لا جدال في أن مبدأ حماية الأقليات أضحى مبدأ أصيلاً في الثقافة الغربية. أتوماتيكياً يميل الإنسان الغربي إلى تأييد أي قضية من قضايا الأقليات، ومهما كانت المعلومات التي تقدمها له أو التي يحصل عليها، فإنه سيظل أميل إلى ما اعتاده من ثقافته السياسية «حماية الأقليات». فقد أتاح مبدأ حماية الأقليات للغربيين أن يُستخدم كجراب الحاوي، حيث يتوقع المرء أن يخرج منه أي شيء في أي لحظة.
طبعاً الغربُ ليس واحداً. هذا أمر مفروغ منه، ولكن الدول ذات التاريخ الاستعماري منه رسخت هذا «المبدأ» للتصالح مع نفسها ومع تاريخها، إذ لم تعد أخلاقياً تطيق ذكريات تطبيقه والممارسات العنيفة باسمه في تاريخها الاستعماري. وعلى العموم ساهم هذا المبدأ في أن ينظر الغرب إلى نفسه بعقد أقل، ويحل مشاكل أقليّاته بخسائر أقل، على الرغم من أن أكثرياته في الواقع أكلتْ أقلياته وهضمتها. والنتيجة هي تصالح مع الذات وإضفاء كساء أخلاقي إنساني على سلوك أكثرياتها السياسية والعرقية.
ثمة نفاق عميق في الأمر، و لا يمكن أن ينكشف بسهولة. لنأخذ مثالاً لدولة طرفية في أوروبا هي النروdج. في النروdج أقلية نستطيع أن نطلق عليها مصطلح السكان الأصليين وهم «الساما». وهم شعبٌ مثله مثل الشعوب القديمة متصالح مع الطبيعة إلى درجة أنه عندما بدأت «النروdج» تتحول إلى المسيحية في أوائل الألف الثانية، وقبائل شمال أوروبا تنزح نحو الشمال أكثر، وتستولي على الأراضي وتسورها وتعتبرها ملكية خاصة يمنع على غير مالكها استغلالها، لم يفهم «السامه» شيئاً كهذا، فالأرض بعرفهم ليست ملكاً لأحد أبدا. وعندما تشكلت دولة «النروdج» الحديثة استُخدمت سياسة تذيب «الساما» ومنعت عليهم لغتهم وأغانيهم وأجبروا على المسيحية وعلى التعلم في المدارس باللغة النرويجية، شيء يشبه ما اعتاد الأتراك المتعصبون عليه في إطلاق اسم «أتراك الجبال» على الكرد، وفي قهرهم ثقافياً.
ظلت سياسة التذويب هي المتبعة إلى ستينيات القرن العشرين، عندما استبدلت بسياسة «الاندماج» أي الحفاظ على ثقافة الساما في دولة موحدة هي النروdج. و لحدّ الآن يخفي أكثرية «الساما» أصلهم، الأمر الذي يوحي كم كانت سياسة التذويب قاسية وظالمة. وعلى الرغم من كل هذا إذا ما سألت نرويجياً من غير الساما، أي من الأكثرية، فيما إذا كان من المسموح برأيه أن يستقل الساما في دولة، سيقول لك بحزم «لا».
هذا يفسر جزءاً من الصعوبة التي يلاقيها السوريون، إذْ على الرغم من أن الواقع يشير أن الأكثرية هي المضطهدة في سوريا، فإنهم يلاقون آذاناً صماء ما إن يكون موضوع الحوار حول «أكثرية وأقلية». كيفما قاس المرء الأمر عرقياً أو دينياً أو قوميا، فإن الكتلة غير المتجانسة المسماة بالعرب السنة هي المضطهدة وليست أي أقلية في سوريا.
لا يقبل النرويجي ولا أي غربي أن تستقل بعض المقاطعات من أوطانهم، بينما تدعم حكوماتهم الآن فصائل كردية في سوريا حتى لو أدى الأمر إلى الانفصال. وليس من نافل القول أن الدعم الغربي القوي مضافاً إليه الروسي له أهداف أبعد من محاربة تنظيم الدولة. الواقع يقول ذلك وسيقوله. وعلى كل حال إن تقوية عنصر من عناصر الصراع يطمح إلى الانفصال حتى لو كان محمولاً على نوايا غير انفصالية، سيؤدي إلى واقع انفصالي. و طريق جهنم معبد بالنوايا «الحسنة».
تصالَحَ الغربيّ مع ماضيه الاستعماري، وحل مشاكل أقلياته، واستخدم سابقاً ويستخدم حالياً وسيستخدم مستقبلاً مبدأ حماية الأقليات تجاه العالم الآخر، وكل ذلك مغلف بغلاف أخلاقي وإنساني غير مستحق، ولكنها قوة الثقافة والسياسة المسيطرة.
محمد الحاج صالح