«خولييتا» للاسباني بيدرو ألمودوفار: الأم في أشد حالاتها فقدانا وهشاشة

حجم الخط
0

باريس ـ «القدس العربي» من سليم البيك: للمخرج الإسباني بيدرو ألمودوفار أسلوب مكرس سينمائياً، فيمكن القول إن فيلماً ما، لمخرج آخر، إنه ألمودوفاري إن احتوى بعض عناصره، أما أهمها فهي أولاً الألوان، وتبايناتها، وهي ثانياً الأدوار المركزية للنساء، إحاطة الفيلم بالبطلات، وهي ثالثاً الحالات العاطفية القصوى لهؤلاء النساء، وهي رابعاً الحضور شبه الدائم للفنون، إما من خلال شخصيات أو مواضيع. اليوم، في فيلمه الأخير المشارك في المسابقة الرسمية لمهرجان كان، «خولييتا» (Julieta)، فالألمودوفارية حاضرة وبكامل ألقها.
هو فيلمه العشرون، وهو السادس المشارك في مهرجان كان، وله كذلك أفلام نال اثنان منها جائزة الأوسكار وثلاثة منها جائزةَ غويا وثلاثة جائزةَ سيزار. وفيلمه الأخير الذي يُعرض في الصالات الفرنسية بالتزامن مع عرضه في المهرجان سيبدأ قريباً، كما يبدو، في لم جوائز هنا وهناك.
في الفيلم جرأة مضاعفة قد يتجنبها صناع السينما، هي أولاً بطبيعة النص الذي أخذ الفيلمُ السيناريو عنه، وهي ثانياً أن يحوي ممثلتيْن لبطلة واحدة. الفيلم مأخوذ لا عن رواية ولا قصة، بل عن ثلاث قصص للكاتبة الكندية الحاصلة على جائزة نوبل للأدب، أليس مونرو، والقصص هي «حظ» و«قريباً» و«صمت»، من مجموعتها القصصية «هروب». فكان على المخرج أن يجمعها في حكاية واحدة يصور بها فيلمه، وكان لا بد لذلك أن يتيح لنفسه كامل الحرية في التصرف في السيناريو الذي كان لألمودوفار كما هو لمونرو.
أما الشكل الآخر من الجرأة في صناعة الفيلم فكان اتخاذ ممثلتيْن لتأدية دور البطلة في مرحلتيْن زمنيتين غير مبتعدتيْن، إنما منفصلتيْن درامياً، كأن ألمودوفار أراد بذلك فصل المرحلتيْن من حياة البطلة، واللحظة التي ستكبر فيها خولييتا ستكون ذروة حزنها على موت زوجها. وهذا ما يتجنبه كذلك صناع السينما، معتمدين على «نجمة» تؤدي دور البطولة، خاصة إن كان الفيلمُ فيلمَ بطلته، يحمل اسمها وينقل حكايتها. نذكر هنا جرأة الفريد هيتشكوك في فيلم «سايكو» حين أنهى دور البطلة من منتصفه، ما لم يتعوده الجمهور آنذاك، ولا اليوم.
ألمودوفار لم ينه دور البطلة، فهي مركز الفيلم، إنما فصل بين مرحلتيْن: الفرح والحب والجنس، والحزن والفقد والوحدة. لكن الفصل كان متداخلاً، وللأسلوب في رواية الحكاية علاقة في ذلك. فالمخرج نقل حكايةً في حكاية، ما يشبه التقنية التي اشتهرت بها «ألف ليلة وليلة» وصارت أسلوباً أدبياً، لكن الحكايتين هنا مرتبطتان زمنياً، فواحدة منهما تسبق الأخرى وتستمر إلى أن تصل إليها. فيبدأ الفيلم بخولييتا الخمسينية، تفكر بهجرة مدريد إلى البرتغال مع شريكها. تعرف أن ابنتها التي لم ترها لسنين، أنـــها في المدينة وأن لديها طفلين، فتقـــــرر البقاء في مدريد وتطلب من شريكها تركها لوحدها وتعود لتستأجر شقة في المبنى الذي سكنته مع ابنتها بعدما تركته، لتنسى الأسى الذي خلفه هجر ابنتها لها. هنا، تبدأ بكتابة رسالة طويلة لها تحكي فيها كيف تعرفت على أبيها وكيف مات، متقدمة في الزمن إلى يومها الحاضر.
خولييتا الشابة (أدريانا أوغارت)، مدرسة أدب كلاسيكي، تتعرف على خوان في القطار، يمارسان الحب، يغيبان عن بعضيْهما لفترة قبل أن تصلها رسالة منه فتزوره، يتزوجان. يخرج صباحاً في قاربه لاصطياد السمك فيسوء الطقس ويغرق، تطلب منها السلطات التعرف على جثته. ثم تبدأ حياتها بالتحول إلى مرحلة طويلة من الحداد لفقدانه، لكن ابنتها ستتركها، ستلومها لأنها تعرف أن كلاماً حاداً دار بينهما صباحاً بسبب خيانته لها، فتفقد خولييتا ابنتها كذلك بعدما اختفت الأخيرة، وتعود لتعيش حالة الفقد مجدداً إنما تجاه ابنتها. لاحقاً ستصل لخولييتا رسالة منها تخبرها بأن ابنها مات بحادثة، وأنها الآن فقط تشعر بالأسى الذي عاشته أمها بعدما هجرتها.
المشهد الذي استوحى منه ألمودوفار ملصقَ الفيلم هو المفصلي بين المرحلتيْن، حيث تُصاب الأم أثناء استحمامها بتروما نفسية لعدم قدرتها على تخطي حالة الفقدان لزوجها، تحملها ابنتها وصديقتها وتجلسانها وتنشفان شعرها لتجد خولييتا في حينها أنها كبرت (إيما سواريز).
هذه اللحظة كانت النقل الزمني بين المرحلتيْن، لكن المشهد في القطار، حيث التقيا ومارسا الحب في واحدة من التصويرات الجميلة سينمائياً، وألمودوفار أحد الأساتذة في ذلك، حيث تُصور الكاميرا زجاج النافذة العاكسة لهما، ليلاً. المشهد كله في القطار حيث يلتقيان ويفترقان كان تكثيفاً لحياة خولييتا، الحياة التي ستسردها في رسالة لابنتها.
أنجز ألمودوفار العديد من الأفلام عن الأم، قد يكون أبرزها «All About My Mother»، ومنها «High Heels» و «Volver»، لكن هنا كانت الأم في أكثر صورها هشاشة وأضعفها، وذلك لفقد زوجها أولاً وابنتها ثانياً، من دون أن تجد في حياتها ما يمكن أن يعزيها.
يثبت ألمودوفار هنا أسلوبَه السينمائي، حبه للألوان وللنساء، وإظهار هذا الحب بجماليات بصـــــرية وحكائية تجعل أفلامَه عالماً واحداً مليئاً بالألوان والنساء والحكايات، وبالحب ومتعه وانكساراته، كأن شخصيات أفلامه تعرف بعضها إنما لكل منها حكايتها التي جعل ألمودوفار منها فيلماً.

«خولييتا» للاسباني بيدرو ألمودوفار: الأم في أشد حالاتها فقدانا وهشاشة

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية