بدايات شعر الحب الأوروبي

في بواكير القرن الثاني عشر في أوروبا، ظهر نوع من الشعر بلغة أقليم بروفنس، في جنوب غرب فرنسا الحالية، وهي أولى اللهجات العامية التي انسلخت عن اللاتينية، لغة الأدب في القرون الوسطى الاوروبية، التي كانت الكنيسة الكاثوليكية تسيطر عليها. وقد ظهرت بعد لغة بروفنس لغة دعاها «دانته» باسم «لاتينية العوام» أي اللغة الايطالية، التي كتب بها أهم قصيدة اوروبية في العصر الوسيط. كان أقليم «بروفنس» على علاقات حميمة مع ممالك الأندلس، على المستوى التجاري والثقافي. وتشير الدراسات الرصينة منذ عام1571 أن هذا الشعر الجديد على أوروبا، الذي ظهر في إقليم بروفنس، وانتشر إلى ايطاليا بلغتها الجديدة، لا يشبه المعروف من الشعر اللاتيني السائد، ولا الشعر الإغريقي من قبله، وهما المنبعان الرئيسان لثقافة أوروبا القروسطية. فمن أين جاء هذا الشعر الجديد؟
إن استعراض النصوص الكلاسية، من إغريقية ولاتينية وقروسطية تبيّن ان مفهوم الحب، والموقف من المرأة لا ينعكس، ولو بصورة باهتة، في الشعر الذي ظهر في اقليم بروفنس الفرنسي من بدايات القرن الثاني عشر، ولا في الشعر الذي ظهر بالإيطالية، لاتينية العوام، بعد ذلك وازدهر في نهاية القرن الثاني عشر وامتد إلى القرون اللاحقة بدءاً بشعر الحب عند دانته في مجموعة «الحياة الجديدة» (1294). في هذه المجموعة الأولى باللغة الايطالية كتب صاحب «الكوميديا الالهية» خمسة وعشرين من قصائد الحب «الدنيوي» حول بياتريجه التي سيرفعها بعد ذلك إلى منزلة سماوية لتصير «المخلِّص» لهموم العاشق «البشري» الذي يمثله دانته (1265 ـ 1321). في هذه «الغنائيات» الخمسة والعشرين يتناول دانته موضوعات الحب التي ورثها من شعراء بروفنس وخلفائهم من شعراء صقليا، الذين استقبلوا شعراء اللغة البروﭭنسية، غير الغريبة عليهم، بعدما هاجروا من إقليم بروفنس الذي قضى على حضارته «الوثنية» عام 1209 البابا إنوسنت الثالث (البريء). في هذه الغنائيات نجد عذابات الحب من طرف واحد، وضرورة الحفاظ على السرّ في اسم المحبوبة، وأسلوب تحاشي الحاسد والعذول، وإدانة الموت بوصفه «هادم اللذات ومفرِّق الجماعات» كما نقرأ في «ألف ليلة وليلة»، وسوء التفاهم والخصام مع المحبوب، وذروة الابتهاج بحضور الحبيبة، والقلق الممضّ من خداعها.
ليس في هذه المشاعر تجاه المرأة، ولا في عاطفة الحب الدنيوي ما يذكِّرنا بآراء سقراط التي ينقلها أفلاطون في «محاورة المأدبة» مثلاً، حيث يوصف الحب عاطفة قوية تجمع الرجل ﺇلى خدينه ولا تتخذ أكثر من اسم صداقة حميمة. لا ذكر في حديث أفلاطون من مثل هذه العاطفة بين رجل وامرأة، مما قاد بعض حكماء آخر زمان إلى القول إن افلاطون كان مثلياًّ، لعدم ذكر الحب أو الصداقة الحميمة بين رجل وامرأة. ومثل هذه التهمة طالت سقراط نفسه، والواقع أن سقراط كان متزوجا من امرأة، ولو أنها كانت حادة المزاج، كما نقرأ في تاريخ الفلسفة الاغريقية. أما موقف رجال الكنيسة القروسطية من الحب والمرأة فهو أمر معروف، لا يمكن أن يتقبَّل ما ورد في شعر الحب الدنيوي من غنائيات «الحياة الجديدة» فصاعداً. وفي التراث الرومي اللاتيني نجد أوﭭيد (43 ق.م ـ 17 ب.م) في كتابيه: «فن الحب» و»علاج الحب» يقول ما يفيد إن المرأة ليست سوى مصدر لذة جسدية. ومثل ذلك كثير في مواقف فلاسفة العصر الوسيط الواقع تحت سلطان الكنيسة. وفي ملحمة «بيولف» في اللغة الإنكليزية القديمة (حدود عام 800) لا نجد ذكراً طيباً للمرأة في عالم الرجال ذاك. وفي حدود عام 1215 ظهر كتاب بالانكليزية الوسطى بعنوان «دليل الناسكات» يقول ان ليس أمام المرأة سوى الإنكفاء على الذات واختيار حياة النسك. ولكن كيف تغيَّر هذا كله مع ظهور الشعراء التروبادور في إقليم بروفنس الفرنسي وامتد إلى صقليا ومنها إلى ايطاليا حيث نشأ شعراء «الاسلوب العذب الجديد» من حواريّي دانته.
إن مواقف الشعر العربي التراثي من المرأة ومفهوم الحب من أيام امرئ القيس إلى عرائش نزار قباني معروفة لدى المتأدب العربي. وهي جميعاً تقف على القطب الثاني من مواقف التراث الأوروبي بدءاً من الأغريق حتى بدايات القرن الثاني عشر في أوروبا. وقد كان لهذا المفهوم الجديد للحب وصوره في الشعر الجديد الوليد في إقليم بروفنس دوافع للبحث عن المصادر، بحثا في التاريخ وفي النصوص السابقة عليه، مع كثير من المقارنات.
كان أول الشعراء التروبادور المعروفين لدى الباحثين هو كيّوم التاسع (1071 ـ 1127) وقد تبعه من الشعراء الأمراء والصعاليك حوالي أربعمئة، لدينا أغلب قصائدهم محفوظة في مواضع شتى، إلى آخر المعروفين منهم وهو كيرو ريكيير (1230 ـ 1292) . يتحدث هؤلاء الشعراء الجدد عن حب هو مزيج من العفة والتبذل، أطلق عليه الباحث الفرنسي كاستون باريس عام 1883 اسم «الحب البلاطي» وهي الترجمة التي اقترحتُها لهذا النوع من الحب الذي يحتفل به هذا الشعر الجديد، لأنه حب وشعر نشأ من بلاطات الأمراء، مثل كيوم» وحفيدته الكونتيسة ماري ده شامبين. هذا حبٌ غير مشروع، يبقى طي الكتمان، مثل الحب في جميع بلاطات العالم. لكنه حب بعاطفة مشبوبة، ترتفع بالعاشق إلى مستوى النُبل، وترفع من قدره بين الرجال، وهذه مفارقة يصعب تقبّلها.
يقول كيوم في قصيدته رقم 8 من بين قصائده الاحدى عشرة «أود أن ألقي بنفسي اليها/لأنني من دون حبها لا أقوى على العيش». ويقول ثيركامون (اشتهر بين 1135 ـ 1145) في قصيدته رقم 2: «السيدة التي تسمعونني أتغنّى بها/هي أجمل مما أستطيع وصفه/نضِرة المحيّا، بهيَّة للنظر/شقراء، لا تشوبها شائبة/بلى، وهي ليست مزوَّقة». والعاشق في شعر التروبادور مطيع خاضع للمحبوبة، وهي أعلى منه منزلة، يخاطبها باسم «سيدي» فهي منه بمنزلة الإقطاعي. يقول برنارده ﭭينتادور في القصيدة رقم 33: «سيدتي، أنا طوع يمينك وسأبقى كذلك/جاهزاً من أجل خدمتك». والحب منبع الخير في رأي ماركبرو: «آه، أيها الحب الصافي، يا نبع الخير/بكَ يستضيء العالم جميعاً». ويرى برنار في القصيدة رقم 2 مخاطبا نفسه: «يا برنار! يصعب أن يكون فاضلاً أو مهذباً/من لم يكن مرتبطاً بالحب». ويكرّر في القصيدة رقم 21: «لا شيء يجعل المرء أعلى منزلة/من دون الحب وخدمة النساء/فمن هنا ينبع السرور والطرب/وكل ما يتّصل بالرفعة».
هذه أمثلة قليلة من هذا الشعر الجديد على أوروبا من بدايات القرن الثاني عشر فصاعداً. لم يستطع الباحثون الأوروبيون، والأمريكان من بعدهم، الوصول إلى نتائج مقبولة من بحثهم عن سوابق في التراث الإغريقي أو الرومي اللاتيني أو حتى في التراث المحلي (الذي ضاع)! يمكن أن يفسر هذا الظهور المفاجئ لشعر يدور حول الحب الدنيوي والمرأة الدنيوية. لكن البحث في تراث الشعر العربي كما ازدهر في الأندلس، والبحث غير المتعصِّب دينياً أو عرقياً في العلاقات بين ممالك الأندلس وممالك الشمال المسيحي وما وراء جبال البيرانيس التي لم تكن حاجزاً بين اسبانيا وفرنسا، هو البحث الذي أظهر وجوه شبه لا يمكن نكرانها بين تراث الشعر العربي ووريثه الأندلسي وبين ما ظهر في هذا الشعر الأوروبي الوليد.
في عام 890 ظهر ببغداد العباسية كتاب لابن داود الظاهري بعنوان «الزُهَرَة» اي فينوس/أفرودايته، ربَّة الحب، وهو كتاب من خمسين باباً يقدِّم أشعاراً تصف الحب وفنونه في التراث العربي، في كل باب مئة بيت من الشعر العربي السابق على القرن التاسع، تاريخ الكتاب. وجاء بعده ابن حزم الأندلسي وكتابه «طوق الحمامة في الألفة والألاّف» يقدم ثلاثين باباً في وصف الحب، يمثل لها بكثير من الشعر. عاش ابن حزم بين 994 ـ 1064م وكتب «الطوق» بين 1027 ـ 8م. ثم جاء الراهب الفرنسي اندرياس كابيلانوس الذي كان في خدمة الكونتيسة ماري فطلبت منه أن يكتب كتاباً في وصف الحب وشؤونه، فكتب «عن الحب» بين عامي 1184 ـ 6. ففي تحليل دقيق لكتاب أندرياس في قسميه الأولين نجده يكاد يكون محاكاة لكتاب «الطوق» السابق عليه. وقد شاع الكتاب في عهد الكونتيسة ماري ده شامبين، مما أغاظ الكنيسة، فكتب الراهب قسماً ثالثاً ينسف كل ما قدمه في القسمين الأولين عن فضائل الحب، فعاد ليقول إن المرأة «شرّ» وأن الحب «خطيئة» واصفاً المرأة بأبشع الأوصاف، فاستمر غضب الكنيسة على الرغم من «فعل الندامة» هذا من جانب الراهب الكاثوليكي، فامتد الغضب حتى صدر الأمر بالتحريم الكنسي للكتاب عام 1277 مع 219 كتابا غيره، منها كتب ابن رشد.
لدى النظر الدقيق في كتاب ابن داود وكتاب ابن حزم نجد محاكاة عجيبة بين ما ورد في الكتابين من أوصاف للحب والموقف من المرأة، مما كرَّره آندرياس كابيلانوس في كتابه باللاتينية، تنعكس جميعاً في شعر التروبادور من القرن الثاني عشر فصاعداً، ثم في أعمال شعراء صقليا وايطاليا حتى ﭙتراركا وعشيرة «الاسلوب العذب الجديد» وما أورثوه ﺇلى وايات وسَري وشعراء القرن السادس عشر الانكليز ومن تبعهم بعد ذلك.
أما كيف انتقل تراث الشعر العربي عن طريق الأندلس إلى الجنوب الفرنسي، فأولد شعر التروبادور بلهجة بروفنس ليمتد بعدها إلى صقليا فإيطاليا فبقية أوروبا، فهو سؤال تجيب عنه حقيقة أن الأندلس مزدوجة اللغة حملت سفراء أندلسيين شعراء إلى ممالك فرنسا ويسَّرت لعدد من ملوك الأندلس وخلفائها أن ينظموا شعراً بلغة الأم الرومانية إلى جانب لغة الأب العربية، وسهَّل الانتقال والمثاقفة غياب عوائق بين البلاد، وغياب شيء اسمه «جواز سفر».

بدايات شعر الحب الأوروبي

عبد الواحد لؤلؤة

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية