عمان ـ «القدس العربي» : بعد انتخاب مجلس شورى جديد للإخوان المسلمين في الأردن بالرغم من إغلاق مقراتهم وحظر نشاطاتهم وضمن الاستحقاق القانوني الزمني الخاص بهم، يمكن القول ان الجماعة الإخوانية وهي الأعرض في البلاد بدأت في اجراء المشاورات التي تستهدف مرحليا وقبل التعاطي مع المواقف التصعيدية من الحكومة والدولة ثلاثة ملفات.
الملف الأول هو الانتقال من حالة التشاور للتوافق على تركيبة وهوية المكتب التنفيذي الجديد والذي سيقود الجماعة في المرحلة اللاحقة المصنفة باعتبارها من أصعب المراحل في الاستحقاق الداخلي.
ومكتب تنفيذي الإخوان يلعب دور حكومة الجماعة عمليا المفوضة بإدارتها في السياسة والإعلام والمجتمع من مجلس الشورى الذي يمثل السلطة المرجعية التشريعية بالتالي.
الملف الثاني على جدول أعمال الجماعة الطارئ وهي تحت ضغط إغلاق المقرات والمضايقات ذات البعد الأمني والمساس بشرعية ترخيص الجماعة، هو ملف انتخاب مراقب عام جديد لجماعة الإخوان خلفا للمراقب العام الحالي الشيخ همام سعيد الذي انتهت ولايته القانونية قبل ان يعلن عدم نيته الترشح مجددا لموقع لمراقب العام.
الملف الثالث وبالتراتب الزمني، سيكون معنيا باتخاذ الجماعة لتوصيتها النهائية بخصوص المشاركة في الانتخابات المقبلة الوشيكة على البلاد أو عدم المشاركة.
في المسار الأول الخاص بالمكتب التنفيذي، يمكن القول مبكرا ومن باب التحليل المعلوماتي ان القوى الأساسية في مجلس الشورى ستحسم الأمر لصالح مكتب تنفيذي يمثل الانحيازات الجديدة في مجلس الشورى، وهو بمثابة البرلمان الداخلي.
قياسا لما وصل من معطيات لـ«القدس العربي» بخصوص مجلس الشورى الجديد، لا تبدو البوصلة في اتجاه اتخاذ قرار المشاركة في الانتخابات وقياسا بتركيبة المجلس، تعزز الحضور الشاب من تيار الجيل الثاني، وبقيت بعض الأسماء القديمة فيما غابت الأسماء الصقورية المخضرمة، لصالح تركيبة أكثر مرونة لكنها أكثر ذكاء وصرامة في الحفاظ على وحدة الجماعة الداخلية والالتزام بمنهجها ومقرراتها.
لذلك يمكن القول، ان تنفيذ الإخوان المقبل والذي قد يحتاج لستة أو ثمانية أسابيع بعد انجاز المشاورات الشاملة، سيعكس طبيعة القوى في مجلس الشورى الجديد.
ويمكن القول ان التمكن من مؤسسة مجلس شورى ضمن الاستحقاق القانوني الانتخابي وتدشين مرحلة التشاور دليل إضافي على حيوية الإخوان المسلمين واستطاعتهم تجاوز الحصار المفروض عليهم بعد إغلاق مقراتهم الرئيسية بالشمع الأحمر وفي عدة مدن ومحافظات.
في المسار المختص، للملف الثاني، بدا واضحا ان الشيخ همام سعيد الذي يعتبره المنشقون عن الإخوان المسلمين عنوانا للأزمة الداخلية برفقة نائبه الخارج منذ أسابيع من السجن الشيخ زكي بني ارشيد، لا ينوي التقدم مرة أخرى والاحتفاظ بموقع المراقب العام.
ومن المرجح ان الشيخ بني ارشيد الذي كرسته أصلا حملة الضغط على الإخوان مرشحا قويا لموقع المراقب العام قد يزهد.
في هذا الموقع حرصا على الصالح العام خصوصا وان ارشيد هو الذي يقف وراء فكرة التصويت للقيادي الشهير الدكتور عبد اللطيف عربيات مراقبا عاما. عربيات معروف باعتداله الشديد وبقربه من النظام في عهد الملك الراحل حسين بن طلال.
عندما سئل عربيات عن قبول الترشيح لموقع المراقب العام، تحفظ الرجل بقوة، تجنبا للبقاء في الصدارة في مرحلة الانقلاب الحكومي والأمني والسياسي على جماعة الإخوان.
بالرغم من ملاحظات الدكتور عربيات السلبية على أداء الدكتور همام سعيد، إلا ان عربيات صرح مؤخرا أنه سيكون آخر أخ مسلم وبالتالي يحتفظ ببقاءه في الجماعة بالرغم من كل ما يحصل.
بهذا المعنى وبسبب الانقلاب الرسمي على الجماعة وعدم وجود قنوات حوار، يفضل الدكتور عربيات عدم تصدر المشهد في مرحلة تقييد حريته كمراقب عام مفترض وعدم وجود مبادرات حوار من قبل الدولة.
ومع انحسار المقترح المتعلق بإمكانية ترشيح الشيخ حمزة منصور، وهو أيضا من رموز الاعتدال لموقع المراقب العام، يمكن القول ان قائمة الترشيحات لهذا الموقع الحيوي والمهم قد تبدو خالية مرحليا إلى ان تنتهي التشاورات بأجندة سياسية محتملة تناسب مرشحا مختلفا.
فيما يخص الملف الثالث المتعلق بالانتخابات الوشيكة، تلعب الاحتمالات أيضا، فبعد إغلاق المقرات ورصد المطبخ الإخواني لرسائل في منتهى الخشونة وفي عدة مناسبات، بدت موجة تأييد ومساندة المشاركة في الانتخابات ضعيفة ومتهالكة قياسا بالنقاشات التي سبقت بأسابيع إغلاق المقرات، وطالت حصريا ملف قانون الانتخاب الجديد.
المزاج الآن في صفوف قواعد الإخوان المسلمين ليس في صالح المشاركة في الانتخابات، بالرغم من القرار المسبق ان القانون الجديد يغادر صيغة الصوت الواحد الطاردة لجماعة الإخوان.
والمزاج داخل مجلس الشورى الجديد يبدو انه يعكس إلى حد ما الأمر.
وبهذا الخصوص يمكن القول ان النهايات مفتوحة على الاحتمالات عندما يتعلق الأمر بالمشاركة في الانتخابات المقبلة أو مقاطعتها، والمسألة قد تكون رهنا بالمشوار الذي ستقطعه حاليا وخلال أربعة أسابيع مقبلة أزمة القطيعة مع الإخوان المسلمين.
في العادة يستفتي حزب جبهة العمل الإسلامي، وهو الذراع الحزبية للإخوان قواعده العامة بشأن المشاركة في الانتخابات من عدمها.
هذه العادة ستستمر لهذا الموسم أيضا، حيث لم تبدأ خطوة هذا الاستفتاء بعد بالرغم من ان الاستفتاء داخل التنظيم لا يلعب دورا حاسما في اتخاذ القرار والهدف منه البقاء في أقرب نقطة ممكنة للكوادر، لأنها المعنية بالعمل المجهد أثناء الانتخابات وبالتالي استشعار مزاجها مهم ومؤثر.
على ان ينظم مثل هذا الاستفتاء بالتمازج المشاورات ما بين حزب جبهة العمل ومجلس شورى الإخوان المسلمين يمكن القول ان القرار القطعي لم يتخذ بعد على مستوى المؤسسات الداخلية في الحزب وهو قرار سيتخذ في النهاية.
لكن حتى الآن لم تتحدد، واستنادا إلى مصادر «القدس العربي» المطلعة إطلاقا بصفة قطعية أي منهجية لها علاقة بخوض الانتخابات أو مقاطعتها.
البوصلة الأهم في السياق والمسار، قد تكون في ترديد الإخوان المسلمين للسؤال التالي: هل يريد منا النظام المشاركة فعلا في الانتخابات؟
عند مخاطبة هذا السؤال بالمنطق يتحدث قادة الإخوان المسلمين ومنهم الأمين العام لحزب الجبهة الشيخ محمد الزيود، عن إغلاق المقرات والرسائل الخشنة مثل المداهمة الأمنية لمقر الحزب نفسه، باعتبارها خطوات تقول ضمنيا ان السلطة لا ترغب بمشاركة التيار الإخواني في موسم الانتخابات الوشيك.
يزيد بعض رموز الإخوان على مثل هذه الخطوات استفزازات مقصودة وجديدة وطارئة على شكل مضايقات متعمدة عنوانها الأبرز العودة لأجواء ومناخات الأحكام العرفية. هنا تحديدا يتحدث مطبخ الإخوان عن استدعاءات أمنية برزت بقوة على السطح مؤخرا لمئات من كوادر الإخوان في الميدان، وهي استدعاءات غير مبررة إطلاقا.
كما يتحدث المطبخ عن اعتقالات تجري بين الحين والآخر وعن سحب جوازات السفر ومطالبة أصحابها بمراجعة الإدارات الأمنية، وعن مضايقات تتعلق بسفر ومغادرة كوادر وبعض قيادات الإخوان للخارج، حيث يتم تعطيل وتأخير المغادرون من صالات المطار في مئات الحالات أيضا، كما تقول المصادر، فيما تصادر جوازات سفر العائدين من الخارج ويطالبون بمراجعة الأجهزة الأمنية.
يقول إخوان الأردن انهم لا يعرفون لماذا تتصدر هذه المضايقات وان النظام لم يتصل بهم أصلا ولم يطالبهم بأي شيء محدد ولم يعترض على شيء محدد أيضا.
بالتالي ومع عدم وجود رواية تبرر مثل هذه المضايقات والاستفزازات، يبقي الإخوان المسلمين سؤالهم حول نوايا الدولة الحقيقية بشأن رؤيتهم في الانتخابات المقبلة مشاركين وأعضاء في البرلمان معلقة، وتبحث عن إجابة رغم ان جماعة الإخوان تبدو مقتنعة في ان البرلمان ليس قويا والعضوية فيه لا تحدث فارقا عمليا بعد التعديلات الدستورية الأخيرة وان حواضنهم الاجتماعية ستبقى فعالة بصرف النظر عن المشاركة في الانتخابات المقبلة.
على هذا الأساس تبدو جماعة الإخوان قادرة على توفير المرونة السياسية اللازمة لإعلان موقفها العميق والنهائي من الانتخابات، في ضوء المستجدات وفي اللحظة المناسبة من وجهة نظر الأجندة الإخوانية، وحتى تصل الاستهدافات والمضايقات والضغوط إلى مناطق واضحة الملامح يمكن تلمسها وفهمها وشرحها.
الأمر المستعصي الآن في رأي الجماعة الإخوانية ليس فقط بسبب خطوات من طراز إغلاق المقرات والتشكيك بقانونية وشرعية الجماعة.
ولكن أيضا بسبب عدم وجود قنوات اتصال حقيقية بين الجماعة والدولة ومؤسساتها ورموزها، يمكن ان تنتهي بأي تقاهم من أي نوع، الأمر الذي كان يحصل دوما في الماضي لكنه وبوضوح شديد لا يحصل اليوم.
إلى ان يحصل ذلك، يترقب الإخوان المسلمون المعطيات والمستجدات كما يفعل أيضا الرأي العام، وإلى ان يفهم كل طرف الآخر قد تصبح المشاركة في الانتخابات أمرا لم يعد ضروريا في الواقع العملي.