في الفكر الأدبي التشاركي

نظمت الجمعية الجهوية للإبداع والثقافة، في مدينة صفرو المغربية، يوم السبت 07 مايو/أيار 2016، في قاعة الندوات في بلدية المدينة، ندوة علمية في موضوع «النقد الأدبي.. من الفردانية إلى استراتيجية العمل الجماعي»، احتفت من خلالها بفريق البحث في الأدب والنقد، المكون من: حسن لشقر، مصطفى بوخبزة، ، الشاعر والناقد أمجد مجدوب رشيد. وقد تميز اللقاء بحضور نوعي، أثار في جلسة المناقشة، العديد من الأسئلة حول أهمية العمل بنظام المجموعات، في الأدب والنقد، ارتباطا بتجربة الفريق المحتفى به طبعا.
وفي الحق، إن العمل الأدبي التشاركي القائم على مشروع علمي واضح، هو وحده القادر على اجتراح أفق نقدي، قد يبشر بحساسية نقدية جديدة من شأنها أن تشكل علامة فارقة في مجال الأدب؛ بل إن جدية بعض المشاريع النقدية لبعض الجماعات الأدبية، ما تزال تستقطب العديد من النقاد، الذين يصبحون أعضاء في هذه المجموعة أو تلك، مع مرور الوقت، بالفعل والقوة.
وتجدر الإشارة إلى أن فكرة التشارك في الأدب، إبداعا ونقدا وتنظيرا، هي تقليدٌ ثقافي غربي خالص، وإن كانت ثقافتُنا العربية، قد عاشت حالة شاذة، حسب علمي، من هذا النوع من التفكير، أقصد التفكير بضمير الجماعة، وفي مجال آخر غير الأدب، ألا وهو مجال الفلسفة. وقع ذلك في العصر العباسي، مع جماعة «إخوان الصفاء وخلان الوفاء». والبونُ بين دواعي العمل بنظام المجموعات في الغرب، وعند جماعة « إخوان الصفاء»، شاسعٌ وكبير. فعلُ العمل الأدبي التشاركي، عند الغرب، ظهر كحاجة استراتيجية، لمشاريع دراسات موسعة. أما عمل «إخوان الصفاء»، فقد أملته ظروف المرحلة، سياسيا، درءا من أي طوائح قد تطوح بأصحاب الجماعة، إذ لم يكن لهم من بدٍّ سوى الإمعان بالتقية والسِّتْر مخرجا.
والحاصل أن نظام العمل بالمجموعات والفرق، عند الغرب، كان مُؤسَّسا على أرضية مشاريع وبرامج متواشجة في وشائج لا انفراط ولا انفضاض فيها. يكفي أن نتذكر جماعة الشكلانيين الروس (1915-1930)، التي ضمت كلا من تينيانوف، وإخنباوم، وجاكوبسون، وفلاديمير بروب وآخرين، التي كانت نواتُها الحقيقية، هي حلقة موسكو اللسانية. كذلك نفكر في حلقة براغ، التي تزعمها العالم التشيكي فيلم ماتيسيوس، وضمت كلا من رومان جاكوبسون، ورينيه ويليك، وميكاروفسكي، وفوديكا وغيرهم.
أما في ألمانيا الشرقية، فنذكر أساسا، مدرسة فرانكفورت مع تيودور أدورنو، وأرنست بلوخ، وهربرت ماركوزة، ويورغن هابرماس، الذين أسسوا لمشروع أدبي مهم، تبناه، في ما بعد، إسكاربيت، ألا وهو سوسيولوجيا الأدب، ومنه سوسيولوجيا القراءة.
وفي البلاد العربية، لا يمكن فتحُ هذه الصفحة، من دون الوقوف عند جماعة الديوان في مصر، مع روادها الكبار، محمود عباس العقاد، وعبد القادر المازني، وعبد الرحمن شكري. أيضا وعطفا، نستحضر تجربة جماعة المهجر في أمريكا الشمالية، ومن خلالها نتذكر جبران خليل جبران، وميخائيل نعيمة، وإيليا أبو ماضي، ونسيب عريضة.
أما في مجال الإبداع الأدبي (الشعر تحديدا)، فنستحضر، خصوصا، تجربة جماعة كركوك في العراق، حيث برز اسم كل من سركون بولص، وجان دمو، وفاضل العزاوي، الذين فتحوا أفقا جديدا في الشعر العراقي المعاصر؛ بل إن رياح العمل الإبداعي الجماعي هذه، ستهبُّ كذلك على بلاد المغرب، في تسعينيات القرن المنصرم، فكان أن ظهرت جماعة « الغارة الشعرية» ببياناتها النارية، ممثلة في الشعراء: سعد سرحان، وسعيد الباز، وياسين عدنان، وطه عدنان، ورشيد نيني، وعبد الحق ميفراني…
هناك من قائل، إن الاشتغال الجماعي، في الفكر والأدب معا، هو مجردُ حُبْوةٍ تشتملُ نواقص الذات الفردية ومثالبها. والحق أن هذا النوع من العمل، ليس مركبا سهلا، خصوصا إذا كانت دواعيه علمية صرفة. فالاشتغال الجماعي، كما يقول جمال بوطيب، في تقديمه للكتاب الثاني للفريق المحتفى به، الموسوم بـ»الحساسية الجديدة في الشعر المغربي المعاصر»، يظل «شكلا من أشكال الوعي الكتابي الممكن والقائم على قدرة الذات على التخلي عن كثير من ذاتها لتمنح لذات أخرى فرصة الارتقاء والتشارك والعمل».
انطلاقا من هذا التصور، شعّ نُبل فكرة تأسيس فريق البحث في الأدب والنقد، منذ عامين ونيف، بمبادرة من حسن لشقر، ومصطفى بوخبزة، والشاعر أمجد مجدوب رشيد، وعبد ربه. فكان أن ارتوتْ غلّتُنا من رواية كتابين نقديين. الأول موسوم بـ»التلقي والتأويل ـ من النموذج النصي إلى النموذج التفاعلي للقراءة»، صادر عن مطبعة أميمة في فاس عام 2014، والثاني حمل عنوان «الحساسية الجديدة في الشعر المغربي المعاصر- الانعطاف الجمالي والمنجز النصي»، عن مطبعة بلال في فاس 2015، وقام بالتقديم له جمال بوطيب. ولئن كان جمال بوطيب، المشهود له بنُبل أفكاره ونَبْلها، قد دَلَفَ إلى هذه التجربة، وخَبَّ في مجالها، حتى هَدَرَ ارتجالُه، فإن خاتمة المطاف قد أدَّتْه إلى القول «لعل تجربة الرباعي المنسجم المكون من الباحثين حسن لشقر و ومصطفى بوخبزة وأمجد مجدوب رشيد تشكل منارة بها يُهتدى ونموذجا ينبغي أن يُحتذى»، وإذ يمكن «لهذا الاشتغال الرباعي أن يستمر انتصارا للنقد المغربي وللبحث الأكاديمي».

*شاعر وكاتب مغربي

في الفكر الأدبي التشاركي

محمد الديهاجي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية