الفيلم الإنكليزي «ناطحات السحاب»… جغرافية الإسمنت المريرة

حجم الخط
1

مراكش ـ «القدس العربي»: تترجم هذه المقولة: «المستقبل الفريد الذي يهمني هو الدقائق الخمس المقــــبلة « للكاتــب الإنكليزي ج . ب. بايار، فيلم «ناطحات السحاب» للمخرج بن ويتلي.
فيلم «ناطحات السحاب» أو «الارتفاعات الشاهقة»، «الطوابق العالية» (خروج الفيلم مايو/أيار2016/ المملكة المتحدة/ سنة الإنتاج 2015/ موسيقى كلينت مانسيت/ المونتاج: المخرج رفقة زوجته إيميل جوم/119 دقيقة/إنتاج بريطانيا، بلجيكا، أيرلندا).. من فصيلة أفلام الخيال العلمي وفيلم سريالي بامتياز.. يبتدئ الفيلم بلقطة للدكتور روبير لين (أدى الدور توم هيدلستون) وهو عار تماما في شقته في إحدى العمارات الشاهقة وهو يتناول وجبة كلبه المذبوح. ينطلق الفيلم في أجواء من الفوضى في لقاء بطل الفيلم الدكتور روبير لين في وضعيته وإقامته المريحة والمترفة.
جدوى الاستمرار والاحتفالات التدريجية وعدم الانضباط هي ما تتأسس عليه رؤية بطل الفيلم، حيث يسبح في الفراغ ويجعل من موضوع الانهيار الممكن، سببا قائما ووحيدا لسلامة العقل. ما يجعل سينما بن ويتلي (من مواليد 1972/إنكلترا) رفقة المخرج الإنكليزي بيتر ستريكلاند أكثر مفاجأة ومتعة في الوقت ذاته.
وعلى هذا الأساس يمكن قراءة الفيلم على هذا التعاقب المنطقي، وهذا الانحراف في مسيرة المخرج الذي ابتدأ منذ 2009 بفيلم «شرفة أسفل» واستمر مع فيلم «لائحة القتل» (2011) وفيلم «سياح» (2012).
مخرج برؤية غير مألوفة تنغمس كليا في نقد الواقع .. مشهد البطل وهو يتناول كلبه في إحدى ناطحات السحاب وهو يتذكر مرة ثانية السبب الذي حدث في هذه الشقة الكبيرة في الشهور الأخيرة… احتفال غص بالأطباء والمهندسين ونجوم السينما والساسة.
في سنة 1975 استوحى الكاتب الإنكليزي ج. ب.بايار فكرة إقامة العمارات الشاهقة وناطحات السحاب ونقل مجمعات سكنية خارج مدينة لندن.. يتزامن ذلك بظهور المرأة الحديدية مارغريت ثاتشر بمشروعها لفرض عقيدتها السياسية. ويركز الفيلم على نقد جغرافية الإسمنت المريرة التي تنتشر من دون أن تمنح للإنسان فرصة الالتقاء بالطبيعة والتأمل.
ينبني الفيلم على عمل روائي بالعنوان نفسه للروائي بايار بعد أكثر من أربعين عاما على صدور الرواية. ويزخر بالكثير من التقابلات بين الإنسان والمكان الذي يسكنه.. بين الفضاء الخارجي والداخلي بين الفراغ والامتلاء.. بين صعود الطبقة الوسطى واختفائها تدريجيا. يلعب المخرج وهو كاتب السيناريو رفقة زوجته إيميل جومب في إبراز هذه التقابلات بشكل ذكي بعيدا عن تقديمها بشكل مباشر. يعتقد بطل الفيلم أنه يأتي إلى المكان الذي يمكن أن تتحقق أحلامه في التقدم الاجتماعي: ناطحات السحاب والارتفاعات برمزيتها من وضع متدن إلى وضع أعلى.. وهي الفكرة التي تسيطر على الفيلم لوصف اللامعقول والضوضاء بأشكال وآليات مختلفة بما فيها ذاك الخراب التدريجي لكل شيء صلب ينبعث من الإسمنت والتحجر والصلابة.
يبدو جريمي إيرونز، المنظر والمهندس لهذا العمل المعماري ويبدو ريتشارد ويلدر(أدى دوره لوك إيفانز) محموما في حين بدت شارلوت ملفيل (أدت دورها سيرنا ميللر) مجنونة. فمن السمات الكبرى لسينما المخرج بن ويتلي هو تحويل السخرية السوداء إلى غضب مسعور. الفكرة التي يتبناها المخرج مغادرة أي مرجعية كيفما كان لونها. الفيلم بخلفيات وديكور ولباس سنوات السبعينيات من القرن الماضي، ويعيدنا إلى مفهوم الفقاعات العقارية، ويذكرنا هذا العمل بكوميديا «متوحشة» تكشف عن نص واقعي لا يدعم سوى التعاطف كدليل على القراءة.
من جهة ثانية يطرح المخرج قراءة سياسية لعقد السبعينيات، حيث يظهر وجه مارغريت ثاتشر مألوفا وطاغيا. يقول المخرج إن فيلمه معاد لكل الأشكال الرأسمالية التي تجعل من الانسان فقط مستهلكا ومتحجرا يطوف في جزر جغرافية ومتاهات حجرية، من دون أي حس نقدي وتساؤلي.
في أفلامه الأخيرة ينحو المخرج في هذه الغرابة وهذا الجنون البوهيمي وهذا النقد لكل الأشكال الرأسمالية التي تجعل من الإنسان كتلة إسمنت مكومة، كما هو الحال في فيلمه «الثورة الإنكليزية» (2013)، وفيلمه الأخير «نار حرة» (2016).
مخرج تدرب طويلا في الأعمال الإشهارية وتقنيات الصورة وبتعاون في كتابة السيناريو رفقة زوجته، وكذلك في إبداعه في فن المونتاج. مؤهلات سمحت له أن يخرج هذا العمل الروائي بعد أزيد من أربعين عاما من السبات الطويل.
فقط عودة بسيطة لأعمال الروائي ج .ب . بايار مثل «ليالي الكوكايين» و«جزيرة الإسمنت» و«صدمة» و«الغضب المسعور» و«سوبر كان»… تحيل إلى قراءة المخرج لهذه الأعمال التي تنتقد ما وصل إليه الإنسان من حياة مريرة وسط عقول إسمنتية لا يتوفر فيها أي حس نقدي… بعيدا عن فكر التأمل والمساءلة.

الفيلم الإنكليزي «ناطحات السحاب»… جغرافية الإسمنت المريرة

من عبدالله الساورة

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية