إسطنبول ـ «القدس العربي»: مع ما بلغ من تفاقم للسيطرة الإسرائيلية على وسائل الإعلام العالمية، تم تشويش صورة فلسطين، كقضية أرض وشعب، وغابت الرواية الفلسطينية لجريمة تاريخية غطتها أكاذيب الأساطير الصهيونية عن الفلسطينيين وتاريخهم. لكن مع وصول ثورة العالم الرقمي وإنتشار مواقع التواصل الاجتماعي، أصبحت هناك نوافذ جديدة استطاع من خلالها الشباب والنشطاء كسر الحواجز التي فرضها الإعلام التقليدي في تغطية الصراع العربي الإسرائيلي مطلقين، من شاشاتهم، روايات مميزة وجديدة عن النضال والصمود الفلسطيني. ودخلنا مع هذا التحول، الذي ينمو بشكل متسارع، مرحلة جـــديدة من التواصل مع العالم الغربي. وبدأت مع هـــذه المبــادرات إجتهادات وعمليات بحث وتواصل نقــلت الرواية الفلسطينية إلى منصــات الــعــالم، ثم إلى المنتديات والــمؤتـــمرات، مستعينة بطاقات وجهود فردية انطلقت من العالم الإفتراضي إلى أرض الواقع.
ومن أجل أهمية هذا التحول الذي أثبت قدرته على نقل فلسطين إلى العالم رقميا، خصص منتدى فلسطين الدولي للإعلام والاتصال في فعاليات مؤتمره الثاني، الذي عقد يومي الأربعاء والخميس 18-19 ايار/مايو، ندوة خاصة تحت عنوان ”فلسطين الرقمية”. وكان السؤال الذي ناقشه ضيوف الندوة التي قدمتها المخرجة ومنتجة الأفلام روان الضامن: ”كيف نضع فلسطين على الخريطة الرقمية؟”. شارك في هذا النقاش ضيوف الندوة عماد موسى، المحرر المسؤول ومدير الموقع الإلكتروني لقناة «الجزيرة» الإنكليزية، وأرلين كليميشا، أستاذ التاريخ العربي المعاصر وتاريخ فلسطين، وخالد طه، المستشار التقني والإعلامي، وراميش سرينيفاسان، أستاذ متخصص في دراسات المعلومات والتصميم في الفنون الإعلامية. وناقش المتحدثون موضوع وسائل الإعلام الاجتماعي المتنامية، وفنون التعامل معها لخدمة نشر الرواية الفلسطينية والتأثير المباشر على جيل الشباب. وقال عماد موسى أن ما يعرف بـ ”أزمة الشرق الأوسط” في الإعلام كان دائما محصورا بموضوع الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين، إلا أنه أصبح اليوم، وتحديدا بالنسبة للإعلام العالمي، يستخدم لكل ما هو مرتبط بالدولة الإسلامية والإرهاب، مما أدى إلى تهميش القضية الفلسطينية وتشويه صورة الشرق الأوسط. وشدد موسى في حديث مع «القدس العربي» على أهمية دور الإعلاميين وجهودهم الفردية في التأثير على السياسات التحريرية لوسائل الإعلام من أجل ضمان تغطية موضوعية وعادلة عن القضية الفلسطينية. كما حث موسى على دعم وتشجيع الشباب إلكترونيا والإستثمار في مشاريعهم الهادفة، إضافة إلى التركيز على قصص وحالات شخصية تعنى بمعاناة/نجاحات الفلسطيني كشخص وإنسان عوضا عن التركيز في عرض الأرقام والإحصاءات والسرد التقليدي للقضية. كما شدد كليميشا على أهمية بناء شبكة من النشطاء العرب وغير العرب من كل أنحاء العالم من الداعمين للقضية الفلسطينية لتوحيد الجهود واطلاق مواضيع وأفكار على مواقع التواصل الاجتماعي ومشاركتها مع العالم والمساهمة في تطوير محرك البحث وحشد المزيد من الناس لدعم هذه القضية. وشهد هاشتاغ #احكيلنا_عن_فلسطين، الذي أطلقه «منتدى فلسطين الدولي للإعلام والاتصال» عشية الإفتتاح بثلاث لغات (العربية والانكليزية والتركية) رواجا كبيرا على موقعي التواصل الاجتماعي فيسبوك وتويتر.
ووصل حجم التفاعل إلى 58 مليون مشاهدة خلال 48 ساعة على موقع تويتر، وأكثر من 9 آلاف تغريدة عن دعم القضية الفلسطينية، إضافة إلى مشاركة النشطاء صور ومقاطع فيديو عن القرى والأحياء الفلسطينية.
وناقش «منتدى فلسطين الدولي للإعلام والاتصال» على مدى يومين الفرص والتحديات التي تواجه القضية الفلسطينية في ظل التطورات التي تشهدها المنطقة وانعكاساتها في عالم الإعلام.
وشمل المنتدى 4 ندوات وورش عمل شارك فيها إعلاميون من أكثر من 52 دولة ناقشوا التجارب الإعلامية المختلفة والمحتوى الإعلامي المعني بالقضية الفلسطينية، وكيفية توفير فرص الحوار البناء، والتشجيع على إقامة مشاريع وبرامج إعلامية مشتركة. كما تباحث المشاركون في آليات تطوير وتعزيز الأداء الإعلامي الخاص بفلسطين، وخصوصا ما يتعلق بآفاق الإعلام الإلكتروني ووسائل التواصل الاجتماعي.
وبحثت الندوة الأولى تحت عنوان «في مواجهة الأساطير الصهيونية» أبعاد الرواية الصهيونية للصراع والأكاذيب التي يتم تسويقها والتي تمس التاريخ والحاضر، وسبل مواجهتها وفرض الرواية الفلسطينية مقابلها.
وتحدث ضيوف الندوة الأولى، التي قدمها عزام التميمي، عن تغلغل وسائل التضليل والخداع في المجتمعات الغربية والتي تضمن للكيان الصهيوني دعما مستمرا. ولخص الكاتب المصري منير شفيق هذه الأساطير عبر تركيزه على أسسها النظرية التي كان من ضمنها: إدعاء الإسرائيلي بوجوده في فلسطين منذ مئات السنين، وأنه مر وسكن فيها، وهي نظرية، بحسب شفيق، لا يحترمها القانون الدولي ولا تبرر طرد الفلسطينيٍ من دولته، إضافة إلى اسطورة الصراع الديني والإدعاء أن الفلسطينيين خرجوا من أرضهم بإرادتهم، وباعوها ولم يوافقوا على سياسة التقسيم، واسطورة الإرهاب بتهمة ”معاداة السامية” أي تسليط الضوء على معادية السامية لكل من ينتقد إسرائيل، وتجريم العمل لصالح فلسطين في الأمم المتحدة.
واستضافت الندوة الثانية تحت عنوان «مصادر المعلومات وصناعة الخبر» الإعلامي الفلسطيني إلياس كرّام للحديث عن تجربته في التعامل مع الإعلام الصهيوني، وفنون التعامل مع المصادر الإخبارية المختلفة.
وقال المستشار الإعلامي فايد أبو شمالة في الندوة الثانية «أننا اليوم نواجه تحديات حقيقية في نقل المعلومة، وفي كثير من الأحيان تكون الرسالة غير واضحة». وفي الموضوع الفلسطيني، قال أبو شمالة ”نحن كصحافيين ناضلنا نضالا مريرا كي نستطيع أن نكسر حدود السيطرة التي كان يفرضها الإحتلال، إلى حد أنهم كانوا يعتقدون أنهم المصدر الوحيد الذي ينقل ما يجري في فلسطين. وقال لي أحد الصحافيين الإسرائيليين ذات مرة: ”أنا الذي أصنع قادة فلسطين من خلال هذا الميكروفون”، في إشارة إلى السلطة التي كان يملكها الإحتلال على المحتوى الإعلامي الذي كان يخرج إلى العالم آنذاك. وأضاف: ”التحديات اليوم مختلفة، فما أكثر المنصات لنشر المعلومة، ولكن هل فعليا استطعنا كسر غلاف السيطرة الإسرائيلية على إعلامنا؟ لا أعتقد والسبب هو أننا نتعامل مع الخبر بشكل عاطفي. استوردنا الماكنات من تكنولوجيا المعلومات والعالم الرقمي الذي أتانا من الخارج، لكن ما زالت تل أبيب تسيطر عليها أغلب الأحيان، حيث يقومون بفلترة المعلومات التي تأتيهم من فلسطين وإعادة صياغة المعلومة بالطريقة المناسبة لهم. وتابع أبو شمالة: ”نحن اليوم لم نخترق هذه الأغلفة، نحاول أن نقنع أنفسنا أننا ضحايا طوال الوقت ولكن علينا أن نقتحم الحدود ونوصل الصوت، بشكل موضوعي وعلينا أن ننقل الحقيقة كما هي».
وناقشت الندوة الرابعة والأخيرة «أولويات الإعلام الفلسطيني اليوم» حيث قدم المشاركون فيها رؤيتهم لأهم ما يجب التركيز عليه فلسطينيا، في ظل الأحداث الإقليمية المتنامية، والتحالفات الجديدة، التي أرخت ظلالها على الوجود الفلسطيني إعلاميا.
وإلى جانب الندوات، تضمن المؤتمر ثلاث ورش عمل تم خلالها استعراض «الابتكار التفاعلي» وتسليط الضوء على الإعلام التفاعلي وسبل الإفادة منه، إضافة إلى «إستراتيجيات الاتصال والتأثير الإعلامي» حيث تم استعراض فنون الاتصال الجماهيري والتأثير على الرأي العام، بما يخدم المشتغلين في نشر عدالة القضية الفلسطينية.
ومنتدى فلسطين الدولي للإعلام والاتصال «تواصل» هو لقاء تنسيقي يجمع المؤسسات الإعلامية المتنوعة، التي تتبنى نهجاً مؤيداً للحقوق الوطنية الفلسطينية، ويعمل على دعم القضية الفلسطينية إعلامياً عبر تغطية متميزة للحدث الفلسطيني وتطورات الصراع مع الاحتلال الصهيوني، وتنفيذ الحملات الإعلامية والإنتاج الإعلامي المتنوع في كافة المجالات.
وكان «منتدى فلسطين الدولي للإعلام والاتصال» عقد مؤتمره الأول «تواصل 1» في إسطنبول في نيسان/أبريل2014 بمشاركة 450 إعلاميا من الكتاب والصحافيين والفنانين، وقيادات مؤسسات إعلامية، من البلاد العربية ومختلف أنحاء العالم.
ريما شري