يوميات رحلة إلى الجزائر

حجم الخط
5

بعد مرور اسبوع على الامطار الغزيرة عادت الشمس للظهور على الخليج الساحر للجزائر. شرفات المقاهي في ضاحية ديدوش مراد امتلأت مجددا، وفي مكان أبعد وعلى مداخل الحي الشعبي التاريخي باب الواد، لعب الاطفال كرة القدم في الساحة الجديدة بقرب البحر التي أقيمت من اجل السياح.
في مطعم «الدولفين»، أحد المطعمين الوحيدين اللذين لا يغلقان في المساء في الميناء، عادوا لتقديم سمكة «سان فاير» الرائعة وعدد من السياح الداخليين من ارجاء الدولة استمروا في الصعود إلى «مونومينت همرتريم» للثورة ـ مبنى اقواس معقد بارتفاع 92 متر وهو يطل على الخليج. وفي زاوية اخرى من المدينة ما زال ينتصب موقع «المسجد الكبير» الذي بدأ بناءه قبل 15 سنة، لكن الحكومة لم تسارع إلى اكماله. وقد بلغت تكلفته بين مليار إلى ثلاثة مليارات يورو.
ومؤخرا وصلت استشارات سلبية من خبراء الامان الذين يحذرون من انهيار المبنى. الشركة الالمانية التي بدأت بالبناء أخلت مكانها للصينيين.
كان من المفروض أن تكون مئذنة المسجد للرئيس بوتفليقة هي الاعلى في العالم، 165 متر، أكثر بـ 65 متر من مسجد الحسن الثاني في كازابلانكا. قاعة الصلاة الاكبر يفترض أن تستوعب 120 ألف من المصلين. وقد تم تأجيل افتتاح المسجد مرة اخرى إلى 2020.
لكن هدوء الربيع هو مسألة ظاهرية فقط. الجزائر هي مدينة قلقة وغير راضية. أولا، من الوضع الاقتصادي. انهيار اسعار النفط والغاز أضر بمدخولات بلد الطاقة ومداخيلها من التصدير تراجعة بنسبة 100 في المئة تقريبا والاسعار ارتفعت، بما في ذلك المواد الاساسية الحيوية، ونسبة البطالة ازدادت، وارتفع سعر الوقود ايضا بـ 40 في المئة منذ بداية السنة. الحديث يدور عن مدينة مخنوقة من السيارات. ولكن الوضع السياسي ايضا يبعث على اليأس.
يسيطر على الدولة رئيس على كرسي متحرك وغير قادر على قول أي كلمة، هذا عدا التهديد الامني. صحيح أن الوضع لا يشبه التسعينيات، حيث فتح رجال الجبهة الإسلامية الحرب الاهلية بعد منعهم من الفوز في الانتخابات، التي استمرت خمس سنوات وكانت نتيجتها نحو 100 ألف قتيل. وتم قطع رؤوس الكثيرين منهم، لم يخترع داعش تقنية التخويف هذه. ومنذئذ جاء إرهابيون من الجزائر لتنفيذ العمليات في فرنسا، وبفضل التعاون المحلي فقد تفجرت عبوات ناسفة في محطة الميترو في باريس. إن العداء التقليدي للمحتل السابق اقترن بانضمام الإسلام المتطرف الذي حملت لواءه في حينه «المجموعة الإسلامية المسلحة».
ما بقي اليوم من هذه المنظمة الإرهابية هو فقط «الذراع الجزائرية للقاعدة في شمال افريقيا». دخلت وحدة منها من ليبيا وهي المسؤولة عن اختطاف الاسرى والمذبحة في موقع الغاز «عين امناس» شرق الدولة في كانون الثاني 2013.
خاطفو وقاطعو رأس السائح الفرنسي هرفا غوردن في ايلول 2014 في منطقة تيزي اوزو في جبال كابيليا، وافقوا على تقديم الولاء لداعش.

التفكير بالسلام

هذا الماضي النازف هو السبب الرئيس في أن الربيع العربي لم يحدث في الجزائر. وأن هذا المصطلح يتم التعاطي معه هنا بسخرية وخوف. قادة المعارضة يستمرون في المطالبة بدمقرطة اجهزة السلطة، لكنهم يمتنعون بحذر عن الدفع باتجاه الثورة من اجل عدم ردع السكان. ورغم هذا الردع فان الجزائر اليوم لا تشبه الجزائر قبل عقد. النساء المحجبات يوجدن في كل زاوية إلى جانب اولئك الذين حافظوا على صورة المرأة الجزائرية الحرة.
احدى المشاركات في المنتدى الاقتصادي الجزائري الفرنسي الذي عقد في الشهر الماضي في فندق «الاوراسي»، قالت لي إن هناك عددا قليلا من النساء في الميدان الاقتصادي حيث لا توجد نساء اعمال، لأن السوق الجزائرية لا تثق بالنساء. ورغم الوعود إلا أن مكانتهن لم ترسخ بعد في الدستور الجديد. والنساء في البسطات المختلفة يعملن كمساعدات. ومن جهة اخرى هناك تواجد متواصل للنساء في الحياة السياسية وفي وسائل الإعلام.
على بسطة قريبة يقدم ممثل شركة «مزار»، التي تمنح الخدمات القضائية والمحاسبة للصفقات، يوجد مرشد لـ «التمويل البنكي الإسلامي»، حيث يتم ايضاح القوانين «هذا المجال ناجح في اوروبا وخصوصا في بريطانيا، فهناك تعمل كثير من البنوك حسب مباديء الإسلام والآخرون يريدون اعتماد ذلك ايضا»، كما قال.
الرئيس بوتفليقة استطاع في 2005 تمرير «ميثاق المصالحة الوطنية» الذي خرج في أعقابه قادة المعارضة من السجن. والآن في اطار الخطوات لمنع وجود الإسلام المتطرف، تعد الحكومة باعتماد وظيفة «مفتي الجمهورية» ـ وهذه سابقة في الدولة التي تعتبر نفسها «جمهورية ديمقراطية شعبية» وليس «جمهورية إسلامية» مثل باقي شركاء الجزائر في الجامعة العربية.
طلاب من الجامعة القريبة يشربون الشاي بقرب مبنى «البريد الكبير». تستمر الكولونيالية في التأثير الكبير في مركز المدينة. لا أحد من الطلاب يرى مستقبله في الجزائر. نيرمالا (21 سنة) لا تضع الغطاء على رأسها وهي ستنهي بعد قليل اللقب في البيولوجيا، وهي ترغب في مواصلة دراستها في فرنسا. إن عدد المقبولين ازداد في السنة الاخيرة، نحو 25 ألف طالب من الجزائر يدرسون في فرنسا. لطفي (18 سنة) هو ايضا رأى مستقبله في «الأخت الكبرى». ولكن منذ قالوا له إنه في أعقاب موجة العمليات في اوروبا، فان العنصرية ضد المسلمين قد زادت في فرنسا. وهي يفكر في السفر إلى بريطانيا أو المانيا أو النرويج. ويواجه رادا المشكلات في عملية التسجيل. «لقد سجلت لتعلم اليهودية واللغة العبرية ايضا، هذا لا يهمني. وما يهمني هو التفكير بالسلام والمستقبل.
تعلم الثقافة اليهودية يطل من اماكن كثيرة في الجزائر، مثل الجامعة في تيزي اوزو. ولكن إلى جانب ذلك زاد خطر التعرض للمسلمين. حمزة (21 سنة) هو خريج في علوم الحاسوب وهو خائب الأمل من صورة بلاده: «رئيس على كرسي متحرك ليس الشعار الافضل للدولة»، يتهم حمزة السلطات بأنها لا ترغب بالسياحة حيث اعتمدت على أن ينزل النفط من السماء، والآن بالذات يلاحظ غياب النفط. «في فرنسا التعليم افضل والمستشفيات افضل»، ويضيف «نحن لن نقوم باحداث ثورة بسبب ذكريات الحرب الاهلية».
في الميدان القريب من قصر الحكومة يتجمعون من اجل التظاهر. هذه المرة هم المعلمون الذين يطالبون بتحسين ظروفهم. سيارات الشرطة والجنود المسلحين توجد في المواقع الاستراتيجية دون التعبير عن العصبية.

العقدة المغربية

الاجهزة الأمنية الجزائرية حصلت على مدى السنوات الطويلة على سمعة دولية. فقد أنشئت ودُربت من قبل خبراء الكي.جي.بي السوفييتي، بعد انسحاب فرنسا في 1962. المذبحة التي نفذها الجنود والمستوطنون الفرنسيون ضد المواطنين في الجزائر لم تمنع بوتفليقة من رغبته في التقرب من فرنسا، وأثبت ذلك صحته. إلا أن التوترات تحدث في أي فرصة. وهذا يحدث ايضا في اللقاءات التجارية بين الدولتين. ويحدث ايضا في لقاءات الاعمال حيث يقول الجزائريون إن هناك تمييز ضدهم قياسا بالمغرب الشقيقة والخصمة.
النزاع في صحراء الصهارى الغربية الذي تؤيد فيه فرنسا موقف المغرب، التي لا تريد التنازل عن المناطق التي تحت سيطرتها، هو أحد مراكز الخلاف. «العقدة المغربية» للجزائر لم تمنع من وجود وزيرتين من أصل مغربي في وفد الحكومة الفرنسية.
موضوع الإرهاب كان فرصة لاظهار جبهة واحدة في لقاء الحكومتين الذي تم هذا الاسبوع في الجزائر. رئيس حكومة فرنسا مناويل فالس ورئيس الحكومة الجزائرية عبد المالك السلال توصلا إلى اتفاق حول التنسيق في الامور الاستخبارية ومراقبة الحدود ومتابعة خبراء مكافحة الإرهاب وتدريب أئمة غير متطرفين في المساجد في فرنسا.
الكثير من المخربين الناشطين في اوروبا جاءوا من الجزائر وفي نفس الدولة حتى وإن سيطرت الحكومة على الوضع في المدن الكبرى، فان منظمات الإرهاب تعمل في المناطق النائية لكابيليا والصحراء على الحدود مع ليبيا. حسب اقوال السلال، هذا هو الموضوع الملح أكثر في العلاقة بين الدولتين. في العقد الاول من القرن الحالي حيث كانت اصداء الحرب لم تزل بعد وتعامل الجزائريون بالاشتباه مع فرنسا وامتنعوا عن أي علاقة مع الولايات المتحدة، توجه بوتفليقة واجهزته الأمنية بشكل سري إلى اسرائيل واظهروا الرغبة في التعاون الامني، اضافة إلى التعاون القومي. وكان بوتفليقة يريد الحفاظ على امنه الشخصي. وعملت قوات مختلفة في الحكومة الجزائرية ضد التعاون مع العدو الصهيوني.
وزير الداخلية الجزائري، نور الدين بدوي، وهو رقم 2 في الحكومة حسب البروتوكول، قال لي «هناك حاجة الآن إلى معركة دولية تشارك فيها جميع الدول دون استثناء ضد الإرهاب».
نشرت ذات مرة أنباء عن التعاون في هذا الموضوع ومواضيع اخرى، أين يقف الامر الآن؟
«للأسف، في ظل الوضع الحالي نحن بعيدين جدا عن التعاون مع اسرائيل، عليكم أولا حل مشاكلكم مع الفلسطينيين. والمؤتمر الدولي الذي تقترحه فرنسا هو فرصة جيدة. لكن يوجد مكان لعمل دولي. علينا جميعا الاجتماع واتخاذ قرارات بأسرع ما يمكن».

سيادة الرئيس

اضافة إلى الإرهاب والازمة في الصهارى وازمة المهاجرين، فان وزراء الحكومتين ينشغلون في التوقيع على الصفقات الاقتصادية. فرنسا تريد أن تعيد لنفسها المكانة كشريك اقتصادي رقم 1 في الجزائر. هذه المكانة التي سلبت منها من قبل الصينيين. وفي نهاية المطاف فان عدد الاتفاقات الموقعة تبعث على الاحباط، فقط 15 اتفاقية، وهذا نصف عدد الاتفاقات المتوقعة.
الاجواء حول الزيارة متكدرة بسبب رفض السلطات الجزائرية منح تأشيرة دخول لتغطية الزيارة لوسائل الإعلام التي أضرت، حسب زعمهم، بمكانة الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة ومنها صحيفة «لاموند» التي قامت بنشر صورة بوتفليقة إلى جانب من لهم صلة بقضية وثائق بنما. هذا في الوقت الذي لم يذكر اسمه في الوثائق، بل اسم وزير الصناعة عبد السلام بوشوارب الذي سجل شركة في بنما. بعض وسائل الإعلام الاخرى قاطعت الزيارة والصحافيون الذين جاءوا قرأوا بيان احتجاج في مؤتمر صحافي مشترك لرئيسي الحكومتين. الوزير بوشوارب تسبب باحراج آخر عندما صمم على الجلوس على رأس المنتدى الاقتصادي المشترك والتوقيع على الاتفاقات مع وزير الاقتصاد الفرنسي عمانويل مكرون. التوتر ساهم. ففي الدقيقتين نجح في أن ينشيء بلبلة في نظام الخطابات والبرنامج اليومي. ومع ذلك، حسب وسائل الإعلام، فان بوشوارب أظهر نوع من ضبط النفس للانتقام من فرنسا عندما قام بتأخير اتفاق كبير في موضوع صناعة السيارات مع شركة «بيجو» وسارع إلى رفع جميع العقبات الادارية للتوقيع على اتفاق اقامة مصنع لتجميع السيارات من قبل شركة «فولسفاغن» الالمانية.
في المؤتمر الصحافي قال رئيس الحكومة سلال إنه لن يوافق أي جزائري على اهانة بوتفليقة الذي كان مناضلا شجاعا من اجل الحرية، وبعد ذلك سياسيا يعمل لصالح شعبه. بالنسبة لحرية الصحافة يزعم السلال أن هناك حرية للصحافة في الجزائر، والدليل على ذلك أنه ليس هناك أي صحافي يوجد في السجن بسبب كتاباته.
رئيس الحكومة فالس انضم إلى مدح بوتفليقة الذي تمت المصادقة على الالتقاء معه في اللحظة الاخيرة وقال إنه تدخل بشكل شخصي، لكن يجب الآن التفكير بالمستقبل وبالصداقة بين الدول وتجاوز «المشكلات الصغيرة». المشكلات بعيدة عن أن تكون صغيرة وهي تتفاقم على خلفية الحساسية نحو المحتل السابق.
في اللقاء مع بوتفليقة تم أخذ صورة رسمية، حيث حاول الرئيس المريض تركيز نظره وقول شيء للكاميرات ولضيفه. أعرب فالس عن شكره وتفاخره باللقاء ورفض الحديث عن الوضع الصحي لمضيفه. ولكن فيما بعد وفي تغريدة أثارت مجددا عاصفة في وسائل الإعلام الجزائرية قام بنشر الصورة المحرجة لمضيفه. فمن جهة كان الاحتجاج على ما اعتبروه اهانة واستخفاف بالقيادة وبأن جماعة بوتفليقة الابقاء على دُمية في رئاسة الدولة من اجل ضمان بقائها.
الصحافة الرسمية نشرت قائمة الوزراء الموجودين في اللقاء، لكنها لم تذكر اسم من يزعمون في الجزائر بأنه يمسك بالخيوط كلها، ومع ذلك بقي في الظل. وهو شقيق الرئيس سعيد بوتفليقة البالغ 58 سنة والذي يتهمه معارضوه بتشكيل «الخط السيء للفساد» بين الجهات السياسية والاقتصادية والمسؤولية عن القرارات التي اتخذتها السلطة في السنوات الثلاثة الاخيرة والتي تنسب لشقيقه الكبير، بما في ذلك التوقيع على اوامر باسم الرئيس بوتفليقة عندما كان يعالج في المستشفى العسكري «فال دي غراس» في باريس.
إن وضع عبد العزيز بوتفليقة الذي يقترب من الثمانينيات وهو موجود في السلطة منذ 1999، يزداد خطورة منذ اصابته بالجلطة الدماغية التي تعرض لها في 2013. ورغم العلاج المتواصل في فرنسا، إلا أن مقربي وزير الخارجية الفرنسي، جان مارك، الذي التقى معه قبل زيارة فالس، قال إنه لا يمكنه الحديث وأن أطرافه مشلولة.
في الحملة الانتخابية الغريبة التي اختير في نهايتها لولاية ثالثة، رغم أنه لم يشارك بالفعل، حاول خصومه ضعضعة صورته بسبب عدم مشاركته الفاعلة ضد الفرنسيين. «لقد كان اسبوع في العمل السري ولم يطلق رصاصة واحدة»، قال مقاتل قديم. ولكن كوزير خارجية وبعدها كرئيس، عرف بوتفليقة كيف يدمج الجزائر في المجتمع الدولي واخراجها من سنواتها الاصعب.
عندما نجحت في الحديث معه في احدى الزيارات في فرنسا، علق الآمال على عملية السلام بين اسرائيل والفلسطينيين التي عرفت اوقات افضل. الآن بين «مونومينت همرتريم» ـ موقع ذكرى الثورة ـ وبين «المسجد الكبير» وعودة الإسلام، فان الجزائر الجديدة بعد بوتفليقة تستمر في البحث عن نفسها.

جدعون كوتس
معاريف 23/5/2016

يوميات رحلة إلى الجزائر

صحف عبرية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية