الجزائر: عودة الحديث عن صراعات الخلافة وسط انسداد في الأفق!

حجم الخط
13

الجزائر ـ «القدس العربي»: تعيش الجزائر وضعا غريبا لم تعشه منذ الاستقلال، فلأول مرة تتلبد الغيوم على مستوى القمة إلى درجة أن الرؤية تصبح منعدمة، ويصبح من الصعب توقع ما هو آت، فالضبابية التي تلف المشهد السياسي تجعل الجزائريين يعيشون وضعا غريبا، فهم في انتظار شيء لم يحدث، ولا أحد يعرف متى يمكن أن يحدث، وضع مؤقت أصبح هو الوضع العادي، الأمر الذي أدخل البلاد في حالة من الشلل غير المعلنة.
الرئيس عبد العزيز بوتفليقة الذي أعيد انتخابه سنة 2014 لولاية رئاسية رابعة تمتد حتى عام 2019 وفي ظروف صحية صعبة، يسير في هذه الولاية الرابعة دون مشروع أساسي تلتف حوله المشاريع الأخرى، كما أن الظروف الصحية للرئيس غيبته عن المشهد السياسي، ومهما يقول الذين يدورون في فلك الرئاسة عن قدرات الرئيس العقلية السليمة ومتابعته لشؤون البلاد، إلا أن كل ذلك لم ولن يعوض الفراغ الذي تركه الرئيس بانسحابه من المشهد السياسي، فبوتفليقة لم يكلم الجزائريين منذ 2012، والرسائل التي تتلى عليهم في التلفزيون الحكومي بين فترة وأخرى، وظهورة لبعض ثوان مستقبلا ضيوف أجانب، لا تغير في هذا الواقع شيء، لأن بوتفليقة وفي ولاياته الثلاث الأولى كان دائم الحضور، فلم يكن يكاد يمر يوم دون أن يدلي بتصريح، أو يقوم بزيارة ميدانية، أو يسافر إلى دولة، أو يفتتح معرضا أو ندوة، كل هذا النشاط اختفى فجأة، تاركا المجال أمام حكومة تعترف الموالاة قبل المعارضة أنها فشلت في تحقيق المطلوب منها، ووزراء يضربون خبط عشواء، وأشباح تتحرك خلف الكواليس، في مشهد تطغى عليه الفوضى والضبابية وغياب قائد داخل المقصورة!
في ظل هذه الأجواء التي تزيد في تعقيدها أزمة اقتصادية حادة، بسبب تراجع أسعار النفط، وغياب استراتيجية حقيقية لمواجهتها، يعود الحديث عن الخلافة، وعن الصراعات التي تدور حول هذه الخلافة، حتى وإن كان توقع انسحاب بوتفليقة من الرئاسة وتنظيم انتخابات مبكرة ضربا من الجنون، فالجميع يعلم أن بوتفليقة يجسد الرئاسة مدى الجياة، ولكن هذا لا يمنع الصراعات لتحضير الخليفة.
وفي خضم الصراع الصامت وغير المعلن داخل دواليب الحكم، عاد الحديث عن صراع بين قائد أركان الجيش الفريق أحمد قايد صالح وشقيق الرئيس ومستشاره والرجل القوي في السلطة الحالية السعيد بوتفليقة، وفي إطار الكلام عن هذا الصراع، سواء كان حقيقيا أو مفتعلا أو مبالغا فيه، تداولت مواقع إخبارية خبرا مفاده أن قايد صالح ( 76 عاما) سيغادر منصبه قريبا، بسبب هذه الصراعات أو الخلافات، وليست هذه المرة الأولى التي يتم فيها الحديث عن قائد أركان الجيش، فقد تنبأ المراقبون أن يحال إلى التقاعد مباشرة بعد إحالة الفريق محمد مدين المعروف باسم الجنرال توفيق قائد جهاز الاستخبارات السابق إلى التقاعد في سبتمبر/ أيلول الماضي، لكن ذلك لم يحدث، وقيل آنذاك أن العرض الذي قدم إلى قايد صالح هو التخلي عن قيادة الأركان والاحتفاظ بمنصبه كنائب لوزير الدفاع، وهو الأمر الذي رفضه المسؤول الأول عن الجيش، لأنه يعرف أن في ذلك نهاية نفوذه، ليتحول إلى مجر نائب لوزير الدفاع يغادر موقعه نحو النسيان مع أول تغيير أو تعديل حكومي، وبحسب المعلومات المتداولة هذه الأيام، فإن الخلاف حول هذه النقطة يبقى قائما.
المشكل في الخريطة الحالية لنظام الحكم، هو أن الكثير من موازين القوى انقلبت، وتغيرت أيضا الكثير من الثوابت، كما أن الجهة التي بيدها الحسم لم تعد ظاهرة للعيان. صحيح أن الجميع شبه متأكد أن الرئاسة أصبحت تحوز على صلاحيات أكبر منذ تراجع دور ومكانة جهاز المخابرات الذي كان يوصف بـ»صانع الرؤساء»، إلا أن دور وثقل المؤسسة العسكرية في الخريطة الجديدة ليس واضحا، وبالتالي يصعب معرفة طبيعة ميزان القوى الجديد. وصحيح أيضا أن التخلص من الجنرال توفيق جاء بعد عملية استنزاف طويلة المدى ساهم فيه الفريق قايد صالح الذي أخذ يضع يده على صلاحيات قائد جهاز المخابرات تدريجيا، من خلال اقتطاع مديريات كانت تابعة للمخابرات وضمها إلى قيادة الأركان، لكنه بذلك هيأ الظروف من حيث لا يعلم لكي يتم التخلص منه عند أول فرصة، خاصة وأن الخليفة جاهز، إذ يجري الحديث عن الفريق بن علي بن علي قائد الحرس الجمهوري، في حين يرشح آخرون اللواء السعيد باي قائد الناحية العسكرية الثانية.
أما بالنسبة لخلافة بوتفليقة فالأمور أكثر ضبابية، لعدة أسباب، أولها أن أي راغب في الترشح (ضمن الفريق الحاكم) لا يمكن أن يظهر طموحه الآن، لأنه سيقضي عليه ويخرجه إلى دائرة المغضوب عليهم، وثانيها أن الصراعات داخل النظام لم تحسم بعد، فكل طرف يريد أن يفرض مرشحه، وهنا أيضا يصعب تحديد عدد الأطراف، حتى وإن كان من الممكن القول مسبقا أن هناك طرفين، الأول يتمثل في جناح الرئاسة يقوده السعيد بوتفليقة، الذي يريد الاستمرارية، والثاني يتمثل في المؤسسة العسكرية، التي تدرك أنه سيكون عليــــها التـــدخل (مجددا) إن ســــاءت الأمور وخرجت عن الســـيطرة، ولكـــن هنـــاك من يعتقد أن هناك جناحا ثالثا غير ظاهر على الخريطة، وهو ما يسمى بالدولة العميقة!
وبين هاته الأطراف يتم تداول أسماء مرشحة للخلافة، بينها عبد المالك سلال رئيس الوزراء الحالي، ومدير الديوان الرئاسي أحمد أويحيى، وكذا اللواء عبد الغني هامل المدير العام للأمن، وحتى أحمد قايد صالح الذي ينسب إليه طموح تولي الرئاسة، في سيناريو شبيه بتولي الفريق السيسي الرئاسة في مصر، في حين يبدو اسم شكيب خليل وزير الطاقة الأسبق مستبعدا، والذي بدأ يظهر بشكل واضح أنه يمارس بخرجاته نوعا من تحويل الأنظار، وقد تكون هناك أسماء أخرى لم تكشف بعد، وستظهر في وقت لاحق.

الجزائر: عودة الحديث عن صراعات الخلافة وسط انسداد في الأفق!

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية