لم تصل حالة الصدام بين جماعة الإخوان المسلمين والسلطات الأردنية يوما، إلى حد اغلاق المقرات كما حدث مؤخرا. وهو ما يؤشر على ان العلاقة التاريخية التي جمعت الطرفين قد انتهت إلى غير رجعة، وان لعبة تبادل الأدوار التي كانت قائمة منذ أكثر من خمسين عاما قد انتفت الحاجة إليها في ظل معطيات سياسية، باتت تفرض نفسها في الملف الأردني الداخلي وفي طريقة تعاطي النظام عموما مع الشأن الداخلي.
ما بعد الربيع العربي
الحاصل ان الأردن الذي انحنى لعاصفة الربيع العربي ونجح بامتياز في تفادي ما حصل في دول الجوار، نفذ التفافة أمنية بمجرد ان هدأت العاصفة ووضعت أوزارها، فشرع في حملة انتقام ناعم من الحراك الشعبي الذي كان يقوده الإخوان المسلمون.
فأجهزت الدولة تماما على الحراك، وشتتت رموزه ما بين حبس ولجوء سياسي، وقسمت الإخوان من الداخل، وعرفت كيف تعبث بقدسية وحدة الجماعة، ولعبت بحرفية على الملفات المسكوت عنها إخوانيا مثل العلاقة مع حماس و»التنظيم الداخلي» والمناطقية، وتراتبية القيادة، وثنائية الشباب والشيوخ، وكان البدء من التحرك الذي نفذه المراقب العام السابق عبد المجيد الذنيبات مع ثلة من الأسماء البارزة في اتجاه أول انشقاق حقيقي وفاعل في صفوف الجماعة وبرعاية رسمية ودعم حكومي تحت يافطة «تطبيق القانون».
وحالها حال بعض الأنظمة الشمولية، رسخت بعض قيادات الإخوان داخل المؤسسة الإخوانية حالة شبيهة بالدولة العميقة التي وقفت حجر عثرة في طريق نجاح بعض الثورات العربية. فبرزت إلى وسائل الإعلام التي تتعاطى مع الشأن الإخواني لأول مرة مصطلحات تعدد الولاءات، والشللية، والمناطقية، والفئوية لتجسد بحق حالة التشرذم التي تعايشها أقدم التنظيمات السياسية الأردنية وأكثرها عراقة.
ربيع إخواني
انقضى العام 2015 وفي ذيوله كثير من التباين في المشهد الإخواني، بدءا من آخر انتخابات لمجلس الشورى آنذاك، ومحاولة التيار المتشدد في الجماعة فرض رموزه، مرورا بمشروع زمزم وتحويل القائمين عليه إلى المحاكم الإخوانية ومن ثمه اشهاره، وانتهاء بالخلاف على السياسة الداخلية والخارجية للجماعة تجاه ملفات من قبيل الحراك الشعبي والأحداث في سوريا ومصر.
مرت الجماعة بالكثير من المنعطفات في سنوات سابقة وكانت في كل مرة تنجح في تجاوز أزماتها لكنها هذه المرة باتت تعاني من خلل بنيوي عميق يهدد وجودها بشكل قد لا يؤدي إلى اندثارها تماما، وانما إلى تحولات جذرية في أدوارها وإلى قولبة لهيكلها التنظيمي القائم على فكرة «الجماعة» باتجاه فكرة «الجماعات».
ثلاثة تحديات
في 2016 الجماعة أمام تحديات ثلاثة. أولها الداخل والقاعدة الجماهيرية الآخذة بالتآكل يوما بعد آخر بعدما فشلت الجماعة في اثبات وجودها من خلال الحراك الشعبي وتبني خطاب سياسي مقنع الأمر الذي تحول إلى انكفاء وعزوف عن النزول إلى الشارع بحيث أعلن النظام السياسي بشكل صريح عن نهاية الحراك متكئا على ما حدث ويحدث في مصر من سقوط مدو للإخوان هناك بفعل الانقلاب.
التحدي الثاني هو قدرة الإخوان على الاستمرار كجماعة في ظل الانشقاقات المتعددة، فالإخوان بالنسبة للمتلقي اليوم هم 5 جماعات لا جماعة واحدة وهي «زمزم» و»جمعية الذنيبات» و»الجماعة الأم» و «الحكماء» و»حزب جبهة العمل الإسلامي». وبالمناسبة ثمة من يتحدث عن جماعة سادسة قائمة على تيار الشباب الغاضب والمتذمر من الحال الذي وصلت إليه الجماعة.
أما التحدي الثالث فهو مآل العلاقة التاريخية بين الجماعة والنظام السياسي في الأردن والتي بدأت تاخذ أبعادا جديدة من الجفاء والفتور إلى الصدام والاقصاء وربما لاحقا الاحلال والاستبدال، بمعنى اتخاذ النظام رديفا شعبيا بديلا للإخوان في الشارع. غير بعيد عن ذلك تبدو الجماعة في حالة سبات تام ازاء ما يجري من أحداث محلية وخارجية، فهمها الداخلي يكفيها مؤونة الانشغال بما يحدث حولنا.
الخلاصة ان جماعة الإخوان في الأردن ليست في أفضل حالتها وانها تعيش مخاضا داخليا على صلة وثيقة بما يحدث في مصر وبحالة التوازن السياسي التي يحاول الأردن الرسمي التظاهر بها أمام الجوار الملتهب.
مطلوب إضعاف الإخوان انتخابيا
بخلاف كثير من التحليلات التي تتحدث عن طلاق نهائي بين الإخوان والدولة الأردنية، أرى ان هذه الحملة، هدفها إضعاف الإخوان وليس انهاءهم. بهدف اجبارهم على اللعب سياسيا وفق ما هو مرسوم ومحدد سلفا، كما ان من أهدافها إرضاء أطراف إقليمية ودولية وحتى داخلية.
المطلوب إذا بالنظر إلى النتائج المتواضعة التي يحققها الإخوان تباعا «نقابة المعلمين، نقابة أطباء الأسنان… الخ» هو اضعافهم انتخابيا، استعدادا لاستحقاق برلماني يتوقع ان يكون خلال الأشهر المقبلة، يفترض ان يكون للإسلاميين فيه حظوظ جيدة.
ما لا يفهمه عقل الدولة ومطبخها السياسي، ان الإخوان المسلمين مهما بلغ حجم الخلاف معهم أو النقد لانتهازيتهم السياسية، فهم تيار أصيل معتدل، وتخوينه وتجريمه وإغلاق مقراته يعني الاضرار بالوحدة الوطنية والنسيج الداخلي.
طارق ديلواني