برلين ـ من رند صبّاغ: «الحاكمُ يضربُ بالطبلة» وثلاثونَ آلهةً تدمرية كانت بانتظار حريةٍ لم تأتِ، بعل ويرحبول وأغلبول صاروا جزءاً من الماتريوشكا، والإيقاع الروسي يرتفع صاخباً في المعركة، يرمي مزمار الحي بدون حياء، والحيُّ لم يعد هنا ليروي ما صار ببقايا التاريخ.
تسقط تدمرتا «المدينة المعجزة كما سماها الآراميون»، لتقع بين إيقاع الباروك بأيادٍ روسية من جهة، والمبالغات الشكسبيرية لداعش من جهةٍ أخرى، في فضاء مسرحي صحراوي، حيث كان المدرج الأثري شاهداً على جرعةٍ مكثفةٍ من الإبهار والابتذال.
تتلاحق العروض للاحتفاء بالقوة والنصر على الشعوب، تُشرب أنخاب البراميل والرؤوس المقطوعة والسوخوي والمفخخات، باسم الأوطان أو السلام أو الله، تُفتح لها شاشات العالم، وتُفرد لانتصاراتها صفحات الجـــرائد، وهي تتمدد على الموقع المثالي لاكتمال المشهد، لا أحد يكترث بمن يسكن الأرض، هذا الجمهور ليس معنياً، حتى بمواليه لأيٍّ من المحتلين، وإن تم سوقه إلى الاحتفال، وجلس على المدرجات، فوظيفته تتوقف عند حد إضافة بعض التوضيب للإطار العام ليس إلا.
يتماهى الخصمان المفترضان على خشبة مدرجٍ واحد، يسرفان في سكرة الانتصار ليصلا إلى جمهورهما العابر للحدود، فيتساوى القتلة، لا فرق في أسماء الضحايا وأشكال الأسلحة، لا فرق في الأعداد أو العتاد، فالقادمان ينكران الأرض، وينبذان أهلها، ويعاديان ناسها، بل لا يتم وضعهم أصلاً في رتبةٍ كافية للاكتراث بأمرهم.
تتكرر الأنماط بين الأداء الداعشي والروسي، فكما أن الموسيقى الكلاسيكية الفخمة كانت دوماً دين الروس وديدنهم منذ عهد القيصر إلى بوتين، فكذلك خلق تنظيم الدولة نمطه الإبهاري الخاص بالفيديوهات والأداء التمثيلي أمام الكاميرات، عبر (اللوكيشنات) المختلفة، على الرغم من العنصر الإضافي مع كل عرض، والكافي لإيصال الجمهور إلى درجة الاشمئزاز من الرعب الهزلي، سواءً أكان على إيقاعٍ موسيقيٍّ رفيع الذوق أو بأوضع أشكال العنف الهوليوودي المباشر.
مشهدان على مدرجٍ واحد يدميان القلب السوري، يهينان الثقافة والحضارة السورية، ويزيدان من خسارة هذه الأرض، بعد ما عانته من بأسِ خمس سنوات، فتصير الغُمّة غَصّةً وفجيعة، فيَكمَدُ قلب ابن الثورة من كَربِ الحرب، ويسأل إن لم يعد له في الوطن موطئ قدم.
فضاءٌ مسرحي آخر، هذه المرة في محافظة درعا وعلى بعد 140 كم جنوب العاصمة دمشق، عند أول شرارات الثورة، يختلف الحدث، وإن تلاقى مع سابقيه بأبهة الموقع التاريخي وهي مدرج بصرى الأثري.
هناك لا تغطية إعلامية أو حافلات تستقبل الصحافيين الأجانب لتحميهم من القصف، ولا إصدارات إعلامية لعناوين صحف الغد، هناك مجموعة من الشباب الذي ما زال يملك روح الثورة السورية. لا يدخل الإبهار في الحيز المشغول، بل يدفعك للحنين لهذا التواضع، يعيدك إلى أرض الوطن، حتى تحس لوهلة بنسمةٍ من هواء بصرى على جسدك، وكأنك غادرت للتو.
يجتمع جمهور مهرجان سوريا لأفلام الموبايل في دورته الثانية، على المدرج التاريخي مستحضرين روح الثورة الأولى، ليس بالموقع فحسب، بل من خلال الاحتفال بلقطات الهواتف الذكية، حيث يأتي الاحتفاء هنا بانتصار السوريين من خلال ثورتهم على خوفهم الأول، وجرأتهم التي جعلتهم ينقلون الصورة حتى عندما لم يكن هناك أحد ليكترث بموتهم.
الحدث في هذا المدرج سوري بامتياز، بل ربما تراه يأتي كجزء من طبيعة الحياة أو ضمن محاولة للحصول على شيء منها، فلا ثقافة راديكالية أو استعراضات مترفة. حتى أن الجمهور المتواضع يجازف بالحضور، فحضورهم وحده يعتبر فعلاً ثورياً في وجه طائرات المحتفلين بالسلام، أو خوفاً من تسرب بعض الحاكمين باسم الله، لكنهم وحدهم من تعلموا مواجهة كل هذا العنف بالسلم، بصورٍ التقطوها ببساطة يومياتهم، فكانوا جنوداً مجهولين يقاتلون بفعل ثوريٍ محض، بدون شاشاتٍ يطل من خلالها فلاديمير بوتين ليثني عليهم ويشد من عزيمتهم في يوم عيد النصر الروسي، بل حتى أنهم افتتحوا المهرجان بعرض فيلم إيراني بعنوان «طهران بدون إذن» للمخرجة زبيدة فارس، الذي يرصد الحياة السرية للعاصمة الإيرانية والصورة الحقيقية للمدينة التي يخفيها الإعلام الرسمي، وبهذا كانت طهران التي جلبها الثوار إلى بصرى ليست كطهران دمشق اليوم، حيث يعلو صوت الكاميرا بين الشعوب على صوتِ استبداد الحكام.
يسعى المهرجان الذي تنظمه مؤسسة الشارع من أجل إبقاء الثورة حاضرة، وذلك من خلال فعل ثقافي متكامل، لا يشبه أفعال محتل لا تعنيه أرض الوطن، فالرسالة التي يحملها المهرجان تقدم رؤية سينمائية مغايرة وحرة تؤمن بأن الصورة الأعلى دقة ليست بالضرورة الأكثر وضوحاً (على حدّ وصفهم)، وللمصادفة كانت الصورة الأكثر دقة في تدمر، لكن سوريا بشكلها الحقيقي الواضح تجلت في بصرى.