي، وفي ذلك من الدلالات ما لا يخفى.
الفرنسية مهددة الآن ليس فقط في المستعمرات السابقة التي باتت تتجه لتعلم اللغة الإنكليزية التي تتيح مجالات أوسع في سوق العمل، ولكن أيضاً في داخل فرنسا التي لم يعد مجمعها العلمي اللغوي قادرا على محاربة الكلمات الدخيلة من اللغات الأخرى، وخاصة الانكليزية، التي أصبحت تدخل بسرعة لا تتيح لعلماء اللغة الفرصة الكافية لترجمتها و»فرنستها» فتقبل في الغالب بعلاتها. التوازن مهم ولذلك فإن انتقادنا لمعسكر غلاة الفرانكوفونية يجب ألا ينسينا الضفة الأخرى التي يسيطر عليها غلاة من نوع آخر يرون في تعلم اللغات الأجنبية واللغة الفرنسية خاصة مضيعة للوقت ومفسدة للأخلاق. أولئك الذين يحاربون المعاهد اللغوية والتخصصات الجامعية في اللغات والآداب الغربية بحجة الحفاظ على الهوية يجب الوصول معهم إلى تسوية وإلى منطقة وسطى بين فتح المجال عن آخره للغة الأجنبية بحيث تحضر معها ثقافتها وقيمها وبين إغلاق النوافذ لحد الاختناق.
من غير الموضوعي أيضاً إنكار الجانب الثقافي للفرانكفونية، التي ارتبطت بعدة مدارس في الأدب والفن. ميزة هذه النظرة الثقافية في كونها تخبرنا أن العملية لم تكن باتجاه واحد، أي من فرنسا إلى المستعمرات، بل إن تلك المستعمرات القديمة قدمت الكثير لناحية إثراء الأدب الفرنسي والمخيلة الغربية عموماً بما حملته من تراثيات وتقاليد مختلفة، كما أن اللغة الفرنسية لم تعد كما كانت، بل أصبحت مزدحمة بالكلمات والتعابير ذات الأصل العربي أو الأفريقي أو الكاريبي، والتي أصبحت كلها جزءاً من رصيد اللغة الفرنسية.
من الحقائق مثلاً تحول لغات المستعمر، وعلى رأسها الفرنسية، إلى لغات جامعة وموحدة للشعوب المستعمرة التي كانت تتحدث فيها كل قبيلة لغة مستقلة ومختلفة، وقد ساهمت اللغات الجديدة في توحيد أولئك خلف إحساس بهوية مشتركة.
تيار الزنوجة، على سبيل المثال، الذي جمع بين ايميه سيزير ابن المارتينيك وليوبولد سيدار سنغور الأديب والسياسي السنغالي المعروف، ذلك التيار الذي كان مزيجاً من الالتزام السياسي والروح الأدبية الفرانكفونية مثّل فصلاً من فصول التلاقح الثقافي الذي تم فيه استخدام اللغة الفرنسية كلغة ارتباط وتنسيق وثورة بين معظم كتاب افريقيا جنوب الصحراء وغيرهم في المستعمرات البعيدة. مجموعة الزنوجة كانت تحاول الفصل بين التقدير للغة الفرنسية التي وحدتهم والتقدير لفرنسا التي رفضوا هيمنتها منذ وقت مبكر واستعلاءها العنصري. تلخص الزنوجة أزمة الأدب الفرانكفوني، فالفكرة التي كتبت بالفرنسية وولدت في قلب باريس التي جمعت الأجيال الأولى من نخبة ابناء المستعمرات للدراسة والعمل، تلك الفكرة كانت تهدف بالأساس للتحرر من هذا المستعمر. هي دائرة يلخصها قول الكاتب الجزائري كاتب ياسين: أكتب بالفرنسية لأقول للفرنسيين أنني لست فرنسياً!
لحسن الحظ فقد طغا الجانب الأدبي على الجانب السياسي في ما يتعلق بمفهوم الزنوجة، ولولا ذلك لتحولت الفكرة لحركة سياسية شوفينية عدائية. لكن آباء الزنوجة لم يريدوا ذلك، بل أرادوا أن يتم الاعتراف بحقوقهم وبخصوصيتهم الثقافية، وهو ما ناضل سنغور في سبيله، حينما صار زعيماً لبلده، كما أن نكروما وغيره من الزعماء الأفارقة بعيد الاستقلال كثيراً ما كانوا يبدون متأثرين بهذه الأفكار خلال خطاباتهم.
نقطة أخرى يجب الوقوف عندها وهي تلك المتعلقة بالتفريق بين الفرانكفونية- الحالة والفرانكفونية- المنظمة. بالنسبة للحالة فإنه، وبشكل عفوي، يصبح كل متحدث ودارس للغة الفرنسية فرانكفونياً هذا على المستوى الشخصي، كما يصبح كل قطر تنتشر فيه اللغة الفرنسية واستخدامها كلغة تواصل أو عمل بلداً فرانكفونياً، لكن هذا لا يعني بأي حال أن ذلك البلد عضو في «الرابطة الفرانكفونية الدولية» وهو اشتباك يجب التنبه إليه ووضعه في الاعتبار، إبان أي حديث عن الفرانكفونية، فمن المهم أن نعرف عن أي فرانكفونية نتحدث.
في هذه الأيام تحتفل أوساط الدراسات الفرانكفونية مع الأديب العاجي برنارد دادييه بعيد ميلاده المئوي. دادييه ذو مكانة مهمة على خريطة الرواية والشعر الأفريقي وهي مكانة اكتسبها من خلال حياته المديدة التي جعلته شاهداً على عصر الكفاح ضد المستعمر وعلى عصر الزنوجة ثم الاستقلال وما تبعه من محاولات في عموم أفريقيا للوصول إلى استقلال حقيقي. رغم ذلك فإن هذا الرجل لا يكاد يكون معروفاً في العالم العربي إلا على صعيد المتخصصين بالأدب الأفريقي الذي اهتموا، بحكم تخصصهم، بجانب الكتابة الإبداعية على حساب النظرة السياسية والموقف من «الفرنسة» وغيرها من القضايا.
أعمال دادييه نجحت في إيصال الصوت الأفريقي ونقل مفردات وتاريخ ساحل العاج وغيرها إلى العالمية محققة مقولة إن العالمية تأتي من الاستغراق في المحلية. التجربة تستحق التأمل والتعرف أكثر عليها، خاصة أن صاحبها ما يزال بيننا وما يزال قادراً على نقل شهادته عن صعود وانهيار الفرانكفونية لأولئك الذين لم يحسموا موقفهم منها بعد، وما أكثرهم!

٭ كاتب سوداني

ما بعد الفرانكفونية

د. مدى الفاتح

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية