هل شُنت الحملة ضد حزب العمال البريطاني بقيادة جيريمي كوربن متهمة الحزب بمعاداة السامية واليهود كجزء من محاولة حزب المحافظين اضعاف حظوظ المرشح العمالي لمنصب عمدة لندن صادق خان، الذي فاز مؤخراً في هذه الانتخابات واحتل المنصب؟
أم أن وراء هذه الحملة جهات تسعى إلى تحطيم صورة كوربن بسبب مواقفه في السنوات والعقود الماضية المؤيدة للقضية الفلسطينية والمعارضة لحرب أمريكا وحلفائها على العراق (عام 2003) والداعمة للجيش الجمهوري الايرلندي والمدعومة من القائد الراحل توني بن؟
هذه أسئلة قد تتوافر أجوبة عليها لدى قراءة كتاب «الرفيق كوربن» لمؤلفته روزا برنس الصادر مؤخراً عن «دار بايتباك» للنشر في بريطانيا.
لقد تمنى كثيرون من مؤيدي القضية الفلسطينية والقضايا العالمية المحقة وداعمي المقاومات الساعية لتحقيق العدالة للشعوب المُعتدى عليها ان يصبح الوزير البريطاني الراحل توني بن زعيماً لحزب العمال، أو ربما رئيساً للحكومة البريطانية. ولكن القدر وربما بعض مواقف بن شاءا ألا يتحقق هذا الأمر. ولعل ذلك بسبب المثالية «المفرطة» لتوني بن وميله لمواجهة خصومه وخصوم قيمه الاصلاحية بقوة.
تقول الكاتبة في الفصل الحادي عشر من الكتاب، وعنوانه: «العراق» ان كوربن وفي خطاب له في 15 شباط (فبراير) 2003، أي قبل غزو العراق بشهر، قال في مناسبة شعبية ضخمة ضد شن حرب على العراق في هايدبارك في وسط لندن ان «الآلاف سيقتلون إذا تم غزو العراق وسيتزايد الكره والبؤس وتتطور النزاعات وتؤدي إلى المزيد من الإرهاب بسبب يأس وألم الأجيال القادمة». وتضيف: «كان يقف إلى جانب كوربن على منصّة المتكلمين توني بن وزوجة كوربن السابقة وأولاده الثلاثة وقادة آخرون… وفي الوقت نفسه تظاهر أكثر من 30 مليون شخص في سائر أنحاء العالم بين 15 و16 شباط (فبراير) 2003 ضد شن هذه الحرب».
الأهم في الموضوع في رأيها ان توقعات كوربن تحققت. واعترف توني بلير شريك جورج بوش الأبن في شن هذه الحرب، في تشرين الاول (اكتوبر) 2015 بان حرب العراق ساهمت في نشوء «تنظيم الدولة الإسلامية» ومنظمات إرهابية أخرى.
وتشير المؤلفة إلى قول لأحد زعماء حركة نضال الأمريكيين الافريقي الأصل جيسي جاكسون ان كوربن، بكونه أحد قادة «تحالف أوقفوا الحرب» المجموعة التي نظمت تظاهرة لندن المليونية في هايد بارك آنذاك شارك في انطلاق احدى أكبر المظاهرات في التاريخ. وأضافت روزا برينس ان معظم معاونيه في تنظيم تلك التظاهرة أصبحوا من القياديين المقربين منه حاليا في قيادة حزب العمال البريطاني.
يُذكر ان الراحل توني بن لم يدعم كوربن فقط في مواقفه إزاء الحرب في العراق عام 2003 بل وفي مناسبات أخرى، حسب الكتاب، وان كوربن وقف إلى جانب وزير الخارجية الراحل روبن كوك لدى إعلانه استقالته من حكومة بلير في مجلس العموم البريطاني بسبب معارضته إرسال جنود بريطانيين للمشاركة في حرب العراق، وظهر تلفزيونياً إلى جانب كوك في تلك المناسبة في 18 آذار (مارس) 2003، وكان أول المصفقين لهذا الموقف الشجاع. وحاول توني بلير اقناع كوربن وكوك بالتراجع عن موقفهما ولكنهما رفضا ورفض معهما 139 نائبا من حزب العمال تأييد موقف بلير، بل استمر كوربن في حملته ضد بلير وألقى خطابا في شباط (فبراير) 2004 وصَفَ فيه توني بلير بالمجرم، ووصف توني بن خطاب كوربن بالممتاز والذكي.
وفي لقاء لكوربن في برنامج «نيوزنايت» في تلفزيون «هيئة الإذاعة البريطانية» خلال حملته لزعامة حزب العمال عام 2015، كرر اتهامه لبلير بالإجرام وبأنه ارتكب جرائم حرب وقاد حرباً غير شرعية.
وتؤكد الكاتبة في الصفحة 165 من الكتاب ان كوربن كان دائما مهتماً بقضايا الشرق الأوسط وان مواقفه كانت دائما واضحة ونابعة من ايمانه بحقوق الإنسان وخصوصاً بالنسبة للقضية الفلسطينية والنزاع الفلسطيني. كما انه لم يكن يتردد في إجراء لقاءات مع زعماء فلسطينيين وإسلاميين، نشأت بنتيجتها اتهامات ضده من الأوساط المؤيدة لإسرائيل في بريطانيا بالعداء للسامية وبتأييده للإرهاب.
ولكن كوربن لم يرضخ لهذه الضغوط عندما مورست ضده سابقاً لدى اجتماعاته بقيادة «الجيش الجمهوري الايرلندي» في ثمانينات وتسعينات القرن الماضي، ولا عندما تُمارس ضده حاليا. وقال في أكثر من مناسبة انه مستعد للتحدث والحوار مع جميع الجهات في قضايا الشرق الأوسط والعالم الإسلامي وايرلندا الشمالية وغيرها. بيد ان خصومه يتهمونه بالاستماع إلى جهة أكثر من أخرى في هذه الحوارات فيما لا يوافق هو على هذه الاتهامات أو يتجاهلها.
وتشنّ الصحافة اليمينية المؤيدة لحزب المحافظين والمتعاطفة مع إسرائيل حملات شعواء على كوربن، كما تشير المؤلفة، وبينها حملة بسبب لقائه بزعماء حركة «حماس» الفلسطينية وحزب الله اللبناني. وفي احدى المناسبات وخلال حملته لرئاسة الحزب عام 2015 استاء كوربن من أسئلة طرحها عليه كريشنان غورو ميرفي من تلفزيون «القناة الرابعة» حول استخدامه تعبير «أصدقاء» لوصف قادة «حماس» و»حزب الله» فاتهم كوربن محاوره ميرفي بأنه يستخدم وسائل صحافية تستخدمها صحافة الفضائح ويدنّي مستوى الحوار، وأضاف انه إذا قال انه صديق لـ»حماس» فهل هذا يعني بانه يوافق معها على كل ما تفعله؟ والجواب في رأيه كلا، وهذا ينطبق على علاقته بحزب الله، ولكن إذا تواجدت رغبة للتوصل إلى عملية سلام مع أي جهة فقد يتوجب التكلم معها ومع مجموعات قد لا يتواجد التوافق معها كلياً.
وقال كوربن هذا الأمر عندما شُنت حملة قوية جداً ضده لدى قراره إستقبال جيري آدامز، زعيم منظمة «شن فين» في «الجيش الجمهوري الايرلندي» في مجلس العموم البريطاني في ثمانينات وتسعينات القرن الماضي. وقاد حملة التسعينات ضده بيتر مندلسون (حليف توني بلير) الذي كان يسعى إلى اعطاء صورة جديدة عن «حزب العمال الجديد». ودعم توني بلير موقف مندلسون تمهيداً للانتخابات التشريعية لعام 1997 ورغبة منه في الترويج لموقف «وسطي» لحزبه.
وقد فشلت المبادرات ضد كوربن داخل حزبه إلى حد كبير بسبب دعم توني بن (صاحب النفوذ القوي في حزب العمال) لكوربن في المناسبتين.
وسُئل كوربن بعد انتخابه زعيما لحزب العمال عام 2015 إذا كان نادما عن لقاءاته مع جيري آدامز ورفاقه في العقود الماضية، وخصوصا عام 1984 بعد انفجارات برايتون فقال: «وقت المفاوضات الأفضل هو عندما تشتد الأزمات، أليس كذلك؟».
ويذكر الكتاب ان كوربن حضر مناسبة: «لنتذكر دير ياسين» التي نظمها (منذ سنوات) بول آيزن الذي تتهمه الأوساط الصهيونية بانه من ناكري حدوث المحرقة النازية لليهود في الحرب العالمية الثانية. ولدى سؤاله عن مبررات تعاطيه مع آيزن، قال كوربن انه عندما نُظمت هذه المناسبة منذ 15 عاما لم يكن آيزن من ناكري المحرقة، كما انه هو شخصياً تأثر بما حدث لدير ياسين وشعبها.
وفي الفصل الثامن من الكتاب بعنوان: «ايرلندا» تتحدث الكاتبة بالتفصيل عن قضية دعوة كوربن لجيري آدامز إلى مجلس العموم، وتشير إلى ان آدامز نفسه قرر في النهاية اجراء هذا اللقاء مع كوربن خارج مجلس العموم. ولم يتراجع كوربن تحت ضغوط حزبه أو الجهات الأخرى. بل قال «إذا كانت ستجري عملية سلام في ايرلندا الشمالية فيجب ادخال منظمة (شين فين) وجيري آدامز فيها». وقد صح موقفه، إذ ان هذا ما فعله توني بلير، فيما بعد، عندما وقّعت «اتفاقية الجمعة العظيمة» التي أدت إلى نجاح حل تفاوضي للأزمة الايرلندية.
ومرة أخرى (بعد العراق) تقول المؤلفة تصح توقعات كوربن ومبادراته، ولكنه يستخدم نفسه ككبش محرقة يتخذ المواقف الصعبة في أوقات دقيقة وخطيرة. وربما هذا ما دفع الأجيال الجديدة في حزب العمال ان تضع ثقتها فيه كزعيم. بيد ان دعم توني بن كان أساسياً في معظم هذه المناسبات كي لا يتم إخراجه من الساحة. ولعل هذا هو السبب الذي دفع كوربن إلى اختيار نجل توني بن (هيلاري بن) وزير خارجية حكومة الظل العمالية، مع ان الأخير يختلف (إلى حد ما) عن والده في المواقف.
ويُذكر ان كوربن سافر هو وتوني بن إلى عاصمة ايرلندا الشمالية (بلفاست) لحضور محاكمات متعلقة بتواطؤ مسؤولين عسكريين وقضائيين في قضايا متعلقة بالتعامل مع معتقلي «الجيش الجمهوري الايرلندي». كما وقف إلى جانب معتقلين من الجيش الايرلندي بتهم تفجير في غيلفورد وبرمنغهام في بريطانيا، تبين لاحقا انهم أبرياء، في مرحلة كان الرأي العام البريطاني خلالها ناقماً ومحقوناً ضد الإرهاب الايرلندي. وكل ذلك، أدى إلى إعادة انتخابه نائبا في الانتخابات البرلمانية لعام 1997 عن دائرة شمال ايزلينغتون بفارق كبير عن خصومه نظراً لوجود عدد كبير من السكان من أصل ايرلندي فيها.
في الفصول الأولى من الكتاب، تتحدث الكاتبة عن خلفيات كوربن العائلية. وتشير إلى انه ينحدر من عائلة متوسطة الحال ولكنها ليست فقيرة وان أخوته نجحوا في أعمالهم وحرفهم ووالده كان مرتاحاً مادياً ولكن العائلة عموما (وخصوصا والدته) كانت تميل إلى التوجه اليساري الداعم لحقوق الإنسان، وإلى انه لم يكن بارزاً في نتائجه المدرسية، ولكن ذهابه إلى جامايكا بعد انتهاء دراسته عن طريق برنامج (VSO) (الخدمة البريطانية التطوعية في ما وراء البحار) ساهم في صقل شخصيته الملتزمة شؤون العالم الثالث والشعوب الفقيرة والدفاع عنها.
Rosa Prince:
Comrade Corbin: How Jeremy Corbin Stormed to Labour Leadership
Biteback Publishing, London 2016
pages 384
سمير ناصيف